رحلة الزواحف من الأرض إلى السماء عبر ملايين السنين

قد يحسبها البعض ديناصورات طائرة، وآخرون يظنون أنها “تنانين مجنحة” كما تقول الأساطير، لكن الحقيقة أنها زواحف استطاعت أن تتطور وتنتقل من الأرض لتصبح أول الحيوانات الفقارية التي استطاعت غزو السماء. فمنذ ما يزيد على 220 مليون سنة، وعلى مدار 150 مليون سنة تقريبًا، سادت تلك الزواحف كوكبنا وهيمنت عليه أرضًا وبحرًا وجوًّا. وإذا كانت الديناصورات في تلك الحقبة، كانت “سادة الأرض”، فأبناء عمومتها التيروصورات كانت “سادة السماء”.

تُرى كيف سيطرت تلك الوحوش على سماء الديناصورات وتنوعت في أشكالها وأحجامها، وهي التي لم تكن في يوم من الأيام سوى كائنات برية صغيرة الحجم تمشي على رجلين؟

سؤال حير العلماء عقودًا، إلى أن قدمت دراسة حديثة نُشرت في دورية نيتشر، الإجابة عنه. ووفق علماء من جامعات ريدينج ولينكولن وبريستول، تكشف نتائج الدراسة عن تطور القدرة على الطيران لدى التيروصورات على مدار 150 مليون سنة من حياتها، إلى أن انقرضت مع الديناصورات منذ 66 مليون سنة.

وكان نيزك قطره 9 كيلومترات قد ضرب شبه جزيرة “يوكاتان” المكسيكية، قبل 66 مليون سنة، مُحدثًا فتحةً هائلة، ومؤديًا إلى انقراض أعداد كبيرة من الكائنات الحية، أشهرها الديناصورات.

طريقة جديدة لقياس كفاءة الطيران

تمكَّن العلماء في دراستهم من تتبُّع التطور التدريجي لقدرة التيروصورات على الطيران، كما أوضحوا أن زيادة كفاءة التيروصورات في الطيران لم تكن قفزاتٍ مفاجئةً كما كان يُعتقد من قبل، بل جاءت كتغيير تدريجي طفيف جدًّا على مدار 150 مليون سنة لتتكيَّف مع بيئتها.

تمكَّن العلماء من رصد تلك التغييرات في كفاءة طيران التيروصورات من خلال دراسة الأحافير عبر قياس طول جناحيها وحجم الجسم في مراحل حياتها المختلفة. “كفاءة الطيران تعني تقليل الطاقة المستهلكة في الرحلة إلى الحد الأدنى، لذلك أكثر كفاءةً تعني تكلفةً أقل في التمثيل الغذائي وحاجةً أقل إلى الطعام والأكسجين”.. كما يوضح مايكل بنتون، عالِم الحفريات الفقارية بجامعة بريستول، وأحد مؤلفي الدراسة.

قام الباحثون في دراستهم بعمل نماذج لـ75 نوعًا مختلفًا من التيروصورات اعتمادًا على قياسات طول الجناحين وكتلة الجسم ومحاكاتها مع الطيور الحديثة لمعرفة قدرة كل نوع على الطيران وكفاءته. يقول “بنتون”: “العثور على طريقة لقياس كفاءة الطيران أمرٌ مذهل، نأمل أن نكون قد فهمناه بشكل صحيح”.

ويعلق بلال سالم -باحث الديناصورات بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، والمعيد بجامعة بنها- على الأمر بقوله: “إن هذه الطريقة تفتح الباب للعديد من الدراسات اللاحقة الأكثر تفصيلًا لبيئات المجموعات الأخرى من الكائنات المنقرضة”.

تمكَّن العلماء من رصد تلك التغييرات في كفاءة طيران التيروصورات من خلال دراسة الأحافير عبر قياس طول جناحيها وحجم الجسم في مراحل حياتها المختلفة. credit:Mark Witton

ويضيف: “ما يميز الطريقة المستخدمة في الدراسة هو صناعة نموذج جديد للطيران من خلال تطبيق قواعد الفيزياء الحيوية علي الطيور الحية اليوم لقياس كفاءة طيرانها، وهذا الأمر مهم في حد ذاته، لكن الأهم في تلك الدراسة هو تطبيق الباحثين هذه الطريقة على المعلومات المستنتجة من السجل الحفري لمجموعة متنوعة من التيروصورات؛ لتوضيح تطور الطيران لدى تلك الزواحف الطائرة المنقرضة”.

تراكم طويل المدى

يُعد تطور قدرة التيروصورات على الطيران تطبيقًا واضحًا لمبدأ الانتخاب الطبيعي الذي وضعه تشارلز داروين، يشدد “بنتون” على ذلك بقوله: إن الانتقاء الطبيعي له تأثيرٌ في تحسين قدرة الكائنات الحية على فعل ما تفعله، لقد اختبرنا في الدراسة هذه الفكرة الأساسية للتطور، وأظهرنا أن التيروصورات حسَّنت على الأقل كفاءة أداء الطيران لديها بنسبة 50٪ لتتكيف مع البيئة”.

ومن جانبه، يؤكد “سالم” أن هذه الدراسة هي الأكثر تفصيلًا عن كيفية تطوُّر الحيوانات لتتكيف مع ظروف بيئاتها بشكل أفضل، ومضيفًا: لقد غيرت بالفعل المعتقدات السابقة حول المراحل التطورية الفجائية للطيران في الزواحف الطائرة، كاشفةً عن أن الزواحف الطائرة هيمنت على سماء الديناصورات من خلال التراكم الطويل المدى للتنوُّع البيولوجي والتحسُّن التدريجي في القدرة على الطيران على مدى ملايين السنين.

زيادة قدرة التيروصورات على الطيران

استطاعت التيروصورات خلال رحلة حياتها أن تزيد من كتلة جسمها إلى عشرة أضعاف، فقد وصلت أوزان بعض أنواعها إلى 300 كيلوجرام، ما ساعدها على تقليل استهلاكها للطاقة بنسبة 50% ومضاعفة كفاءتها في الطيران.

يوضح بنتون: “لم يكن التكيُّف عن طريق الزيادة في أحجامها فحسب، بل كان تحسُّنًا “مزدوجًا” في الكفاءة، مرتبطًا بزيادة أكبر في الحجم، بالإضافة إلى بعض التغييرات التطورية الأخرى.

ويضيف: “الأمر أشبه بالطائرات والسفن، فبالنسبة للحيوانات التي تطير في الهواء أو تسبح في الماء، هناك مقاومة تعوق حركتها إلى الأمام؛ بسبب احتكاك الهواء أو الماء مع أجسامها، لكنها عندما تكون أكبر حجمًا فإنك تقلل مساحة السطح النسبية الخاصة بك بما يتناسب مع كتلة الجسم، ما يقلل من مقاومة الهواء لها من خلال زيادة حجمها، وبالتالي تصبح أكثر كفاءةً وقدرةً على الطيران”.

لكل قاعدة استثناء

 مجموعة من التيروصورات تُسمى أزداركويدز (azhdarchoids) كانت هي الاستثناء الوحيد من القاعدة في الدراسة الحالية، ينتمي إلى هذه المجموعة الكويتزلكواتلس (Quetzlcoatlus) أكبر التيروصورات التي عمرت الأرض على الإطلاق ، وصل طول هذا العملاق إلى ما يماثل طول الزرافة، يكمن الاستثناء لهذه المجموعة في قصر طول الجناحين بالنسبة إلى حجم الجسم وبالتالي، قلَّت قدرته على الطيران، مما أدى إلى أن يعيش على اليابس معظم الأوقات.

التصنيفات: _آخر الأخبار,اخـبـار مـنـوعـة,علوم وتكنولوجيا