تفسير التاريخ

 

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ أيام: «إن المحاولات المسيّسة للتفسير التعسفي لتاريخ الحرب العالمية الثانية هي ضربة لأسس النظام العالمي بعد الحرب». وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها الرئيس بوتين للخلاف بين روسيا وبين باقي الدول الأوروبية على تفسير مجريات الحرب العالمية الثانية ومن الذي لعب دوراً جوهرياً في تحقيق الانتصار على النازية. أي بعد ستين عاماً ونيف على انتهاء الحرب العالمية الثانية لم تتفق القوى التي خاضت هذه الحرب على تفسير مجرياتها؛ فكلٌّ له روايته وكلٌّ له تفسيره، وهذا مثال واحد من التاريخ. والأمثلة لا تحصى من التاريخ وعلى امتداد الجغرافيا العالمية؛ فكلنا يقرأ عن صحة أو خطأ روايات رافقتنا منذ الطفولة حول أحداث تاريخية معينة، فقط لنكتشف بعد حين أنها من نسج خيال رواتها وأن لا علاقة لها بالواقع الذي كان معيشاً في حينه. وبعض الشعوب أدركت أهمية هذه المسألة أكثر من غيرها فركزت ليس فقط على خوض الحرب والانتصار فيها وإنما أيضاً على ضمان سرد رواية الحرب بما يضمن دورها وتضحياتها ولا يسمح لروايات الآخرين أن تشكّل أساس الحكاية للأجيال القادمة؛ فقد تنبهت الولايات المتحدة لأهمية الحكاية منذ قرون فدفنت مع السكان الأصليين قصص بطولاتهم وثوراتهم وتضحياتهم وتنوع ثقافتهم وفنونهم حيث لا يعلم العالم اليوم عنهم إلا النزر اليسير، كما طبقت تجربتها هذه في احتلال العراق فمنعت أي إعلام غير مرافق للقوات، وحتى المرافق للقوات أُخضعت روايته إلى رقابة عسكرية مشددة بحيث لا يظهر للملأ إلا السرد الذي ترتئيه وتوافق عليه هذه القوات، لأن الذين يخوضون الحروب يدركون أنه بغض النظر عمّا يجري على الساحة العسكرية فإن البقاء هو للقصة التي يتمّ تسجيلها عن الحدث، وستصبح القصة بعد حين بديلاً وحيداً من هذا الحدث؛ إذ لن يطّلع أحد على حقيقة ما جرى إلا من خلال هذه القصة.

قصدتُ من هذه المقدمة الموجزة أن أقدّم تفسيراً موجزاً لما يجري اليوم من سرعة في محاولات التطبيع لبعض دول الخليج وسبقتها دول عربية وستلحقها حكومات دول عربية أخرى ؛ فالضغوط الأميركية متواصلة على حكومات أصبحت ضعيفة بعد تدمير منظومة التضامن العربي، ويسارع الكيان الغاصب إلى التطبيع الأمني والتطبيع الثقافي والدرامي والسينمائي بين الكيان الإسرائيلي الغاصب وبين الإمارات العربية المتحدة؛ إذ إن الاتفاقات على الإنتاج السينمائي والتحكيم والتدريب ودمج الكوادر في المؤسسة الصهيونية المختصة قد تبدو للبعض حدثاً عابراً ولكنها تحمل دلالات في غاية الأهمية عن المرحلة القادمة والخطط والتوجهات التي يعدّ أعداؤنا العدّة من خلالها لهذه المرحلة؛ إذ إن الإنتاج الفني والدرامي والثقافي الذي تنوي المؤسسة الصهيونية التركيز عليه لا يقصد نشر رايات السلام ولا يقصد زرع بذور المحبة بين الصهاينة والإماراتيين، فهذا آخر أولوياتهم، ولكنه يقصد إعادة كتابة تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأمني والثقافي لبقية بلدان التطبيع، وسرد الحكاية من وجهة النظر الإسرائيلية وبموافقة يعتبرونها «عربية» مع أنها لا تمتّ إلى العروبة بصلة؛ فقد صرّح دوري غولد منذ يومين أن أهمية الاتفاقات مع الدول العربية تجعل تحركات وأعمال إسرائيل أسهل في الأمم المتحدة وعلى الساحة الدولية. هذا في الشقّ السياسي أما في الشقّ التاريخي فقد بدأ الكيان اليوم وربما بدأ منذ فترة بإعادة كتابة تاريخ المنطقة بما ينسجم وروايته وقناعته والصورة التي طالما عمل على ترويجها للعالم عن ديمقراطيّته وتخلف وهمجية وإرهاب العرب. أوَليسوا هم الذين بثّوا ما يحلو لهم من الأفكار على الساحة العالمية من خلال هوليوود، التي أصبحت مؤسسة ثقافية ضاربة في أنحاء الدنيا تشارك في صياغة العقول والأفكار والثقافات؟ وقد يقول قائل إنهم ليسوا بحاجة للإماراتيين لفعل ذلك لأن مؤسساتهم الفنية والدرامية والسينمائية في إسرائيل متطورة، نعم هم ليسوا بحاجة إلى هذه المشاركة الفنية ولا يعنيهم أكانت هذه المشاركة صغيرة أم كبيرة، ولكن ما يعنيهم في الأمر شيئان: أولاً تصديق عربي على أن هذه هي الرواية الحقيقية للصراع العربي الإسرائيلي ولتاريخ فلسطين ولما جرى في فلسطين منذ القرن الماضي، الذي ولاشك سيُظهر أحقية الصهاينة في الأرض وإنسانيتهم والجور الذي تعرضوا له ويتجاهل الحق الفلسطيني في أرضه ومعاناته من الجرائم والاحتلال الإسرائيلي على مدى عقود، كما أنهم بحاجة إلى المال الخليجي لإنتاج ما يرتؤونه من أعمال ثقافية تخدم الدور المستقبلي الذي يخططون له في هذه المنطقة. وبهذا المعنى فإن الخليج سيشارك عملياً ويدفع ثمن إلغاء الرواية العربية في الصراع العربي الإسرائيلي، وتثبيت الرواية الصهيونية في هذا الصراع للأجيال القادمة؛ أي إن المسألة لم تعد مطلقاً مسألة تطبيع أو مشاركة أو سلام أو بناء علاقات بين شعوب أو دول، ولكنّ المسألة اليوم هي تفسير كلّ مجريات القرن الماضي وحتى اليوم من صراع على هذه الأرض ومن تضحيات قدمها الشهداء والأسرى والجرحى العرب، ولأنّ هذا التفسير سيشكّل الحكاية الأساسية التي سترسخ في عقول وضمائر الأجيال القادمة. ويعلم الصهاينة علم اليقين أن الدراما والفيلم اليوم هما أقوى من أي صيغة حاملة للتاريخ لأنهما يدخلان في وجدان المتلقي بسلاسة ويسر ويمكثان هناك رغم إرادته، وإذا ما تنبّه يوماً وأراد التغيير فسيكون الأمر صعباً أو مستحيلاً. وفي هذه الحال فإن اللغة العربية ستُستخدم لترويج الرواية التي يريدها الأعداء وهي رواية إلغائية للعرب، جميع العرب، ولحقوقهم ولمعنى تضحياتهم ولعلاقتهم بأرضهم ولكلّ ما تمّ تقديمه من دماء وتضحيات. ولذلك فإن التطبيع الثقافي مع العدو قد بدأ كما نرى ونسمع العديد من السياسيين والإعلاميين وحتى شيوخ الدين الذين انحازوا تماماً للرواية المعادية وأصبحوا يفترون على تاريخ أمتهم منذ الآن. إن هذا النوع من التطبيع، وبأي شكل كان وبأي صيغة كانت، هو خيار يتخذه البعض لاغتيال تاريخهم وإلغاء حاضرهم ومستقبلهم سواء أأدركوا ذلك أم لم يكونوا مدركين. ولاشك لديّ على الإطلاق أن الذين يخططون لهذه الأعمال من المؤسسات الصهيونية لا يفرّقون أبداً بين إماراتي وفلسطيني وتونسي وعراقي، وأن مشاركة البعض من دول الخليج أو غيرها تهدف فقط إلى إعطاء المشروعية لأعمالهم بأنها أعمال موثقة ومتوازنة وتقدّم الرواية الموضوعية لمجريات التاريخ والموافق عليها من الطرف الآخر الذي قام أيضاً بتمويلها والمشاركة في صياغتها والترويج لها، ولن تكون مشاركة دول الخليج في صياغة الأعمال الثقافية إلا كمشاركة مسؤوليهم في التوقيع على الاتفاقات؛ فقد كان واضحاً من كتب النصّ ومن قدّمه لهم للتوقيع من دون أن تتم قراءته مسبقاً، ولكن وجودهم على المنصة مهم فقط من أجل إظهار مشروعية الحدث وليس من أجل إعطاء رأي أو المساهمة في وضع مضمون؛ أي إن السرد سيكون سردهم وهم الأعداء الألدّاء للوجود العربي، والرواية ستكون روايتهم. فمن سيقبل هذا التحدي من المؤسسات الثقافية العربية ومن سيموّل هذه المؤسسات لتقوم بكتابة وتفسير التاريخ كما عشناه ونعرفه وكما ضحّى من أجله الآلاف من شبابنا وبذلوا دماءهم كي لا يتم اغتصاب الحقوق في الأرض ومصادرة مستقبل الأوطان؟

د. بثينة شعبان – الوطن السورية

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي