ماذا يبقى؟

 

هذا عنوان مسلسل بريطاني قصير، أنتجته الـ(بي بي سي ) في العام 2013، وهو عبارة عن حبكة مشوقة، تحفر في معاني وقيم مجتمع ليبرالي حديث لبيوت متراكبة ومتجاورة في بناء واحد وسط لندن، أصل الليبرالية الاجتماعية الحديثة؛ والسؤال في عنوان المسلسل مهم جداً لفهم معاني قصته، التي يمكن اختصارها بأن ثنائياً شاباً (رجل وامرأة) يسكنان الطابق قبل الأخير من البيت، ويكتشفان جثة في العلية فوق الطابق الأخير، فيبدأا البحث عنها.

 

الشرطة تعتبر أنها جثة الساكنة الأخيرة، التي انتحرت بسبب كآبتها من بدانتها.. وتغلق الشرطة للقضية؛ إلا أن المحقق الذي أحيل إلى التقاعد فور إغلاق القضية يشعر أن في الأمر جريمة فيبحث عن الجرم، وحده، رغم أنه بات خارج الخدمة في الشرطة..

 

مجتمع المسلسل يعيش في بيت إنكليزي تقليدي البناء، إلا أن طبيعة ساكنيه تنتمي إلى العصر الحديث، بكل ما فيه من ليبرالية اجتماعية حديثة؛ فمثلاً الثنائي الشاب الوافد للسكن في البناء يعيشان معاً، والشابة حامل من الشاب من دون زواج.

 

وفي الطابق الثالث تعيش امرأتان مثليتان تعملان في الدعاية والتسويق.

 

وفي الطابق الأرضي يعيش صحفي كحولي مطلق، وتعيش معه زميلته في العمل أربعة أيام في الأسبوع.

 

أما الطابق السفلي فيقطنه مالك البناء، وهو أستاذ رياضيات غاضب صارم، يؤوي شابة كانت تلميذته، ويعاشرها مقابل إخفائها عنه مشاكل ارتكبتها.

 

طبعاً وفي الطابق الأعلى، كانت تعيش الضحية الأساسية، فتاة بدينة، وجدت جثتها وكان هذا منطلق الدراما والبحث.

 

الواضح في مجتمع المسلسل، (البناء)، أن كل بيت فيه يعيش منعزلاً عن الآخر؛ وعزلة كل بيت جعلت الكل لا ينتبهون لغياب الفتاة البدينة لمدة سنتين، وأثناء ملاحقة المحقق الباحث للخيوط حول هذه الفتاة يكتشف أن كل ساكن كان له علاقة ما بالبدينة، بسبب مصلحة، أو غريزة، وكل منهم يصلح ليكون القاتل.

 

كما يكشف أن كل بيت في عزلته عن الآخرين يعيش في حالة غير سوية؛ المثليتان، تحتجز إحداهما الأخرى، وتسجنها في البيت، أي شذوذ وقمع وإجبار.

 

أستاذ الرياضيات العجوز الغاضب يعاشر فتاة يحتجزها أو يخبئها عنده.

 

ابن الصحفي الشاب يحاول أن يعتدي على عشيقة والده، ووالده كان قد أقام علاقة جسدية مع البدينة ورماها.

 

باختصار، مجتمع المسلسل رغم البناء التقليدي. إلا أنه من داخله يعيش ما يمكن تسميته قيم الليبرالية الاجتماعية الحديثة، التي تقوم على الفرد بإطلاق غرائزه وشهواته وانحرافاته، بشرط ألا تؤثر على حركة الرأسمالية المتوحشة المسيطرة..

 

في نهاية العمل يتضح أن الكل مشارك في قتل البدينة، سواء بالنية أو بالدافع أو بالمباشرة، وتتطور الأحداث لتقتل المثلية رفيقتها كي لا تتركها.. والحامل تطرد حبيبها لأنها اكتشفت أنه كان يخونها مع المختبئة عن الأستاذ الغاضب.. والمحقق الذي سكن مكان البدينة، تطعنه المثلية القاتلة لأنه اكتشف جريمتها.. أي إن (ما يبقى) من الإنسان (السكان– مجتمع المسلسل) عندما تطلق الليبرالية غرائزه وأطماعه، ما يبقى من الإنسان مجموعة جثث متناثرة، والموت يملأ البيوت في البناء، والمحقق الذي يحتضر نتيجة الطعنة يمنع الشابة من الذهاب لطلب الإسعاف، يمسك يدها، ويقول لها (ابقِ معي.. لا أريد أن أبقى وحيداً)..

 

هذه هي المشكلة، إن هذه الليبرالية الاجتماعية الحديثة المتوحشة تترك الإنسان وحيداً في مهب الغرائز والشهوات والأطماع القاتلة..

 

(ما يبقى) شهادة فنية إبداعية بريطانية من إنتاج الـ(بي بي سي) الحبكة تشويقية والمعاني في وجدانها تفضح الليبرالية الاجتماعية الحديثة، القاتلة للروح والقيم الإنسانية التي لا يمكن لأي حضارة أن تستمر في إعلاء وخدمة الروح الإنسانية.

د. فؤاد شربجي – تشرين

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي