الآكيتو لا يمثل عيد رأس السنة السورية ولا يُؤرخ ظهوره بعام 6769

 

بقلم: المؤرخ الدكتور محمود السيد-المديرية العامة للآثار والمتاحف والإعلامي محمد عماد الدغلي

 

 

نُشرت العديد من التقارير والمقالات التي تعتبر الآكيتو عيد رأس السنة السورية وأنه مر على أول احتفال به 6769 سنة وهو رمز الفرح والحياة وبداية عام جديد وهو عيد بدء الخصب ونمو الزرع والثمار. واعتبر الناشرون “أن “الآكيتو” الذي يعني بالسومرية “أكيتي سنونم” أي عيد رأس السنة لدى الأكاديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين بقي متجسدا كعيد قائم عند الحضارات السورية المتعاقبة ومنها أوجاريت وإيبلا وماري”. وأضاف الناشرون أن “السنة السورية القديمة تبدأ في الأول من نيسان “نيسانو” في اللغة الآرامية ويعود الاحتفال بهذا العيد إلى السلالة البابلية الأولى أي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد ويعد أقدم عيد مسجل في تاريخ الشرق الأدنى ويستمر الاحتفال به 12 يوما تخصص الأيام الأربعة الأولى منها لممارسة الطقوس الدينية أما الأيام المتبقية فكانت تتضمن بعض المظاهر الاجتماعية والسياسية إضافة إلى مواكب احتفالية تضم ألعابا رياضية ورقصات وكانت تقام الأفراح وتعقد احتفالات متنوعة أبرزها احتفالات الزواج”.

الأدلة الأثرية والمصادر الكتابية لا تتوافق مطلقا مع ما تم ذكره وما تم نشره حول الآكيتو والذي لا يمثل عيد رأس السنة السورية ولم يرد ذكره في النقوش المسمارية المكتشفة في أوجاريت وإيبلا وماري ولم يذكر الناشرون لا كيفية تدوين كلمة آكيتو بالنقوش المسمارية المكتشفة في سورية ولا رقم الرقم المسمارية ولا مكان حفظها أو عرضها ولا صورة لها. كما أن التاريخ المقترح 6769 عام لا يتوافق مع تاريخ ابتكار أقدم نظم كتابة في العالم حوالي 3300 ق.م ودونت بالسومرية وعثر عليها في مدينتي أور وأوروك، جنوب العراق. في حين تؤرخ أقدم النصوص المكتوبة في سورية والتي عثر عليها في تل براك في الجزيرة السورية بحوالي 2700 ق.م، ولا تتضمن أي ذكر للآكيتو. كما تؤرخ أقدم نصوص مكتشفة في إيبلا بالقرن الرابع والعشرين قبل الميلاد ولا تتحدث أيضا عن الآكيتو ومن هنا يحق لنا السؤال عن كيفية تسمية عيد واعتباره عيد رأس السنة السورية وتأريخه قبل آلاف الأعوام من تاريخ ابتكار أقدم نظم كتابة معروفة في التاريخ الإنساني. كما أن عيد الربيع في نيسان معروف لدى شعوب المنطقة. وأقدم تدوين للآكيتو وجد في نقوش كتابية مكتشفة في مدينة أور ومؤرخة بالعهد السومري القديم بمنتصف الألف الثالث قبل الميلاد واكتشف في موقع أور الأثري. كما ذكر العيد في النقوش المسمارية المكتشفة في مدينة نيبور ولكش وأوما والمؤرخة بنهاية الألف الثالث قبل الميلاد وهذا ما يخالف ما تم نشره من جهة اعتبار “الاحتفال بعيد أكيتو يعود إلى السلالة البابلية الأولى أي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد”. علما أن الاحتفال بعيد الآكيتو في بلاد الرافدين كان يتم في كانون الأول ويسمى آكيتو موسم البذار وفي نيسان ويسمى آكيتو حصاد الشعير ثم دمج العيدين في عيد واحد أطلق عليه رأس السنة.

ومن المفيد الحديث باختصار عن تاريخ ظهور أنظمة الكتابة المسمارية وأقدمها السومرية. وفي البداية لم تكن الكتابة السومرية مؤلفة من اشارات على شكل زوايا بل رسم التلميذ السومري شكل الأشياء على سطح الرقيم الفخاري مع الاشارة إلى أعدادها حيث بدأ أول شكل من الكتابة الصورية وهو أبسط أنواع الكتابة وتدعى البدائية لكن هذه الكتابة لا يمكن قراءتها في أغلب الأحيان إلا بواسطة الشخص نفسه الذي قام بتدوينها وقدر عدد هذه الإشارات بألف وخمسمئة اشارة استخدمت في عمليات الحساب كحساب ممتلكات المعبد من الماشية والحبوب وجرار الزيت. ثم تطور نظام الكتابة خلال عصر الأوروك وخلال عصر جمدت نصر 3100-2900 ق.م وظهر فيه نظام كتابي تقوم فيه الاشارة الواحدة مقام كلمة أو أكثر. مع تطور وسائل الكتابة وطرائق التعبير والحاجة لتدوين الوثائق الإدارية والقانونية والسياسية تحولت الرموز الصورية إلى اشارات مسمارية أسهل في التدوين وأكثر وضوحا في التعبير. ومع نهاية العام 2600 ق.م وبداية العام 2500 ق.م بدأت الاشارات تأخذ شكل الزوايا والمسامير ومن هنا جاء اسمها الكتابة المسمارية.

وتعتبر النصوص المسمارية السومرية القادمة من مملكة لكش في العراق والتي يعود تاريخها إلى العام 2500 ق.م الأكثر وفرة في ذلك العصر وينسب أقدم نقش ملكي منقوش على مسلة نصب النسور للملك أنا توم ملك لكش والى هذه المرحلة أيضا تنسب بداية تأريخ الحدث واليها تعود بداية انتشار الكتابة على نطاق واسع وتقرأ النصوص المسمارية في معظمها من اليسار إلى اليمين وبقيت الكتابة المسمارية السومرية مستخدمة حتى الألف الأول قبل الميلاد.

ويمكن تلخيص المراحل التي مر بها تطور اللغة السومرية بمرحلة الكتابة السومرية الصورية 3300-2600 ق.م ومرحلة الكتابة السومرية القديمة أو الكلاسيكية نهاية عام 2600 ولغاية 2300ق.م ومرحلة الكتابة السومرية الحديثة 2300-2000ق.م ومرحلة الكتابة السومرية المتأخرة 2000-72ق.م.  

حوالي 2400 قبل الميلاد ظهر نظام كتابي مسماري مختلف هو نظام الكتابة الأكادي المسماري المقطعي المؤلف من رموز ذات قيم صوتية. علما أن الآكادية استخدمت بعض الإشارات السومرية التي وظفت في بداية الجملة أو في آخرها للاختصار وللمساعدة في قراءة الكلمة وفي تحديد معناها. كما أن ظهور العلامات الصوتية ثنائية المقطع يمثل خاصة من خصائص اللغة الآكادية في حين أن السومرية هي كتابة أحادية المقطع. وقد مر تطور اللغة الآكادية بمراحل عديدة أولها فترة مملكة ثم امبراطورية آكاد 2150/2350 حيث اتسعت المملكة الآكادية في عهد سرجون الآكادي “2334 وحتى 2279 ق.م” وسيطرت على أراضي واسعة امتدت من عيلام إلى البحر المتوسط بما في ذلك بلاد ما بين النهرين والأناضول وأصبحت تسمى الإمبراطورية الآكادية. وفي عهد سرجون الآكادي أصبحت الآكادية لغة دولية واللغة الرسمية في بلاد الرافدين وبعد سقوط امبراطورية آكاد عاد استخدام السومرية في عهد الأسرة الثالثة لأور وبسقوطها نحو 2004 ق.م لم تعد السومرية لغة محكية.

 

تم في سورية ابتكار نظام كتابي مسماري إبلائي محلي عاصر ظهور الكتابة الأكادية في بلاد الرافدين، ففي مطلع القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد ابتكرت اللغة والكتابة المسمارية الإبلائية وهي لغة محلية كانت محكية في مملكة إبلا “حاليا موقع تل مرديخ الأثري شمال سورية” في الفترة الواقعة ما بين القرن الرابع والعشرين والثالث والعشرين قبل الميلاد وقد تم التعرف عليها من خلال القواميس المسمارية المكتشفة في موقع تل مرديخ الأثري بدءا من عام 1964.

المعطيات الأثرية دلت على أن مملكة إبلا عاصرت السلالات الحاكمة المبكرة في بلاد الرافدين. وفي عام 1968 اكتشف في موقع تل مرديخ تمثال يحتوي نقشا مسماريا مدونا بالأكادية القديمة يذكر اسم ملك إبلا “إبيت .. ليم” كما أثبتت اكتشافات أعوام 1974/1975 في بقايا قصر في موقع تل مرديخ الأثري الذي ينسب تاريخه إلى عصر البرونز القديم في الفترة الواقعة ما بين 2400/2225 ق.م والتي أسفرت عن اكتشاف 42 رقيما مسماريا في العام الأول و 1700 رقيم مسماري في العام الثاني استقلالية اللغة الإبلائية عن الأموريين بالرغم من البنية الصرفية للكلمات الإبلائية والتي تمتلك أشكالا قديمة شاهدة في الأكادية وتمتلك مفردات معجمية مشابهة لمفردات اللغات الأخرى كالعبرية والآرامية لكنها لغة سورية محلية مستقلة قائمة بذاتها سميت بالإبلائية.

الرقم المكتشفة في إبلا معظمها إدارية واقتصادية كما اكتشفت مئات النصوص التاريخية وبعض النصوص المدرسية والمعجمية بعضها قواميس ثنائية اللغة مدونة في معظمها باشارات مسمارية مقطعية تم بفضلها التعرف على بعض أسرار اللغة الإبلائية فضلا عن بعض النصوص الأدبية “أساطير وملاحم وأناشيد وتراتيل وأمثال وبعض النصوص المتعلقة بالسحر والشعوذة”. وبالرغم أن الجزء الأكبر من هذه الرقم منقوش بالمسمارية السومرية إلا أن نسبة كبيرة منها لم تستخدم الكتابة الإبلائية إلا رمزيا حيث أضيفت إلى الكلمات السومرية كعلامات لبناء الكلمات صرفيا وكضمائر وحروف جر ما يدل على تميز اللغة الإبلائية عن اللغة السومرية واستقلاليتها.

دراسة الإشارات المسمارية الإبلائية تظهر من جهة عددا من الاختلافات مع نظم الكتابات المسمارية الأخرى كالمسمارية السومرية والعيلامية والحثية والحورية وتوضح من جهة أخرى وجود تشابه مع الاكادية القديمة التي استخدمت كلغة للتفاهم والكتابة في مملكة كيش في بلاد الرافدين في عهد السلالات الحاكمة الثانية في الأوروك “الوركاء” مع تميز اللغة الإبلائية واستقلاليتها.

استخدم التلميذ الإبلائي ثلاثة انماط لتدوين اللغة الإبلائية.. الأول مقطعي يتمثل فيه كل مقطع بحرف, استخدم في تدوين النصوص السحرية وأسماء الإعلام ونسبتها قليلة والثاني استخدم فيه التلميذ الكتابة المقطعية والرمزية معا لتدوين الرسائل والنصوص التاريخية والأدبية وبعض الرسائل الدبلوماسية والنمط الثالث استخدم بشكل جوهري الكتابة الرمزية التي تقوم فيها الإشارة الواحدة مقام كلمة أو أكثر وهذه الإشارة كانت كافية في تدوين النصوص الاقتصادية والإدارية المرتبطة بالقصر الملكي وهو النمط الأكثر استخداما في تدوين النصوص الإبلائية.

 

الضمائر في اللغة الابلائية نوعان ضمائر منفصلة وضمائر متصلة بالفعل الماضي أو المضارع أو بالاسم كما يوجد أيضا في اللغة الإبلائية اسم فاعل وصفة وموصوف وأسماء للدلالة على الزمان والمكان وأسماء استفهام والاسم فيها نوعان مذكر ومؤنث يكون اسم مجرد أو في حالة البناء أو الإسناد ويأتي بالمفرد والمثنى والجمع وبالرفع والنصب والجر ويمكن أن يكون الاسم في اللغة الإبلائية جارا ومجرورا أو ظرف زمان أو ظرف مكان. دمرت إبلا على يد نارام سين الأكادي حوالي عام 2240 ق.م. ويضم أرشيفها أكثر من 15000 رقيم مسماري وبدمارها لم تعد اللغة الإبلائية لغة محكية.

في عصر البرونز الوسيط 2100/2000-1600 ق.م انقسمت الأكادية إلى لهجتين, لهجة بابلية قديمة ولهجة آشورية قديمة. الاختلاف بين اللهجتين يعود بشكل رئيسي إلى الاختلاف في لفظ الكلمات. ثم أصبحت الأكادية في العصر الأموري في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد هي اللغة السائدة ولغة الكتابة “أدب..نصوص قانونية..تجارية” وانتشرت في كل منطقة الشرق القديم, حيث استخدمت الإمبراطورية الحثية في هضبة الأناضول في القرن التاسع عشر قبل الميلاد الخط الآشوري القديم, في حين استخدمت امبراطورية عيلام “إيران حاليا” ومملكة ماري السورية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد الخط البابلي القديم, أما مملكة ألالاخ “موقع تل العطشانة حاليا” في سورية فقد استخدمت في القرن الثامن عشر قبل الميلاد الخط البابلي القديم.

ومع قدوم عصر البرونز الحديث 1600-1200 ق.م دونت النصوص المسمارية بالخط الآشوري الوسيط والخط البابلي الوسيط وهو العصر الذهبي للغة الآكادية حيث لم يقتصر استخدامها في بلاد الرافدين بل استخدمت أيضا في مصر وسورية والامبراطورية الحثية.

وفي سورية القديمة استخدمت مملكة ألالاخ في القرن الخامس عشر قبل الميلاد الخط المسماري البابلي الوسيط و كذلك استخدمت مملكة أوجاريت على الساحل السوري في الفترة الواقعة ما بين القرن الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد الخط المسماري البابلي الوسيط.

وفي مصر الفرعونية تؤكد الرقم المسمارية المكتشفة في موقع تل العمارنة الأثري استخدام الفراعنة المصريين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد للخط البابلي الوسيط. كما تؤكد مكتشفات موقع نوزي الأثري أن سكان بلاد الرافدين استخدموا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد الخط البابلي الوسيط.

 وفي عصر الحديد أي الألف الأول قبل الميلاد دونت النصوص المسمارية بالخط البابلي الحديث وبالخط الآشوري الحديث ثم ظهر الخط المسماري البابلي المتأخر عام 600 ق.م وبقي مستخدما لغاية عام 75 ق.م. وفي هذه المرحلة اتخذت الإشارات المسمارية شكلها النهائي وبقيت اللغة والكتابة المسمارية الأكادية البابلية والآشورية مستخدمة كلغة ووسيلة تدوين دولية حتى النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد وهو تاريخ ظهور الآراميين ولغتهم.

لم يكن النظام الكتابي المسماري مستخدما فقط في بلاد الرافدين بل استخدم أيضا من قبل شعوب وحضارات أخرى فمنذ الألف الثالث قبل الميلاد استخدمت عيلام كتابة خاصة بها هي العيلامية البدائية المؤلفة من حوالي ألف إشارة والتي لم نتمكن إلى يومنا هذا من فك رموزها. ثم ظهر نظام الكتابة العيلامي المسماري القديم خلال النصف الثاني من الألف الثالث ق.م والمؤلف من 130 إشارة مسمارية وبقي مستخدما حتى عام 330 ق.م.

مر تطور اللغة العيلامية المسمارية بعدة مراحل هي مرحلة الكتابة المسمارية العيلامية القديمة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ومرحلة الكتابة المسمارية العيلامية الوسيطة من القرن الثالث عشر ولغاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد ومرحلة الكتابة المسمارية العيلامية الحديثة في القرن السابع قبل الميلاد وأخيرا مرحلة الكتابة المسمارية العيلامية الاخمينية من القرن السادس ولغاية القرن الرابع قبل الميلاد علما أن أقدم نص مدون بالمسمارية العيلامية يعود تاريخه إلى حوالي 2250 ق.م يتحدث عن اتفاقية وقعت بين نارام سين ملك أكاد 2254/ 2218 ق.م وسلطان مملكة اوان العيلامية في جبال مدينة سوسة في إيران.

الحوريين استخدموا نظام الكتابة المسماري في تدوين اللغة الحورية مند نهاية الألف الثالث حتى نهاية الألف الثاني ق.م وقد برزت أهمية اللغة الحورية بشكل واضح في عهد مملكة ميتاني شمال سورية في عصر البرونز”. علما أن أقدم نوطة موسيقية كاملة في العالم منقوشة بالكتابة المسمارية على رقيم فخاري يحتوي أربعة أبيات شعر مدونة بالكتابة المسمارية الحورية يليها ستة أسطر مدونة بالكتابة المسمارية الأكادية فيها أسماء الأبعاد الموسيقية البابلية اكتشفت في مملكة أوجاريت في محافظة اللاذقية.

 الحثيين في هضبة الأناضول استخدموا أيضا نظام الكتابة المسماري في تدوين اللغة الحثية من عام1570 ولغاية عام 1200ق.م. كما أن اللغات المستخدمة أيضا في تدوين نصوص الامبراطورية الحثية هي الأكادية “لغة المراسلات الدولية” الحورية والسومرية.

 ومملكة أورارتو في هضبة أرمينية جنوب شرق البحر الأسود وإلى الجنوب الغربي من بحر قزوين بجبال شرق تركيا حول بحيرة “وان” استخدمت نظام الكتابة المسماري في تدوين اللغة الأورارتية من نهاية الألف الثاني قبل الميلاد إلى ما قبل منتصف الألف الأول قبل الميلاد كما استخدمت بشكل محدود جدا الهيروغليفية اللوفية الحثية علما أن اللغة الأورارتية هي من اللغات الإلصاقية أي اللغات التي يتغير فيها معنى الكلمة عند إضافة السوابق أو اللواحق.    

مع مطلع القرن الثالث عشر قبل الميلاد ابتكر السوريون نظام كتابة مسماري أسهل بكثير للتعلم والاستخدام من السومرية والأكادية المقطعية بفرعيها البابلي والأشوري وهو نظام الكتابة الأبجدية المسمارية الأوجاريتية وهو أقدم نظام كتابي أبجدي مسماري في العالم ذي نظام قواعدي متكامل اعتمد بشكل أساسي على البنية السليمة للغة من جهة الحالة الكتابية واستخدام معظم الأصوات التي ينطقها الإنسان وأهم دليل في العالم على حدوث تطور كبير في النحو والصرف وقواعد الهجاء والقيم الصوتية.

يتألف نظام الكتابة المسمارية الأبجدي الأوجاريتي من 30 إشارة أو رمزا مسماريا أبجديا, 27 منها ساكن والرموز الثلاثة الباقية صوتية وقد شكلت أبجدية أوجاريت القاعدة الأساسية في ابتكار وظهور الأبجدية الفينيقية التي ابتكرت عام 1000 قبل الميلاد والأبجدية الآرامية والأبجديات الأخرى التي اشتقت من الفينيقية والآرامية كالعبرية والمؤابية والعمونية واليونانية والنبطية والتدمرية والسريانية والعربية الجنوبية والصفائية والعربية الشمالية. بدليل اكتشاف العديد من النصوص المسمارية التي اختصرت فيها الأبجدية إلى 22 حرفا وكانت كافية لكتابة النص المراد تدوينه وهذا يوثق أن الأبجدية الأوجاريتية هي أم الأبجديات في العالم ففي مملكة أوجاريت اكتشف على سبيل المثال نص مسماري استخدم التلميذ في تدوينه رموز الأبجدية الأوجاريتية المختصرة المؤلفة من 22 إشارة بدلا من استخدام الأبجدية الأوجاريتية الكاملة المؤلفة من 30 حرفا ويمثل وثيقة إدارية لتصدير الزيت والحبوب ويؤرخ بالفترة الواقعة ما بين القرن الثاني عشر والثالث عشر قبل الميلاد وهو محفوظ في متحف دمشق الوطني وهو النص المسماري الوحيد في العالم الذي يكتب من اليمين إلى اليسار كما هو الحال في الفينيقية والعربية في حين أن النصوص المسمارية الأخرى تكتب من اليسار إلى اليمين.

اسم الأبجدية من وجهة نظر لغوية موثقة “أوجاريت” وليس أوغاريت كما يقول عامة الناس وبعض الباحثين في ميدان اللغة والعلم الأثري وعدد من وسائل الإعلام والكتب والأبحاث المنشورة. لأن التلميذ دون الاسم في جميع الرقم الفخارية التي تشير أو تذكر اسم المملكة على الشكل التالي أو “ج” ر” ت” وليس أو “غ” ر” ت” فضلا عن وجود اختلاف كبير في الشكل بين حرف الجيم وحرف الغين كما أن كلمة أوجار تعني “حقل” في حين أن كلمة أوغار ليس لها معنى في قاموس اللغة الأوجاريتية وبالتالي يجب تصحيح التسمية القديمة أوغاريت واستبدالها بكلمة أوجاريت. علماً أن جميع النصوص المدونة بالأحرف الأبجدية المسمارية الأوجاريتية المكتشفة إلى يومنا هذا تؤرخ بالقرن الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد وهذا ما ينفي اختراع الأبجدية المسمارية الأوجاريتية قبل القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

إذا اختراع الكتابة المسمارية الأبجدية الأوجاريتية أرخ مرحلة جديدة من مراحل تقدم الحضارة البشرية ونقلة نوعية في رقي الثقافة الإنسانية ووضع اللبنات الأولى في بناء الأبجديات اللاحقة وهي نتاج طبيعي للتطور الفكري واللغوي والكتابي الذي عرفته سورية في العصور السابقة. علما أن مملكة أوجاريت استخدمت اللغة الأوجاريتية كلغة محلية في حين أن اللغة الأكادية كانت اللغة المستخدمة في المراسلات الدولية ومع سقوط مملكة أوجاريت على يد شعوب البحر عام 1185 ق.م انتهى استخدام الأبجدية المسمارية الأوجاريتية.

خلال القرن السادس حوالي عام 525 ق.م ابتكر الفرس الاخمينيون نظام الكتابة المسمارية المقطعية الفارسية المؤلف من 36 إشارة تكتب من اليمين إلى اليسار لكنها لم تلق انتشارا واسعا وانتهى استخدامها حوالي عام 330 بسبب اعتماد ملوك الفرس الاخمينيين للغة الآرامية كلغة رئيسية في البلاد.

نظام الكتابة المسمارية بقي مستخدما ومتداولا حتى القرون الأولى للميلاد حيث لم يلق نفس الاهتمام الذي حظي به نظام الكتابة الهيروغليفية المصرية لدى اليونانيين والرومان.

ما سبق يؤكد أن الآكيتو ليس عيدا سوريا في جذوره وهو في الأصل عيد سومري ومن ثم انتقل الاحتفال به إلى الأكاديين ولا يمكن التعرف عليه قبل تاريخ ابتكار نظم الكتابة ولا يمكن تأريخ ظهوره في عام 6769 وتبقى المدوّنات الكتابية المرجع الأوّل والأخير ومنها عدد من الألواح المسمارية المكتشفة في العراق والمحفوظة حاليا في متحف لندن والتي تذكر بين سطورها الآكيتو. وقد بدأ ملوك اشور الاحتفال في عيد الآكيتو بعد إخضاع بلاد أكاد الى حكمهم وخاصة في الفترة التي أعقبت حكم الملك تغلت فلاصر الثالث، أي أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. وحافظت مدينة بابل الكلدانية الآرامية في الألف الأول ق.م على الاحتفال بعيد الآكيتو خاصة بعد استقلال بلاد أكاد سنة 624 ق.م عن الحكم الاشوري ثم قضائهم على الدولة الأشورية عام 612 ق.م.

 

سنمار سورية الاخباري

 

التصنيفات: _آخر الأخبار,الأخبار,الحضارة السورية