عود ثقاب واحد..!

عود ثقاب واحد..!


من المؤكد أن الأميركي يعرف تمام المعرفة خطورة الخطأ في منطقة الخليج .. أنه المكان الذي يسبح على مادة لا تحتاج إلا لعود ثقاب واحد كي تشتعل .. لكنه أيضا يملك الحساسية المفرطة كونه مغلقا وليس له سوى مسلك واحد هو مضيق هرمز .. وحساسيته نابعة من كون الجغرافيا صنعت التاريخ فيه، فكانت تلك الدول متمددة على شطآنه.

تغير التاريخ في بعض دوله، لكنها ظلت أسيرة وضعها القائم الذي يحتاج لدقة وصبر .. فهي بالتالي منطقة يجب أن تعامل كما يعامل الذهب في تصنيعه .. ليس من المنطق القول بأن من هم خارجها متحمس لها أكثر من يطلون على مياهها التي عمرها من عمر الأرض ولن تتغير، وأن أهلها أولى بها محبة وتقديسا كونها تجر الذهب إليهم، ومن خيراتها الدفينة خرجت إلى الحياة تلك المشاهد العمرانية وما تلاها من عيش كريم على شتى الصعد.

لا أعتقد أن منطقة الخليج بحاجة لحماية من أحد كون ما تدخره يشكل لها الحماية الفعلية .. قلنا إنها منطقة حساسة جدا، ويوم اشتعلت فيها النيران بين العراق وإيران، كان هنالك من يغامر بتاريخ من التهدئة الضرورة .. ورغم السنوات الصعبة لتلك المرحلة، إلا أن الذهب الأسود ظل بلا توقف، وبقيت معه أحلام الشركات النفطية الكبرى التي تتحكم بمعايير السلامة حتى في العالم .. هل يمكن مثلا تكرار مشاهد انقطاع النفط عن أوروبا أثناء حرب أكتوبر 1973، وصراخ اليابان من آلام تلك المرحلة..؟ العالم كله يسلّم أن روحه في هذه المنطقة، وأنه يضع يده على قلبه كلما قيل خبر ما لا يسره عنها، وأن المطالب الأساسية لهذا العالم المحتاج إلى خيرات النفط أن لا تتأثر حياته وأن لا يحرم من هذا الخير.. ولهذا يصبح الخطأ في الخليج مدمرا للجميع، لكل الكرة الأرضية.

والمهم أن يجري التحدي إذا ما وقع خارج المنطقة الحساسة تلك، فليكن في أية بقعة باستثنائها .. ما جرى فيها من حرائق في ناقلات نفط، يؤكد ما نذهب إليه، والكل يعرفه، ولسوف تكثر الأسئلة عن المسبب، لكن المهم أن الخطأ القاتل بدأ يتسرب إلى النفط، ومتى بلغه سيكون اشتعالا لا مثيل له في التاريخ.

كأنما ولدت مياه الخليج كي تكون مسار يسر وليس عسر لكل من يسكن شواطئها .. بل ولدت تلك المياه لتحمل الخير للجميع، من هم أهله ومن هم خارجه .. ومن المؤكد أن فعل الحماية كما قلنا ذاتي، النفط يحمي نفسه بنفسه لحاجة الكل إليه.

كم تغنينا في السابق بجملة أثيرية ورددناها دوما وهي تقول بأن “نفط العرب للعرب” .. من أطلق هذا الشعار كان يعرف المعنى السياسي فيه، والأحلام المرافقة له والتي سيصنعها في مستقبل الأمة .. منذ خمسينيات القرن الماضي ونحن نردده إلى أن اختفى .. ورغم محاولات التأميم التي تعرض لها في بعض الأقطار العربية إلا أنه لم يحقق الخير لكل العرب، ظلت الفوارق قائمة، وبقي الأمل في أن نصل يوما لجعل نتائجه عربية صرفة.

إنه الخليج إذن، أكثر المناطق في العالم حساسية وأكثرها خطورة وأشدها تأثيرا على مسار الحياة في كل مكان .. فهل يمكن التنبه قبل وقوع الكارثة التي لا تحتاج إلا لعود ثقاب؟!

زهير ماجد – الوطن العمانية

مقالات ذات صله