مؤامرات سلوكية !


بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

حتى وقت قريب، كانت القوة العسكرية للدولة تعتبر أهم عامل في ضمان أمنها، لأن القوة العسكرية هي أساس الأمن العسكري وان وجود قوات مسلحة جاهزة للقتال لربما كان هو الضامن الأوحد للمجتمع مع بعض الاستثناءات من الصدمات والانقلابات وفقدان الهوية الوطنية والاضطرابات، وفي عالمنا المعاصر كان للمخاطر والتهديدات غير العسكرية تأثير كبير على مسار ونتائج العمليات السياسية لان التهديدات الحديثة الموجهة لأمن الدول والتي إن تم تنفيذها يمكنها أن تسبب أضرارًا حقيقية للمصالح الوطنية بالوسائل والأساليب غير العسكرية وكل ذلك دون استخدام الأسلحة والمعدات العسكرية ولا حتى القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة.

قد تكون تلك التهديدات عبر وسائل وأساليب لتنفيذ الضرر على الدولة كالاقتصاد والتمويل والبيئة والديموغرافيا والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات وعدد من الوسائل الأخرى ويتم تحديدها جميعا عبر ادراك القصد من مصدرها لتوليد وتطوير وتنفيذ التهديد الغير عسكري ومعرفة قدراته في التنفيذ، ويمكن أن تكون طبيعة أفعالها صريحة وضمنية وضخمة ومنتقاة ومطولة وعابرة للمدارك، كما ويمكن تجميعها بالإضافة إلى الاقتصاد والمالية والبيئة والطاقة فقد يكون هناك أيضًا التركيبة السكانية والتعليم والثقافة والعالم الروحي للإنسان وإيمانه ورؤيته للعالم وصحته وقيمته ومعتقداته وعاداته وتقاليده والإرادة والفكر والوعي الذاتي الوطني. فما هو سبب الانتقال النشط الحالي في العلاقات لاستخدام التهديدات غير العسكرية؟ وذلك يرجع إلى الاستبدال التدريجي المتمثل بالمبدأ الرئيسي للإخضاع دون قتال، وإن المعارك والحصار الاقتصادي والضغط السياسي والمالي ونخب الرشوة والهجمات الإرهابية والضغط الأخلاقي والنفسي بما في ذلك استخدام الإنترنت فقد حلت جميعها محل المعارك الكبرى والحاسمة التي اشتهرت وعرفت بأستخدام القوات المسلحة والأسلحة ذات القوة التدميرية العظيمة والثورات أو الانقلابات الملونة ووصلنا لعصر تكون فيه القوة الحقيقية هي التي تمكنك من الحصول على ما تريد من دون اللجوء إلى العنف. 

يظهر تحليلنا لطبيعة العلاقات الدولية أنه وفي ظل ظروف التطور السريع لتكنولوجيات المعلومات والعولمة الاقتصادية فإن المواجهة عبر مجالات المواد المادية البحتة تدفقت إلى حد كبير إلى مجالات إعلامية وإدراكية ومن ثم انتقلت إلى تكنولوجيا جديدة لإعادة توزيع العالم لمختلف الأساليب غير العسكرية بما في ذلك إمكانيات الاحتجاجات الداخلية للبلاد المستهدفة، وذلك لأن أهداف الحروب الجديدة ليست سياسية بالمعنى التقليدي فهي مرتبطة بسياسة الهوية وليس بالإيديولوجية أو بالجغرافية السياسية وتبرير المصلحة الوطنية والسيطرة على الأرض إذ جميعها لم تعد الوسيلة الرئيسة لان الحرب الجديدة هي على الأرجح حرب مع السكان المدنيين أكثر مما ستكون حربا مع العسكر والجيوش.

 سوف يعتبر ذلك التهديد غير العسكري فرصة للسيطرة المقصودة على سلوك سكان البلد المستهدف باستخدام المعلومات الحديثة والتقنيات المعرفية وغالبًا ما يطلق على تنفيذ هذا التهديد في وسائل الإعلام بالحرب السلوكية، وتعرف وسائل القيام بها بالأسلحة السلوكية، وعند الحديث عن الحروب السلوكية كوسيلة لمواجهة الغد فيجب الإشارة إلى أنها تستند إلى تقنيات معالجة خوارزميات السلوك والعادات والقوالب النمطية للنشاط التي استثمرها المجتمع فينا بأوسع معاني الكلمة أي أن مجموعة أدوات الحروب السلوكية تتمثل في فصل العادة عن نوع النشاط السائد الذي شكلها واستخدمها عبر الأنماط السلوكية لتحقيق بعض الأهداف.

أن الاستراتيجيات المختلطة من الواضح أنها أصبحت هي الأكثر فعالية عند استخدام كل من الوسائل العسكرية وغير العسكرية لتحقيق الأهداف المدنية الغير عنيفة حتى وإن كانت مصحوبة بتهديد المواجهة العنيفة وبناءً على ذلك فمن الضروري تطوير نظرية انتهاج الأدوات العملية المفصلة للمقاومة المدنية الهجينة بما في ذلك كل من الأساليب غير العنيفة والأعمال المسلحة المستهدفة أو التهديد باستخدام القوة. ومع أنها كانت تهديدا غير عسكري فأن التكنولوجيا المعرفية للحرب السلوكية تتميز بإمكانية تدميرية كبيرة وعواقب غير واضحة على مجتمع البلد المستهدف، لذلك تتمثل مهمة اليوم في تدريب السكان وأفراد القوات المسلحة القادرين على مواجهة التهديدات غير العسكرية من هذا النوع في المجال الإنساني لأن أضعف مكان في ساحة المعركة هو عقل المواطن والجندي لأنه ألان من الممكن تغطية  وحماية كل شيء آخر بالدروع !!

تتناسب هذه التكنولوجيا تمامًا مع النظرية الاجتماعية للأدوار والتي تنص على أن الهدف الرئيس لأي حرب ليس فقط تدمير العدو وإنما تدميره كمنافس على الدور الذي نريد أن تقوم به ذاتها وتتمثل نتيجة تلك الحرب في إعادة توزيع وظائف الدور الاجتماعي الرئيس للمشاركين فيها بين المجموعات الاجتماعية داخل البلد بالإضافة إلى تكنولوجيا إدارة السلوك والتي هي أيضًا أساس ما يسمى بحرب هزيمة الوعي، فلذلك نتساءل هنا ماهية سبب الانتباه إلى المصطلح السلوكي غير المفهوم حتى الآن في الحروب؟ إن استخدامها كأسلحة يمكن لضمان السيطرة العالمية ولذا لا يمكن نسخها أو إعادة إنتاجها من قبل أي دولة أخرى في العالم، ولا يمثل استنساخها في بلدان أخرى تعقيدًا علميًا وتقنيًا كبيرًا فقط فهي تقنيات لإدارة السلوك في الاتجاه الضروري لمجتمعات بأكملها من دون تمييز على انتمائهم العرقي والديني وتسمى هذه التقنيات في وسائل الإعلام بالأسلحة السلوكية.

وهنا يجدر بنا إن نتساءل أيضا، حول موضوع الحروب السلوكية وجوهرها ومحتواها والأهم من ذلك أساليب تنفيذها التي يتم حظرها وتصنيفها في حيز المعلومات العالمي إلى أقصى حد وتغطيتها كضوضاء مع إن معلوماتها متدفقة عبر وسائل الإعلام، هل هي جميعا مجرد لعب حول الموضوع وبثه كقصة رعب أو كمؤامرة مزيفة أو انه إثبات لاستحالة استخدام التكنولوجيا بذلك النوع من الحروب !!

التصنيفات: اخترنا لكم