حزب العدالة والتنمية يتجه إلى تصفية أحمد داود أوغلو

حزب العدالة والتنمية يتجه إلى تصفية أحمد داود أوغلو

ما يتردد صحيح إلى حدٍ كبير؛ فعندما يحاول السياسيون، الذين ينفصلون أو يتم إقصاءهم عن الجسد الرئيسي لأحزابهم، وتشكيل أحزاب جديدة خاصة بهم، فإن هذا الحزب لا يكون ناجحًا بقدر كبير. نعم، قد تكون هناك بعض الاستثناءات، سواء بالنسبة للذين خرجوا من حزب الشعب الجمهوري، وكوَّنوا الحزب الديمقراطي، أو بالنسبة للذين انفصلوا عن حزب الرفاه، وكوَّنوا حزب العدالة والتنمية. أما الآخرون، فمنهم من اختفى تماماً من الساحة السياسية في تركيا، ومنهم من استمر في ممارسة العمل السياسي، تحت لافتة أي حزب، دون النظر إن كان هذا الحزب له وجود فعلي مؤثر أم لا.

هناك حقيقة أخرى تتعلق بهذا الموضوع؛ فقد لا يتوقف الأمر على فشل غالبية الأحزاب، التي ولدت من رحم حزب واحد في تحقيق النجاح لنفسها فحسب، بل أنها ساهمت أيضا، بشكل كبير، في إفشال ذلك الحزب، الذي انفصلوا عنه؛ فعلى سبيل المثال أضعف حزب الحرية، قبل عام 1960، من قوة الحزب، الذي ولد من داخله، ولم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للحزب الديمقراطي بعد عام 1960، وفقد حزب العدالة أيضاً قدرته على الصمود بمفرده.

وفي السابق، قال سليمان ديميريل: “لن يضير البناية أن يسقط من سحطها بعض اللبنات”، ولكن ما حدث أن البناية تضررت بشدة في نهاية المطاف، مع توالي انفصال القوى المحافظة عن الحزب، الواحدة تلو الأخرى، من أجل تأسيس الحزب الديمقراطي.

كان تورغوت أوزال يستعد، قبل وفاته مباشرة، لتكوين حزب جديد معارض لحزب الوطن الأم، الذي تأسس على يديه ذات يوم.

وبعد تولي مسعود يلماز زمام الأمور داخل الحزب، بدأت وتيرة تحول الحزب إلى مجرد لافتة فقدت تأثيرها على الساحة السياسية.

عندما يصبح السياسيون أقوياء، فإنهم يتصرفون بثقة، وهم يتخذون خطوات من شأنها إضعافهم، وإضعاف أحزابهم، وبالتالي فهم لا يهتمون كثيرًا بالمستقبل، ومع ذلك، ففي بعض الأحيان قد يكون تقرير الخسائر اللاحق محبطًا للغاية.

لا شك أن حزب العدالة والتنمية ليس في ذروة قوته اليوم، وأن قاعدته تتعرض لمزيد من التآكل، مع كل انتخابات جديدة يخوضها. ولعل هذا هو السبب الذي جعل الحزب يلجأ إلى التحالف مع حزب الحركة القومية لتعويض هذا الفاقد. ومع هذا، فشل حزب العدالة والتنمية في الاحتفاظ بالعديد من المدن الكبرى في الانتخابات المحلية الأخيرة، على الرغم من كل الدعم الذي قدمه له حليفه، وانتقلت رئاسة البلدية في كل من أنقرة وإسطنبول إلى حزب الشعب الجمهوري، بعد أن ظل حزب العدالة والتنمية يستحوذ عليهما طيلة 25 عاماً.

الأهم من ذلك، أن هناك الآن نظاماً جديداً (النظام الرئاسي الذي أقره أردوغان) لم يكمل عامه الثاني بعد، ويجب على أردوغان، الذي  يمثل السلطة الحقيقية في تركيا في ظل هذا النظام، أن يحصد نصف أصوات الشعب في الانتخابات المقبلة؛ حتى يتمكن من الحفاظ على موقعه رئيساً للبلاد، ولكن إذا استمرت عملية التآكل تلك داخل قاعدة حزب العدالة والتنمية، فحينها لن ينجح في الحصول على ما يكفي من الأصوات اللازمة لإعادة انتخابه رئيساً مرة أخرى، على الرغم من كل المساعدات التي سيقدمها له حزب الحركة القومية أيضًا، فضلاً عن التراجع المستمر في الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية؛ الأمر الذي سيجعل أردوغان يبحث، في المرحلة المقبلة، عن عقد تحالفات جديدة؛ من أجل مبادلة الأصوات مع أحزاب أخرى (التعهد بأن يصوِّت لصالحهم في مقابل أن يمنحوه أصواتهم أيضاً) حتى يحافظ على عدد مناصريه من الانخفاض من ناحية، وحتى يحصل على نسبة تصويت تتعدى حاجز 50% في الانتخابات المقبلة، من ناحية أخرى.

وعلى أرض الواقع، يستعد حزب العدالة والتنمية الآن لطرد أحمد داود أوغلو، مع ثلاثة من أصدقائه، بعد أن شغل الأول منصب رئيس الحزب في الفترة بين (2014-2016)، ومنصب رئيس الوزراء.

ثق بنفسك! هذا أمر محمود، لكنها ثقة كبيرة، أليس كذلك؟

يمكن للقادة أيضاً أن يخطئوا في التقدير، وفي هذه الحالة تظهر الحاجة لوجود أشخاص أو آليات تكبح جماحهم. نعلم أن ديميريل شعر بالندم لعدم تحسبه للأمر، وهو يفسح المجال للحزب الديمقراطي، ولأنه سمح للذين انفصلوا عنه الانضمام إلى الحزب مرة أخرى، وقام بتصفية الأسماء التي لم تضلله.

وقد يبدو أحمد داود أوغلو غير ذي أهمية كبيرة، خاصة عندما ننظر إلى الموضوع من أعلى. ومع ذلك ،  فلا ينكر أحد أنه أيضاً الاسم الذي سرعان ما يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن أي مفهوم أو موضوع حماسي يتعلق ڊ “القضية”، لما له من شخصية مؤثرة تتخطى هويته السياسية. وفي رأيي، إنه سيكون من الصعب على حزب العدالة والتنمية بعد ذلك، إذا قام بتصفية داود أوغلو، أن يحسن استخدام تلك المفاهيم الحماسية كما كان يفعل داود أوغلو.

فعندما يُقال “رجل قضية” يكون داود أوغلو هو الاسم الذي سرعان ما يتبادر إلى الأذهان من بين العديد من الأسماء المهمة الأخرى داخل حزب العدالة، وبالتالي فما من شك أن تصفية أحمد داود أوغلو ستُضعف “القضية” التي يتبناها الحزب على حد زعمهم.

أثار إعلان داود أوغلو أنه “قرر بالفعل تأسيس حزب” استياء حزب العدالة والتنمية، فراحو يخططون لطرده من الحزب، حتى لو كانت نتيجة هذا هو اتجاهه لتأسيس حزب جديد. وعلى الجانب الآخر، كان داود أوغلو يتحدث من داخل الحزب عن الولاء للفلسفة التأسيسية للحزب، منتظراً تفعيل آلية طرده خارجه.. ومؤخراً طالب بأن يتوقف حزب العدالة والتنمية عن الأخطاء التي ارتكبت مؤخراً.

وعلى الجانب الآخر، من المؤكد أن رفاق داود أوغلو الآخرين لن ينظروا إلى مبررات طرده من الحزب بعين الرضا، وبذلك سيحصر حزب العدالة والتنمية، بسياسته هذه، نفسه في خانة ضيقة للغاية.

والواقع أن حزب العدالة والتنمية لم يعد قادراً على استيعاب داود أوغلو واحتوائه بداخله. وأنا على يقين بأنه يوجد، حتى من بين الناخبين المؤيدين لحزب العدالة والتنمية، الذين لا يتعاطفون مع داود أوغلو، من يستنكر موقف الحزب منه، بل ويجدون صعوبة في تفسير ما يجري في الوقت الحالي.

ولن أفاجأ إذا أثر ذلك على رأي الناخب في المستقبل.

ولكن ماذا عن  أحمد داود أوغلو وأصدقائه؟

أعتقد أن ما يمكننا قوله لهم خلال هذه المرحلة: صاحبتكم السلامة..

هذا المقال مأخوذ من الموقع الشخصي للكاتب الصحفي فهمي كورو على الإنترنت.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله