خالد الأسعد أيقونة فخر واعتزاز لعلماء الآثار

 

Khaled Al-Asaad is an icon of pride and pride for archaeologists

(تحية من سورية إلى كل علماء الآثار في العالم وجهودهم العظيمة في حفظ الإرث الثقافي الأثري ونشر مضمونه)

(Greetings from Syria to the archaeologists in the world and its great efforts in preserving the archaeological cultural heritage and its content).

 

بقلم: المؤرخ الدكتور محمود السيد-المديرية العامة للآثار والمتاحف والإعلامي محمد عماد الدغلي

بعد مرور خمسة أعوام، تعجز الكلمات عن وصف فظاعة جريمة قتل عالم الآثار السوري خالد الأسعد وتدمير حضارة بحجم وعراقة وأصالة حضارة تدمر على يد تنظيم داعش الإرهابي ويتألم المرء عند مرور ذكرى جريمة قتل الأسعد وحجم التدمير والخراب والنهب الذي طال مدينة تدمر الأثرية وتنهمر دموعه ويشعر بالحزن على ضياع جزء من الإرث الحضاري العالمي والذي طالما قدم للإنسانية كنوزا من المعرفة والعلم في كل المجالات. وفقدان بعض مكونات  التراث الثقافي يعني فقدان صفحات من ذاكرة الماضي للإنسانية جمعاء خاصة وأن مدينة تدمر الأثرية السورية قدمت للبشرية منجزات هامة في عدة ميادين وجسدت على مدى قرون صلة الوصل بين الشرق والغرب. ومع تدمير أي معلم أثري يفقد العالم الإنساني قطعة من هويته. وكان ارهابيو “داعش” أقدموا وفي إطار مخططهم التكفيري الاجرامي واستهدافهم للحضارة السورية على اعدام الباحث الاسعد بقطع الرأس في ساحة المتحف الوطني بتدمر ثم قاموا بكل همجية ووحشية على نقل الجثمان وتعليقه على عمود وسط المدينة.

وتجف الأقلام عاجزة عن تدوين تاريخ وإنجازات خالد الأسعد والتي ساهمت في تدوين وتوثيق جزء مهم من تاريخ الحضارة الإنسانية.  ومهما دون عما قام به خالد الأسعد من جهود لحفظ الإرث الثقافي والفني والمعماري التدمري والتعريف بمفرداته فقلمنا يعجز عن إيفائه حقه من الوصف.

ولا تفتخر سورية فقط بعظمة حضارتها وتميزها وتفردها بأوابد وقطع أثرية لا مثيل لها في العالم وبإنجازاتها الحضارية التي لا تعد ولا تحصى في سبيل نهضة وتطور الحضارة الإنسانية العالمية بل تباهي أيضا بعلمائها القادرين على دراسة ونشر وتوثيق وتفسير وعرض وحفظ رموز حضارتها وهويتها الثقافية والتاريخية والأثرية ومنهم عالم الآثار السوري الشهيد خالد الأسعد أحد أبرز المدافعين عن آثار مدينة تدمر خلال الأزمة الراهنة في سورية حتى آخر قطرة من دمه.

اهتم خالد الأسعد بالبحث ودراسة آثار مدينة تدمر الأثرية وما تمثله من بقايا النشاط الإنساني القديم، بهدف تكوين صورة كاملة عن نمط الحياة اليومية التي عاشها التدمريين، وذلك عن طريق دراسة تاريخ المدينة والبحث في البقايا المادية، والثقافية، والفنية.

عالم الآثار السوري خالد الأسعد مدير اثار تدمر السابق قامة كبيرة ويتمتع بقدر كبير من التواضع والرزانة وعاشق للوطن وحضارته وشغوف بالعمل الآثاري وتوثيقه وهو شخصية علمية أكاديمية متخصصة بعلم الآثار وقراءة النقوش الآرامية التدمرية التي كان يرى فيها التعبير الخطي أو المادي عن أسرار الحضارة التدمرية ووسيلة لتدوين حضارة تدمر وتوثيق تاريخها العريق علما أنه أمضى خمسين عاما من حياته العلمية والبحثية والميدانية في دراسة وتوثيق ونشر المؤلفات التي تتحدث عن تاريخ وآثار وحضارة وبيئة عروس البادية السورية تدمر أبرز المواقع الأثرية السياحية العالمية المدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو.

ولد العالم خالد الأسعد عام 1934 م وحصل في عام 1956 على إجازة بالتاريخ من جامعة دمشق وبعدها على دبلوم بالتربية وكان رئيس دائرة الحفريات في المديرية العامة للآثار والمتاحف منذ عام 1961 م ثم شغل منصب المدير العام لآثار ومتاحف تدمر وأمين متحفها منذ عام 1963 ولغاية عام 2003 وشارك البعثات الأثرية الأمريكية والفرنسية والألمانية والإيطالية والبولونية في أعمال التنقيب والترميم بتدمر.

 وساهم الشهيد الاسعد بإعادة بناء اكثر من 400 عمود كامل من أروقة الشارع الطويل ومعبد بعلشمين ومعبد اللات وأعمدة ومنصة وادراج المسرح، وكذلك الأعمدة التذكارية الخمسة المعروفة، إضافة لإعادة بناء المصلبة وأعمدتها الستة عشر الغرانيتية لمدخل حمامات زنوبيا، ومحراب بعلشمين، وجدران وواجهات السور الشمالي للمدينة، وترميم أجزاء كبيرة من أسوار وقاعات وأبراج، وممرات القلعة العربية الأثرية “قلعة فخر الدين” وتركيب جسر معدني فوق خندقها وترميم الأسوار الخارجية والأبراج في قصر الحير الشرقي وإعادة بناء  20 عمودا مع تيجانها في جامع هشام بن عبد الملك وساهم أيضا بشكل فعال في اكتشاف القسم الأكبر من الشارع الطويل وساحة الصلبة أو التترابيل وبعض المدافن والمغارات والمقبرة البيزنطية في حديقة متحف تدمر و مدفن بريكي بن أمريشا عضو مجلس الشيوخ التدمري  وهو مكتشف منحوتة حسناء تدمر عام /1988/م ومدفن أسرة بولحا بن نبو شوري، ومدفن أسرة زبد عته، ومدفن بورفا وبولحا ومدفن طيبول.

وفي عام 2001 م اكتشف الآثاري الأسعد في مدينة تدمر الأثرية 700 قطعة نقدية فضية تؤرخ بالقرن السابع الميلادي، وحملت تلك القطع صورا للملكين خسرو الأول والثاني، وأعضاء من السلالة الساسانية التي حكمت بلاد فارس قبل الفتح العربي الاسلامي و في عام 2003 ساهم في اكتشاف لوحة فسيفساء سليمة تؤرخ بالقرن الثالث تصور مشهد معركة أسطورية بين إنسان وحيوان خرافي مجنح موضحا ان مجمل هذه الانجازات الكبيرة والعظيمة دفع الدول العربية و الأوروبية إلى منحه عددا كبيرا من الأوسمة التقديرية السورية والعالمية ومنها وساما الاستحقاق برتبة فارس من رئيسي الجمهورية الفرنسية وجمهورية بولونيا ووسام الاستحقاق من رئيس الجمهورية التونسية.

وتشكل مؤلفات خالد الأسعد مصدرا مهما وغنيا لمعرفة تاريخ تدمر ولغتها وحضارتها وتجارتها وديانتها وأعيادها وجيشها وملوكها وقادتها وأمرائها فهو مؤلف كتاب “زنوبيا ملكة تدمر والشرق” الذي يضم أربعة عشر فصلا ويروي بتفاصيل تشبع نهم القارئ قصة الملكة زنوبيا وزوجها وابنها وعلاقاتها الدولية السياسية والتجارية والعسكرية وأسلوب ونمط حكمها لتدمر ومراحل تأسيس دولة تدمر القوية ومناطق نفوذها وسيطرتها وحروبها مع الرومان ونهاية حكمها وحياتها ومؤلف كتاب “تدمر.. أثريا.. تاريخيا.. سياحيا” بمشاركة عالم الآثار السوري عدنان البني وهو كتاب قيم يقدم معلومات موثقة عن تدمر وتاريخها والبعثات الأثرية العاملة فيها وأهم اللقى والأوابد الأثرية المكتشفة وخصائصها ومزاياها الفنية والمعمارية المميزة. كما يوضح الكتاب أهمية تدمر ومكانتها المرموقة على خارطة السياحة المحلية والعالمية وقد ترجم بست لغات دولية.

والأسعد هو مؤلف كتاب “مرحباً بكم في تدمر.. الدليل السياحي الأول عن تدمر” والذي ترجم إلى خمس لغات دولية ومؤلف كتاب “قصر الحير الشرقي.. مدينة في الصحراء” وكتاب “المدفن رقم 36” وكتاب “سورية في العهد البيزنطي والإسلامي” وكتاب “دراسة أقمشة المحنطات والمقالع التدمرية”، بالمشاركة مع أندرياس شميدت كولينيه وهذه الكتب الثلاثة دونت باللغة الألمانية وكتاب “آغورا تدمر” بالمشاركة مع جاكلين دنزر وكريتيان دلبلاس وكتاب “أهم الكتابات التدمرية في تدمر والعالم” بالمشاركة مع جان بابتيست يون وكتاب “المنحوتات التدمرية” بالمشاركة مع آنا سادورسكا وعدنان البني وهذه الكتب نشرت باللغة الفرنسية وتحوي معلومات قيمة عن فن النحت التدمري و خصائصه و مزاياه وتأثره بفن النحت اليوناني و الروماني.

وله ايضا كذلك كتابا مهما وقيما في اللغات التي كانت سائدة في تدمر والتي استخدمت في تدوين النصوص الدينية والاقتصادية والسياسية والتجارية والحربية والمعاهدات الدولية والنصوص العلمية والزراعية وغيرها عنوانه “الكتابات التدمرية واليونانية واللاتينية في متحف تدمر” نشر باللغة الإنكليزية.

ومن مؤلفات الأسعد أيضا مخطوط بعنوان “قبائل البدو في منطقة تدمر” ومخطوط “النبات والبدو في قصر الحير الشرقي” و”تدمر وباديتها” و”أفقا تدمر” الذي يتحدث عن أهمية نبع أفقا في حياة تدمر وازدهارها ومخطوط “كيف تتعلم الكتابة التدمرية والآرامية” وكان قيد الطباعة و النشر ومجموعة دراسات تاريخية وفنية مقارنة في “كتالوجات” معارض الآثار السورية حول العالم، تتعلق بالقطع الأثرية التدمرية المشاركة في معارض بولونيا وفرنسا وإيطاليا واليونان واليابان الدولية

سورية ولادة للعلماء على الدوام والجيل الجديد من الآثاريين السوريين سيكمل مسيرة الشهيد الأسعد في التعريف بعظمة الحضارة السورية وحماية مواقعها وأوابدها ولقاها الأثرية التي توثق تاريخ وانجازات الحضارة السورية وجزئا مهما من تاريخ الحضارة الانسانية العالمية جمعاء وفريق قراءة النقوش الكتابية القديمة السوري سيواصل قراءة النقوش التدمرية الآرامية وترجمتها ونشر مضمونها مستفيدا من مؤلفات الأسعد في ميدان اللغات والكتابات التدمرية القديمة.

ومن واجب الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو وحكومات العالم وكل إنسان متحضر في هذا الكون حماية التراث الثقافي التدمري السوري العالمي من كل أذى ومنع تهديم أوابدها وسرقت آثارها وطمس تاريخها والمساهمة في منع عمليات التنقيب السري الغير شرعي ومكافحة شبكات الاتجار غير المشروع باللقى الأثرية السورية وإعادة القطع الأثرية السورية المصادرة أو المحفوظة في متاحف العالم

سنمار سورية الاخباري

التصنيفات: _آخر الأخبار,الحضارة السورية