“المنطقة الآمنة” .. مخطط إردوغان لإنقاذ إرهابيي داعش في سورية

“المنطقة الآمنة” .. مخطط إردوغان لإنقاذ إرهابيي داعش في سورية

رغم أن خسارة تنظيم داعش لمعقله الأخير في بلدة الباغوز بمحافظة دير الزور السورية، شكل منعطفاً في المعركة الدولية ضد الجماعات الإرهابية، إلا أن التنظيم واصل تطوره نحو شبكة سرية تعمل في كل من سورية والعراق، مركزها تركيا، هكذا خلص تقرير أممي صدر مؤخرًا، عن طبيعة تحركات التنظيم الإرهابي حاليًا، ما يكشف مدى تطور العلاقة بينه وبين حكومة رجب إردوغان.

التقرير يؤكد ما يردده الخبراء من أن عطش إردوغان للدماء ورغبته الجامحة في امتلاك سلطة ونفوذ خارج حدود تركيا، فضلًا عن إلقاء طوق نجاة أخير لعناصر تنظيم “داعش” الإرهابي يدفعه إلى قرع طبول الحرب في شمال شرق سورية، بشن عملية عسكرية يطلق عليها اسم “الممر الآمن”، أو “المنطقة الآمنة” قد يروح ضحيتها آلاف الأكراد المسلحين، والمدنيين.
صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية رصدت في تقرير لها خطورة العملية العسكرية التي تستهدف قوات “سورية الديمقراطية” المشكلة من الأكراد، والمتحالفة مع الولايات المتحدة، معتبرة أنها “عملية  غزو تحمل مخاطر كبيرة على منطقة قابلة للاحتراق في سورية التي دمرتها الحرب”.

عملية التوغل التركي ستكون الثالثة في سورية خلال السنوات الأربع الماضية بعد عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وكلها تسعى للحد من التأثير المتزايد للمقاتلين الأكراد السوريين، الذين تعتبرهم تركيا ينتمون إلى حركات “إرهابية” على طول حدودها.
المصالح التركية والأمريكية في سورية، لا سيما في شمال البلد العربي، بعيدة عن بعضها لدرجة لا يمكن تقريبها، وفيما يتعلق بقضية إنشاء مناطق آمنة في هذه المنطقة، تتعارض مصالحهما تماماً. تريد الولايات المتحدة إقامة مثل هذه المناطق بشكل أساسي لحماية مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية من الجيش التركي. بينما تدعي تركيا أنها لا تخوض صراعاً مع الأكراد بشكل عام وأن هدفها هو وحدات حماية الشعب الكردية.

حكومة إردوغان تريد إقامة منطقة تسيطر عليها تحت مسمى “المنطقة الآمنة” على عمق بين 30 إلى 40 كيلومترًا شرق نهر الفرات في سورية، وصولًا إلى الحدود العراقية، ما يعني أن مساحة المنطقة تشمل جميع الأراضي في شمال شرق سورية والتي يسيطر عليها حاليًا المقاتلون الأكراد السوريون من وحدات حماية الشعب.

“وحدات حماية الشعب” هي العمود الفقري لقوات “سورية الديمقراطية”، وهما الشريكان التابعان لأمريكا على أرض الواقع في سورية، وهو الأمر الذي أغضب تركيا بشدة وكان مصدرًا رئيسا للتوترات بين واشنطن وأنقرة في السنوات القليلة الماضية. فبدعم من الولايات المتحدة، تصدرت قوات سورية الديمقراطية المعركة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي على الأرض، مُعلنة الهزيمة الإقليمية للتنظيم في مارس الماضي.

في الوقت ذاته، تعتبر تركيا أن وحدات حماية الشعب تهديد وجودي لها، بسبب صلة هذه الوحدات بحزب العمال الكردستاني الذي تشن عليه الدولة التركية حربًا في الجنوب التركي وفي العراق منذ عقود، وتعتقل قائده عبد الله أوجلان في جزيرة إيمرلي التركية منذ العام 1998.

مواجهة أمريكية- تركية
العملية التركية المحتملة تستهدف مناطق شرق نهر الفرات في سورية، حيث تتمركز المئات من القوات الأمريكية، مما يثير احتمال حدوث مواجهة غير مقصودة بين اثنين من أعضاء الناتو يلعبان في المنطقة، هما واشنطن وأنقرة، وقد فشلت المحادثات بينهما عدة أشهر حول هذه المنطقة، وفي تصريحات له خلال الشهر الماضي وصف وزير الخارجية التركي المقترحات الأمريكية بأنها غير مرضية، فيما هدد وزير الدفاع خلوصي أكار بإقامة بلاده المنطقة الآمنة “منفردة”.

وبلهجة حاسمة وتحذيرية، أكد وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر أمس الثلاثاء، على هامش رحلة له إلى اليابان، أن بلاده ستمنع أي توغل أحادي الجانب شمالي سورية، وأن أية عملية تركية هناك “غير مقبولة”.
الوزير الأمريكي أضاف أن العملية التركية تحول دون تركيز “قوات سورية الديمقراطية” على منع تنظيم “داعش” من استعادة أراض كان يسيطر عليها من قبل.

وبعد محادثات غير حاسمة الشهر الماضي مع جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية، أخبر وزير الدفاع التركي نظيره الأمريكي أن “وحدات حماية الشعب يجب أن تتخلى عن أسلحتها وتترك المنطقة الآمنة المقترحة”.
ولم يتمكن الطرفان من الاتفاق على حجم المنطقة، وكيف سيتم تسييرها ومن سيسيطر عليها، فيما تطالب تركيا بأن يدير جيشها المنطقة الآمنة المقترحة بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

هاجس إردوغان
إردوغان يهدد بشن هجوم في شمال شرق سورية منذ شهر سبتمبر الماضي، ويريد إقامة مخططه (المنطقة الآمنة) منذ العام 2013، بهدف منع ما يسميه “ممر إرهابي” على طول الحدود الجنوبية لتركيا، ويريد إنشاء مناطق آمنة.
في ديسمبر الماضي، قال إردوغان إن العملية ستحدث “في غضون بضعة أيام”، غير أنه أجَّل الخطة بعد مكالمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان يبحث بعد ذلك سبيًلا للخروج من سورية.

ويوم الأحد الماضي، قال الرئيس التركي: “دخلنا عفرين وجرابلس والباب… الآن سندخل شرق الفرات”، فيما إشارة إلى عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” عامي 2016 و2018 إلى جانب مقاتلي المعارضة السورية المتحالفة معهم.
وبينما تقول تركيا والأكراد السوريون إنهم أكملوا الاستعدادات لمواجهة عسكرية، لا توجد حركات عسكرية واسعة النطاق تشير إلى انطلاق وشيك، لكن في الشهر الماضي، أصيب خمسة أشخاص بجروح طفيفة في بلدة رأس العين الحدودية التركية بعد انفجار صاروخ يُعتقد أنه أُطلق من الأراضي التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية في سورية.

عودة “داعش”
في واحدة من أكبر المخاطر التي قد تؤدي إليها المنطقة التركية “الآمنة”، هو عودة تنظيم “داعش الإرهابي”، إذ من المحتمل أن يؤدي الهجوم على المقاتلين الأكراد إلى تقويض الحرب ضد التنظيم، مما يعطي الخلايا النائمة التابعة له فرصة لإعادة التجمع والتعافي.
قوات “سورية الديمقراطية” نبهت إلى أنه في حالة وقوع هجوم تركي، فإنها لن تكون قادرة على ضمان بقاء الآلاف من سجناء تنظيم الإرهابي الموجودين الآن في مراكز الاعتقال التي تديرها هذه القوات.

آلدار خليل، السياسي الكردي البارز قال في تصريحات نقلتها صحيفة “واشنطن بوست”: “إما نقاتل الأتراك، أو نحرس السجناء. لا يمكننا أن نقوم بالأمرين معًا”، مضيفًا أن القوات الكردية، التي زارها مؤخراً الجنرال كينيث ماكنزي جونيور، قائد القيادة المركزية الأمريكية، اتفقت مع الولايات المتحدة على الانسحاب من منطقة تقتصر على ثلاثة أميال من الحدود.
وتابع: ” نحن لا نستخدم سجناء داعش كورقة للعب، ولكن ربما سنفقد السيطرة هنا، فهذه السجون ليست مثل السجون الرسمية، بعضها كانت مدارس فقط حيث بنينا حائطاً وحولناها إلى سجن.. وإذا رأى أعضاء “داعش” أن هناك قتالا وأن تركيا شرعت في الهجوم، فإنهم سوف يكسرون الجدران ويفرون”.

مواجهة مع قوات واشنطن
العملية التركية في شرق الفرات تتمثل خطورتها في أنها تعني مواجهة عسكرية بين أنقرة والقوات الأمريكية التي تتمركز إلى جانب المقاتلين الأكراد في شمالي سورية. وقد تعهّد المقاتلون الأكراد بمواجهة أية غارة تركية، مما زاد من خطر الهجوم الانتقامي الذي قد يهدد القوات الأمريكية، فهناك المئات من الأفراد العسكريين الأمريكيين في المنطقة، بمن فيهم الجنود الذين يحرسون مراكز المراقبة الأمريكية في البلدات والمدن على طول الحدود.

بالنظر إلى المخاطر العالية، قد تختار تركيا عملية محدودة للسيطرة على بلدة تل أبيض ذات الحدود العربية، إلى الشرق مباشرة من منبج، لكن حتى هذا يخاطر بإشعال معارك يجد فيها الأمريكيون أنفسهم عالقين بين طرفين عدائيين  (الأكراد والأتراك).

نزوح السوريين
من المرجح أن تُسبب عملية تركية واسعة النطاق موجات جديدة من النزوح للسوريين في شمالي البلد العربي، مما قد يؤدي لفرار عشرات الآلاف من الأشخاص إلى أرض أكثر أمانًا، على الأرجح إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية في الجنوب.
حكومة إردوغان تقول إن إقامة “المنطقة الآمنة” قد تؤدي إلى عودة نحو مليون من اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم بالفعل والبالغ عددهم 3.6 مليون لاجئ، مشيرة إلى أن حوالي 337 ألف شخص عادوا بالفعل إلى المنطقتين الخاضعتين لسيطرة تركيا غربي الفرات.

مقالات ذات صله