الانتخابات الأمريكية.. حرب وعود

كشف وباء فيروس كورونا، الذي قتل أكثر من 200.000 أمريكي، عن الانهيار البنيوي العميق في مجال العناية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتقول صحيفة الغارديان البريطانية: “إن ترامب كذب وصرخ وخطب وشجب، وفوق كل هذا قاطع ورفض بشكل أثار الرعب، وعمل هذا مدفوعاً بغريزته فقط لأنه متأخر عن جو بايدن في استطلاعات الرأي”. في المناظرة الأخيرة التي جرت بينهما لم يجد الباحثون عن أي إلهام في الديمقراطية الأمريكية التي يحاصرها الرئيس نفسه.

لم يعد بخاف على أحد أن الانتخابات الأمريكية تترك أثرها على 7 مليارات نسمة في العالم وليس فقط 330 مليون أمريكي، فمصالح ترامب الشخصية أدت لإفساد السياسة الخارجية الأمريكية، وأدت دوافعه الغريزية إلى مساعدة وتشجيع القومية والديكتاتورية حول العالم، ونحن نراقب اليوم تداعي النظام العالمي، الذي رغم ما يحتوي عليه من مظاهر قصور رهيبة ونفاق إلا أنه حافظ على مظهر السلطة التي حل محلها شيء أسوأ منها. وفي الوقت الذي عبّر فيه كلا المرشحين عن موقف معارض للصين إلا أن جهل وعدم انسجام مواقف ترامب مع عدم صلاحيته للمنصب والخسة التي يعامل فيها الحلفاء تُسّرع من تدهور وضع أمريكا في العالم.

الحملات الانتخابية الأمريكية، بما تحمله من خطط ووعود، تشغل أيضاً الرأي العام الأمريكي، بشكل خاص، والعالمي بشكل عام، نظراً لما تمثله القوة العظمى من دور حيوي على صعيد السياسة والاقتصاد العالمي. وإذا كان تركيز الناخب الأمريكي ينصب في الأغلب على ما تتضمنه خطط المرشحين من برامج تتعلق بالشأن الداخلي وتحديداً بالوضع الاقتصادي، فإن محاور السياسة الخارجية تبقى في بؤرة تركيز الحزبين الجمهوري والديمقراطي المتناحرين على منصب الرئاسة في كل دورة انتخابية. فقد حدّد كل من ترامب مرشح الحزب الجمهوري لدورة انتخابات 2020، ومنافسه جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي، معالم خطط كل منهما، حيث تسعى حملة كل واحد من المرشحين لاستقطاب الناخبين من خلال الدعاية المدروسة والضخ الإعلامي الذي وقوده ما تحمله تلك الخطط من وعود، وتُسّلط ماكينة الإعلام لكل مرشح الضوء على أبرز مشكلات المجتمع الأمريكي الراهنة، والتي يتصدّرها تفشي “كورونا” حيث تجاوز عدد الوفيات قبل أسبوع رقم 200 ألف أمريكي، وهذه مادة دسمة للمرشح الديمقراطي يستغلها بلا هوادة لمهاجمة ترامب وتحميله مسؤولية فشل النظام الصحي في مواجهة الوباء (حتى إنه لفرط تركيزه أخطأ في رقم الوفيات في واحد من لقاءاته الأخيرة، حيث قال مات 200 مليون أمريكي).

الاقتصاد أولاً

بعيداً عن التندر بقصص الوباء، تحتل قضايا الاقتصاد الأمريكي مركز الصدارة في حملات المرشحين الذين يدركون جيداً أهمية أداء الاقتصاد بمستويات معيشة الناخبين، ورضاهم عن هذا المرشح أو ذاك، ويمكن للمرشح الذي لديه خطة اقتصادية ترضي الناخبين أن يحقق الفوز بسهولة. فكثيراً ما نجح مرشحون للرئاسة في ركوب موجة الاقتصاد لبلوغ المنصب، وقد لا يتمكن بايدن من تنفيذ الكثير من خططه الطموحة مع ارتفاع حجم الدين الوطني إلى مستويات تاريخية، ومعروف أنه من أوائل الداعين لتقليص العجز خلال مسيرته السياسية، وتقوم خطة بايدن الاقتصادية على الدعوة لإنقاذ الطبقة الوسطى من أجل إنقاذ أمريكا، أما ترامب فكان شحيحاً في عرض التفاصيل حول خططه للاقتصاد خلال فترة ولايته الثانية، باستثناء اقتراح ميزانية 2021 الذي صدر في شباط 2020، قبل أن يفتك الوباء بالاقتصاد.

الرعاية الصحية

ونظراً لأهمية الرعاية الصحية في ظل الظروف التي أوجدها تفشي الوباء، نجد أن كلا المرشحَين يحرصان على منح هذا الهدف أولوية على غيره، ويركز ترامب في مشروع موازنة عام 2021، على إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق على الرعاية الصحية على مدى العقد المقبل، ولا سيما برنامج “ميديكيد” بكلفة 900 مليار دولار، و”ميدكير” بكلفة 450 مليار دولار، وتطلب الموازنة تخصيص 94.5 مليار دولار لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية، بانخفاض 10% عن المستوى الذي تم إقراره في عام 2020. ووعد ترامب مراراً بخفض أسعار الأدوية، لكنه لم يحقق نتائج مهمة حتى الآن. أما منافسه بايدن فيستغل كل الفرص ليذكّر الأمريكيين بأنه كان بجانب أوباما عندما تم توقيع قانون الرعاية “أفوردابل كير أكت”، وتعهد بحمايته وتوسيعه، ويقول: إنه سيلغي سقف الدخل الموجب للضريبة بنسبة 400%، ويخفض الحد الأقصى لكلفة التغطية إلى 8.5% من الدخل.

الضرائب

افترضت إدارة ترامب تمديد بنود ضريبة الدخل الفردي المدرجة في قانون التخفيضات الضريبية والوظائف الهائلة، والتي من المقرر أن تنتهي في عام 2025، وستكلف هذه التخفيضات الضريبية الحكومة الفيدرالية 1.5 تريليون دولار بين عامي 2025، و2030، وفقاً للجنة الميزانية الفيدرالية. ويسعى بايدن من جانبه لرفع الحد الأعلى لمعدل ضريبة الدخل من 37% إلى 39.6%، و الحد الأعلى لمعدل ضريبة الشركات من 21% إلى 28%، وفي حال فوزه سيعمل على تطبيق ضرائب الضمان الاجتماعي على الدخل الذي يزيد على 400 ألف دولار، وضريبة أرباح رأس المال وتوزيعات الأرباح، ويطلق كلا المرشحين وعوداً فضفاضة حول مشاريع البنية التحية الأمريكية باعتبارها واحدة من قنوات تنشيط الأداء الاقتصادي، وخلق فرص عمل للأمريكيين. ويتحدث بايدن عن خطة مدتها 10 سنوات بقيمة 1.3 تريليون دولار، ويقول: إن خطته ستخلص الولايات المتحدة من انبعاثات الاحتباس الحراري، وتخلق فرص عمل للطبقة الوسطى، ويشمل الإنفاق حسب الخطة 400 مليار دولار على برامج جديدة في مجال البحث والابتكار في قطاع الطاقة النظيفة، ويفتخر ترامب بأنه وفّر أكثر من 6.5 ملايين وظيفة للأمريكيين خلال السنوات الثلاث الأولى من حكمه، لكن “كورونا” شطب الملايين من الوظائف، وقد يستغرق تعويضها وقتاً طويلاً. وتقوم فكرة ترامب لتحفيز الوظائف على فاتورة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية البالغة تريليوني دولار. ويريد بايدن من جانبه، توفير ملايين الوظائف للطبقة الوسطى من خلال خطته الخاصة بمشاريع البنية التحتية.

السياسة الخارجية

لقد شغل بايدن منصب نائب الرئيس أوباما لمدة ثماني سنوات، مع توليه بعض المسؤوليات الحساسة في السياسة الخارجية، بينما لا يزال ترامب مستمراً في شغل منصبه لأكثر من ثلاث سنوات حتى الآن، ويظهر تقدم الحملات أن كلاً منهما يحاول إبراز اختلاف نهجه في قضايا السياسة الخارجية. وأول اختلاف بينهما يرتبط بالعلاقات مع دول العالم، حيث يسعى بايدن لإعادة العلاقات الطبيعية مع حلفاء واشنطن، وإعادة الارتباط مع التكتلات الاقتصادية التي فك ترامب الارتباط معها، مثل اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ، واتفاقيات باريس للمناخ، واتفاق إيران النووي. من ناحية أخرى، يمكن أن يزيد ترامب إذا ما تم انتخابه، الضغط على الناتو في ما يتعلق بمساهمات الدول الأعضاء الأخرى في الحلف، وسوف يمارس ضغطاً كبيراً على الأمم المتحدة كيلا تنفذ سياسات تتعارض مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وعلى العموم، كشفت المناظرة المتلفزة أن إعادة انتخاب ترامب سيكون بمثابة كارثة سيتردد صداها أبعد من الولايات المتحدة، وأن من يعارضون لا يزالون يكافحون حول كيفية التخلص منه، وتعترف الغارديان أن التخلص منه لن يحل مشكلات أمريكا، لأنه عرض وليس السبب، ولكن أي حل يبدأ برحيله، فقد أضعف بلده وأضّر بالعالم، لكن كل ما ورد يدخل في إطار التعبئة الانتخابية، وتبقى التطورات على الأرض هي الفيصل.

 إبراهيم أحمد -البعث

التصنيفات: _آخر الأخبار,_سلايد,دراسات