السياسة الأمريكية تجاه لبنان تعيد خلط الأوراق

لم تأت العقوبات التي فرضتها واشنطن على شخصيات لبنانية، في ظروف سياسية عادية تعيشها البلاد. بل جاءت العقوبات عقب المبادرة الفرنسية التي جاءت بعد تفجير مرفأ بيروت ، وقد طالت للمرة الأولى، شخصيات من العيار السياسي الثقيل، وهبطت على بيروت فيما هي أمام مفترق طرق مفصلي، بين تشكيل حكومة تلاقي تطلعات الشعب اللبناني والمجتمع الدولي، فتفتح أمامها أبواب المساعدات المالية والمادية، وبين الفشل في هذا الاختبار المراقب فرنسيا وعالميا، ما سيعني زوال لبنان، والتعبير لوزير الخارجية الفرنسية جان ايف لو دريان.
ليست المبادرة الفرنسية بالنسبة الى حزب الله نصّاً مُنزلاً. يُدرك الحزب تماماً الدور الفرنسي وما يضمره، ورغم الكثير من الملاحظات السلبية على أداء باريس، إلا أن « الواقعية السياسية» تقتضي التعامل مع المبادرة والاستفادة من بعض ما تحمله في سبيل الحدّ من الانهيار.
حزب الله لم يؤخذ بكلامٍ معسول، أو حنانٍ مُصطَنع. منذُ اللحظات الأولى لمجيء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت بعدَ انفجار المرفأ، انتظر الحزب هدوء الزوبعة الإعلامية التي رافقت « المنقذ « . وإلى حين ظهور « النيّات».
لم يتعامل الحزب بسلبية، وإن كانَ الهدف واضحاً في نظره، ورغم عِلمه بأن أي خطوة فرنسية لا بدّ أن تصُبّ عند نهاية الأمر في الملعب الأمريكي . فهو قطَع الطريق على الجميع لتحويله إلى الشمّاعة الأسهل لكل خصم داخلي وخارجي بأن يرمي عليه مسؤولية التعطيل والفشل، وتعامل بما يراه واقعية سياسية مع المبادرة الفرنسية التي – وبالرغم من الملاحظات الكثيرة عليها – يرى أنه يُمكن الاستفادة من بعض بنودها بما يخدم المشهد الداخلي اللبناني ، بما أن ما يفعله الفرنسي اليوم هو مضيعه للوقت، بالنيابة عن واشنطن، وفي انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية.
رغم ذلِك، لم يُقفل حزب الله الباب أمام المبادرة الفرنسية، بل عبّر عن انفتاح تجاه بعض العناوين التي حملتها، والتي يُمكن الاستفادة منها في الوقت الراهن. يصِل الحزب إلى خلاصة مفادها أن التدخل الفرنسي مع ما يحملِه من مخاطر، يطرح مبادرة إنقاذية من شأنها أن تخفف من حدّة الانهيار، وهو أمر يفرض التعاون معها، في وقت يُمكن جني ثمار منها. أولاً، لن يرفض حزب الله قناة اتصال أرادتها فرنسا مفتوحة معه، باعتباره طرفاً سياسياً أساسياً على الساحة اللبنانية، في ظل الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية على الدول الأوروبية لتصنيف الحزب كمنظمة إرهابية.
بينَ السلبيات والإيجابيات التي يُسجّلها حزب الله على الحركة الفرنسية، تؤكّد أوساط مطّلعة أن الجانب الفرنسي، بعث برسائل تطمينية وإيجابية متعدّدة إلى الحزب، لكن كل ذلك يبقى في الإطار الكلامي، إذ إن عملياً ما يفعله رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقون يؤكّد الازدواجية في السياسة الفرنسية، و» سيذهب بالبلد إلى المجهول» ، وهو أمر تبلغه الجميع، بمن فيهم الفرنسيون والرئيس المكلّف مصطفى أديب.
الطعنه الامريكية بالعقوبات التي فرضتها على شخصيات لبنانية وازنة فمن غير المستبعد مثلا، إزاء هذه «الطعنة» الأميركية، أن يعيد فريق 8 آذار خلط الاوراق وترتيب صفوفه لمواجهة المخطط الاميركي الذي يستهدفه. فتعود أطرافه مثلا لتتمسّك بحكومة من الصنف السياسي الواضح، فيها تمثيل وازن للحزب وحلفائه، مع اصرار على ابقاء المالية مع فريق «أمل» والأشغال مع المردة، و»الطاقة» مع التيار الوطني الحر، والصحة مع حزب الله، في تحدّ للموقف الاميركي، تعلن فيه ايضا انها في حلّ من التفاهم الذي أبرمته مع باريس التي لم تكن على قدر رهاناتهم ولم تقِهم «السيف» الاميركي.

 

علي ابو حبلة – الدستور

التصنيفات: _آخر الأخبار,قــــلـــــم و رأي