رؤية شاملة للفص البصري لدى ذبابة الفاكهة

تمكَّنت دراسة حديثة من إعداد أطلس يضم خرائط عالية الدقة للتعبير الجيني في جميع أجزاء الفص البصري لذبابة الفاكهة، «دروسوفيلا» Drosophila، في أثناء مراحل عديدة من التطور. ولا تقتصر أهمية ذلك العمل على تمكيننا من فهم التطور العصبي لدى الدروسوفيلا، لكنه قد يوفر أيضًا رؤى جديدة لفهم تطور المخ بوجه عام.

ولوضع هذا الأطلس، قام فريق من الباحثين بجامعة نيويورك بالولايات المتحدة، وجامعة أوميو بالسويد، وجامعة نيويورك في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، بسَلْسَلة جميع مُخرجات الجينات، أو ما يسمى بـ«الترانسكريبتومات» transcriptomes (كل الحمض النووي الريبوزي RNA)، لحوالي 110 آلاف خلية من خلايا الفص البصري لذبابة الدروسوفيلا اليافعة، و165 ألف خلية أخرى من خلايا الفص البصري المنتشرة في خمسة أطوار من المراحل العُذْرِيَّة. يقول ستاين آرتس -من الجامعة الكاثوليكية في لويفن، بلجيكا- الذي لم يشارك في الدراسة: “هذا مصدر عظيم الأهمية؛ لأنه يغطي تقريبًا جميع أنواع الخلايا وحالاتها التطورية في الفصوص البصرية بالمخ”.

استخدم الباحثون تحليلًا تصنيفيًّا لتقسيم مجموعة الترانسكريبتومات إلى 193 مجموعة، في حالة الحشرات اليافعة. يمكن النظر إلى هذه المجموعات على أنها تمثل أنواع الخلايا، و172 نوعًا منها تناظر خلايا عصبية بالفص البصري، و19 نوعًا تناظر الخلايا الدبقية، وهي التي تشكل النسيج الداعم للجهاز العصبي. وقد تمكَّن الباحثون من التوفيق بين 61 مجموعة عصبية وأنواع الخلايا المناظرة لها من خلال الترانسكريبتومات المنشورة في أبحاث سابقة. كما استخدم الفريق هذه المجموعات في تدريب أداة لتَعَلُّم الآلة على تصنيف ترانسكريبتومات الأطوار العذرية.

وقد كشف تحليل تلك الترانسكريبتومات عن العديد من الخواص المثيرة للاهتمام فيما يتعلق بتطور الخلايا العصبية. يقول كلود ديسبلان -من جامعة نيويورك- الذي قاد فريق الدراسة: “كان من المثير جدًّا بالنسبة لي -بوصفي متخصصًا في علم الأحياء التطوري- أن أرى كيف تتولد الخلايا العصبية، وكيف تتغير الترانسكريبتومات مع مرور الوقت”. وجد الفريق أيضًا أن بعض الأنواع الفرعية من الخلايا العصبية، التي تتباين من حيث الشكل والتشابكات العصبية، لها ترانسكريبتومات تكاد تكون متطابقةً في الخلايا اليافعة، لكنها تكون مختلفةً ومتمايزةً في أثناء النمو، وذلك عندما تصنع وصلاتها العصبية.

وقد بيَّن التحليل أيضًا أن الخلايا العصبية لنوع معين تجتمع لتشكل ترانسكريبتومًا مشتركًا في غضون 15 ساعة من الولادة، ولا يمكن بعد ذلك التمييز بينها اعتمادًا على التعبير الجيني.

وأخيرًا، حدد الفريق مجموعتين من الخلايا العصبية التي تظهر بشكل عابر في الفص البصري في أثناء التطور، ولكنها تموت قبل النضج. تُغلِّف هاتان المجموعتان السطحين الظهري والبطني للشبكات الكثيفة من الألياف العصبية، والتي تُعرف باسم التجمعات العصبية، إلا أن وظيفة هاتين المجموعتين لا تزال مجهولة. يقول ديسبلان: “يركز الجميع تقريبًا على الخلايا العصبية اليافعة، نظرًا إلى أن أدوات البحث مصممة للدراسات الوظيفية، لكن طريقتنا أتاحت لنا رؤية ما يحدث في أثناء النمو، وتمكنت الخوارزمية التي استخدمناها من تحديد هذه الخلايا”.

يأمل ديسبلان أن تكون الاكتشافات التي توصل إليها فريقه مفيدةً على نحو أوسع، بأن توفر للباحثين الذين يدرسون الفقاريات صورةً أوضح حول الأحداث والعمليات التي يمكن البحث عنها ودراستها في أثناء تطور الخلايا العصبية. ويضيف قائلًا: “ولكن الأهم أن ذلك ربما يمَكِّننا من إيجاد «القواعد» التي تتيح لكل زوجين من الخلايا العصبية أن تتصل إحداهما بالأخرى”.

يرى آرتس أن المصدر الذي وفرته هذه الدراسة على قدر كبير من الأهمية، ويقول: “إن تحليل الخلايا المفردة لهذا الجهاز في المستقبل -باستخدام نماذج الأمراض أو الاضطرابات الجينية على سبيل المثال- سوف يستفيد كثيرًا من هذا الأطلس المرجعي”.

التصنيفات: _آخر الأخبار,علوم وتكنولوجيا