الجلاء.. حكاية انتصار وطن

الجلاء.. حكاية انتصار وطن

«بين معركة ميسلون ومعركة الجلاء عن ارضنا مرحلة شاقة من مراحل النضال خاضها شعبنا بكل طاقاته، وسخر لها كل امكاناته، قاتل قتال الابطال وبذل بكل سخاء وضحى بالنفس والمال، فلم يترك للمستعمر فرصة تمكنه من تنفيذ خططه وبلوغ مآربه»، بهذه الكلمات اعطى القائد الخالد حافظ الأسد تقويماً واضحاً لواحدة من اهم معارك الكفاح الوطني التي خاضها شعبنا في سبيل نيل استقلاله والتخلص من ربقة الاستعمار الفرنسي.

السابع عشر من نيسان محطة مضيئة في تاريخ سورية عمدتها بدم ابنائها ، فالجلاء ثمرة لجهاد طويل ونضال مرير خاضهما الشعب العربي في سورية، وتتويج لكفاح طويل امتد على مدار 25 عاماً في مقارعة قوات الاحتلال الفرنسي والمخططات الاستعمارية والصهيونية الهادفة الى تقطيع اوصال الوطن العربي واقتطاع اجزاء منه وتكريس التجزئة التي افرزتها اتفاقية سايكس – بيكو التي وضعت سورية تحت نفوذ الانتداب الفرنسي، لكن ما ان وطأت اقدام المستعمرين ارض سورية حتى تحولت الى كتلة ملتهبة تحرق الطامعين بخيراتها، فقد جاء الرد عاصفاً قوياً بقدر ما اوتي ثوار سورية عزماً وتصميماً على انتزاع الحرية والدفاع عن وحدتهم الوطنية، فعمت الثورات كل منطقة من ربوع سورية، فمن ثورة الساحل بقيادة المجاهد الكبير الشيخ صالح العلي الى ثورة المنطقة الشمالية بقيادة المناضل ابراهيم هنانو الى ثورة الدنادشة وثورة البطل فوزي القاوقجي في المنطقة الوسطى لتعانق الملحمة البطولية التي شهدتها دمشق وغوطتها بقيادة المجاهد البطل حسن الخراط ومحمد الاشمر مع ثورة جبل العرب الأشم بقيادة المجاهد الكبير سلطان باشا الاطرش، حيث تحولت سورية الىكتلة نارية ملتهبة تلفظ حممها المنصهرة ضد كل غريب طامع يبغي تدنيس الكرامة، وتلاقت هذه الثورات ايضاً مع ثورة حوران التي شملت القرى والسهول، ونسقت عملياتها الفدائية ضد الفرنسيين مع ابن الجولان الصامد الشهيد الثائر احمد مريود.

وفي الرابع عشر من تموز 1920 تلقى الملك فيصل «انذار غورو» ببنوده المعروفة وشروطه المذلة والمجحفة والذي لم يكن في حقيقته سوى ذريعة لاحتلال سورية وفرض الانتداب عليها، لكن يوسف العظمة وزير الحربية السوري آنذاك رفض الانذار الفرنسي لأنه لا يريد للتاريخ ان يسجل ان القوات الفرنسية دخلت دمشق دون ان تواجه اية مقاومة، فكانت مواجهته في ميسلون الرد الوحيد على استفزاز الارادة الفرنسية لإرادة الشعب وعزيمته على الاستقلال، ولأن المقاومة وحدها الكفيلة بتحقيق الاهداف الكبرى، وهي وحدها الكفيلة بإلحاق الهزيمة بالقوى الاستعمارية وآلاتها العسكرية، فقد كانت ميسلون ملحمة بطولية تضاءل امامها التدخل العسكري الفرنسي الذي حشد له الفرنسيون الجيوش المدججة بالأسلحة، وعلى الرغم من معرفة نتيجة المعركة مسبقاً من الناحية العسكرية بالنظر لعدم تكافؤ القوى العسكرية، فإن موقعة ميسلون البطولية كانت بمثابة رسالة للغزاة خط فيها شعبنا ملامح المواجهة المقبلة وحدد فيها اتجاهات الصراع ووسائله وادواته ممهورة بالتصميم الاكيد على انتزاع النصر وتحقيق الاستقلال، اذ اندلعت بعدها الثورات في انحاء سورية وتكللت بجلاء الفرنسيين الكامل بعد ان قدم ابناء سورية الدم فداء وطنهم، ورغم محاولات الفرنسيين لضرب الوحدة لشعبنا العربي السوري من خلال العمل على تفتيت سورية الى دويلات هزيلة على اساس «فرق تسد» بهدف اضعاف روح المقاومة، برزت في سورية على امتداد ارضها مظاهر الارادة الحرة، ومعالم صدق الانتماء الوطني والقومي الاصيل كسلاح فعال في مقاومة المحتلين، الامر الذي فوت الفرصة على المستعمرين في مسعاهم لضرب الوحدة الوطنية لشعبنا العربي السوري من خلال العمل على تفتيت سورية الى دويلات هشة في محاولة لإضعاف روح المقاومة، وتحويل القضية الوطنية الى حرب اهلية للتخفيف من ضغط الثوار، فقد رفع الثوار في سورية شعاراً هو: «اننا سوريون بالولادة، لكننا قوميون بالارادة وسنحمل السلاح ونواصل النضال حتى يرحل آخر جندي فرنسي عن ارض الوطن».

وامام هذه اللحمة الوطنية والاصرار على تحدي المستعمر الذي تأكد ان لا بقاء له في سورية، وان عليه الرحيل كما رحل اسلافه الفرنجة عن الارض العربية، فكان جلاء المستعمر وتحقيق الاستقلال الوطني الذي عمدته دماء الشهداء بالدم والتضحيات.

ان السابع عشر من نيسان يوم خالد يبعث فيه الشهداء من جديد صورة بهية ومفخرة سنية ومكرمة جلية تلهب الاجيال وتثري التاريخ.. وهكذا اندحرت فرنسا بجيوشها الغازية وبقي شعبنا يعلي البنيان ويتخطى الحواجز التي اراد لها المستعمرون ان تعيق تقدم الوطن، فإذا كان السابع عشر من نيسان قد حمل معه الجلاء وطرد الغاصب، فإن حرب تشرين التحريرية مثلت ارادة المقاومة واكدت استقلالية القرار بعيداً عن قوى الجذب الاقليمية والدولية.

ان الشعب الذي استطاع بإمكاناته المتواضعة وارادته القوية ان يلوي ذراع المستعمر الفرنسي ويجبره على الرحيل عن ارض الوطن، لهو الشعب القادر على استعادة ما تبقى من جولانه المحتل، وكل شبر من ارض الوطن العربي.. وفي ظل قيادة السيد الرئيس بشار الأسد يستمر شعبنا في بناء دولته ووطنه وفق اسس عصرية حضارية متطورة نحو تحقيق الجلاء الاكبر في تحرير الاراضي العربية المحتلة، واستعادة الحقوق المغتصبة واقامة الدولة العربية الواحدة.

سنمار سورية الإخباري

مقالات ذات صله