دروس الحروب الراهنة !!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

” إن الفشل في التمدن… مرض فكري مقيت… ينتج سوء الفهم وتخبط الرؤى والعزل النفسي والتناقض الحاد والمرير… جرائه تتسرب للشعوب مشاعر بالقنوط والغضب والقرف والعدائية… وإلقاء اللوم على الأخر وتبادل النفور وزهق كل نهج للسلام تماما !!! “

 

علينا أن نعترف إن لا سلام على الأرض، فهشاشة نظام الأمن الدولي جراء الفوضى الاصطناعية في العلاقات الدولية المترافقة مع إضعاف قدرة المنظمات الدولية للتأثير على الوضع والإجراءات غير المسؤولة من بعض القادة السياسيين على النحو الذي يحدده التهديد المتزايد للصراعات العسكرية الدولية والصراعات بين الجماعات المسلحة لإثارة الفوضى، كل ذلك واكثر يتم استخدامه بمهارة في تفعيل الخاصية الحرجية العالمية للتخبطات الامنية والنزاعات التناوبية والمتداخلة. نشهد حاليا تغيرا كبيرا في دروس فلسفات الحروب والتي يجري تحويلا حقيقيا في قوانينها، فالعلوم العسكرية لا زالت في مرحلة مبكرة من فهم العمليات المعقدة والمتناقضة لتطور الصراعات العسكرية الحديثة ولذا هي تحاول إيجاد سبل لتفسير نظرية وواقع الممارسة للكشف عن القوانين الداخلية لأستراتيجية الحرب الهجينة والتنبؤ العلمي والتخطيط لاستخدام مختلف المكونات التهديدات المختلطة والتي تحتل مكانا هاما لاستخدام فئات منطقية من العامة والخاصة والأفراد مما يساعد على الكشف عن القوانين الداخلية الحرب الهجينة الكامنة ويسمح في الحصول على المعرفة الأكثر دقة لفهم أفضل للجوهر والحس والغرض وبعض السمات الأخرى للنزاعات واستخدام قوتها ونقاط الضعف بشكل مقصود. وإن دراسة نظامها وتنظيم العناصر الهيكلية للحرب الهجينة على مستوى عام يعطي فرصة لتشكيل رؤية مشتركة للموضوع وجوهرها في وحدة الأجزاء والكل، وأقرب إلى فهم قوانين الحرب باعتبارها ملازمة الهجين في هذا النوع من الصراع والهدف من التواصل المستدام فلذا ينبغي إيلاء اهتمام خاص لدراسة الخصائص الكامنة في الحرب الهجينة بأعتبارها عدوانا فريدا مقترنا نسبة فئاته بكمية ونوعية الصراعات الحديثة، فضلا عن دراسة ملامح عوامل العرض من الاحتكاك وارتداء، وفتح آليات الاتصال الموضوعية المستدامة في إطار استراتيجية صراعات اليوم، والإجابة الصحيحة لهذه العوامل وغيرها لا يتوقع سوى من تطوير قياسات عالية الجودة للصراع واستباق تحول الخصائص الكمية. فيتم إجراء دراسة مفصلة لأجزاء من الكل وهي الظروف المعادية والنوايا التي تشكل استراتيجية حرب هجينة ويولى اهتمام خاص للتهديدات التي يتعرض لها الأمن العسكري للدولة التي تتعلق بإمكانية إشراك مجموعات كبيرة من القوات المسلحة واستخدام الوسائل الحديثة للنضال المسلح بهدف مجابهة العدو وتدميره.

كدرس ودروس تستخدم تركيبات تهديدات الحروب الهجينة بأشكال هادفة في ظل العقوبات الاقتصادية والحرب المعلوماتية والحرب الإلكترونية والسيناريوهات المنخفضة الحدة غير المتماثلة بصراعات القوة العسكرية فضلا عن التهديدات التي تشكلها أعمال الإرهاب الدولي والقرصنة البحرية والتلاعبات بتدﻓﻘﺎت اﻟﻬﺠﺮة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ واﻟﻔﺴﺎد وإﺛﺎرة اﻟﺼﺮاﻋﺎت اﻟﻌﺮﻗﻴﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ واﻟﺠﺮﻳﻤﺔ اﻟﻤﻨﻈﻤﺔ واﻧﺘﺸﺎر اﻷﺳﻠﺤﺔ المدمرة، ولذلك فأن الهدف من التحقيق في جوهرها عبر مجال العلاقات القانونية كعلاقة موضوعية مستقرة تجعل من الممكن فهم آلية العوامل المادية والروحية التي تتفاعل في نزاع عسكري وتعكس جوهر القوانين الأساسية والاتجاهات العامة للحرب وتترك جانبا الخاص. وآثار دروس التغيرات تتنشط في تأثيراتها الاجتماعية والسياسية لتغيير النظام العالمي قابلة للمقارنة مع نتائج الحروب العالمية والتي تسبب اليوم مصلحة في التجربة والقوانين والأشكال والأساليب بخوضها وفي استخدام التكنولوجيا “الناعمة” و “الثابتة” السلطة، ويعتقد أن قوانين الحرب الضرورية تتمحور في الاتصالات والعلاقات الأساسية المتكررة بين مختلف الأطراف وعناصر الحرب كعملية تساهم في تشكيل وتشغيل وتطوير والنتيجة، كما هناك العديد من الخطط النظرية لبناء تلك القوانين فتشمل أحداها قانون التأثير المحدد لارتباط القوى ووحدة العمل في الكفاح المسلح ومطابقة القوى والوسائل للأهداف المحددة وتحديد تأثير الإستراتيجية على الفن التكتيكي، ومع كل تنوع في الخطط المتقدمة من القوانين فأنها لا تغطي المجموعة الكاملة من الصراعات العسكرية الحديثة. إذ يواجه العالم أنواع وأنواع جديدة من الصراعات العسكرية المبنية على رفض وإلغاء القوانين الحربية التي صاغها الأسلاف، وإن أشكال تجسيد القوانين التي لا تتطابق مع حروب العصور السابقة والصراعات العسكرية من مختلف الأنواع والأنواع في القرن الحادي والعشرين تغيرت لاسيما اثر تشكيل عالم أحادي القطب والذي سمح للولايات المتحدة من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وفيه انخفضت قدرة المنظمات الدولية على التأثير على الوضع العالمي بشكل ملحوظ.

والدرس الاخر المتحدد بتغيير قوانين الحرب وهو التنوع في البيئات التي كانت المواجهة تتطور فيها مما يؤدي إلى تعدد وتنوع الصراعات التي تتشكل نتيجة لمزيج من المعلومات والأثر العسكري والمالي والاقتصادي والدبلوماسي على العدو في الوقت الحقيقي وعلى العديد من أنظمة وقوانين الحرب والتي وضع جرائها عددا من المنظرين العسكرية نظريات ومقترحات لتجاوز كوارثها والتي تطمس التمييز بينها وبين الحرب التقليدية البحتة وغير النظامية، وإن البعد الجديد لها هو الاستخدام الواسع لتقنيات الفوضى الغير خاضعة لأي مستوى من مستويات الرقابة، فيتمثل الاختلاف الرئيس بين الحروب المختلطة والصراعات التقليدية في تعدد الأشكال والوسائل والأساليب والطرق العسكرية وغير العسكرية في الجزء غير المتعلق بالسطوة مما يجعل من الممكن حرمان الجانب الآخر من السيادة الفعلية دون الاستيلاء على أراضيه بالقوة العسكرية. فتظهر عبر دروس الحرب إن ظاهرة الاحتكاك الحربي تتفاعل بشكل مختلف ومختلط، وإن تلك الدروس وعواملها لا تلغي بأي حال الدور الحاسم للقوة في النزاعات العسكرية الحديثة فلا تزال وسائل وأساليب القوة العسكرية هي الهيكل الداعم للصراع العسكري إذ تكون “التكنولوجيات الوراثية” المختلفة متدرجة في شكل نوع من البناء الفوقي. وفي عملية تصعيد النزاع من كثافة منخفضة نسبيا إلى استخدام على نطاق واسع للقوة حسب منطق الحرب الهجينة عبر استخدام التهديدات المختلطة المعقدة مما يتيح الجمع بين استخدامات غير نظامية وتدمير متقن ومستمر لاقتصاد العدو لتمزيق وحدة البلاد و تشويه صورة زعاماته من خلال العمليات في الفضاء الإلكتروني مع الحفاظ على تهديد القوة العسكرية، مما تفرز مناخ من عدم اليقين ومجالا للمناورة محدود إلى حد كبير تشل إرادة المقاومة مما يخلق الظروف الملائمة لاعتراض المبادرات الإستراتيجية والاستسلام النهائي لإرادة الضحية المعتدى عليه. وهكذا تراهن القوى العظمى على استخدام الحرب الهجينة القادرة على إدارة تصاعد المواجهة بشكل متكيف في الانتقال من أشكال النضال غير العنيفة إلى صراع عسكري واسع النطاق حتى إلى الصراع العالمي.

ودروس تلك الحروب تنتمي لمكان هام في تطوير خطط لحرب هجينة وبتشكيل مجموعة من التهديدات الهجينة ومفهومها يجمع مجموعة واسعة من الظروف والنوايا العدوانية كالعقوبات الاقتصادية والحرب المعلوماتية والحرب الإلكترونية والسيناريوهات الكثيفة والمنخفضة غير المتماثلة بصراعات القوة العسكرية والإرهاب العالمي والقرصنة والهجرة غير الشرعية والفساد والصراعات العرقية والدينية والموارد الأمنية والتحديات الديمغرافية والجريمة المنظمة ومشاكل العولمة وانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومن ذلك كله يتم تعريف وثائق التهديدات التي يشكلها العدو لتكون قادرة على التكيف باستخدام الوسائل التقليدية وغير التقليدية لتحقيق الأهداف الموضوعة. ويمتاز مجمع التهديدات الهجينة بعدد من الخصائص التي تضمن تطبيقها الفعال وله قوة تدميرية أكبر بكثير من التهديدات المتداولة فيتم توفير “الأثر التراكمي” عبر تنفيذ نظام من الأنشطة التحضيرية والتنفيذية المعقدة والمترابطة ذات الصلة بتنسيق أنشطة عدد كبير من المشاركين في إقليم البلد المستهدف وما بعده ليتم الاستخدام الناجح والماهر للعوامل التي تحدد الديناميكية العالية لتطور الوضع وتعطي العمليات الاتجاه الضروري باستخدام كل من الحلول غير العسكرية والعسكرية، وكثير من تلك التهديدات ليست جديدة لكنها اكتسبت سرعة غير مسبوقة تحت نطاق وشدة التأثير. ويمكن أن تكون مصادر التهديدات للحالة المستهدفة داخلية وخارجية وتنشأ التهديدات الداخلية بسبب عدم قدرة الدولة على التعامل بفعالية مع القضايا والمهام الملحة في المجتمع وضمان الأمن فضلاً عن التطور السلبي المادي والفكري والفساد في فروع الحكومة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الناقصة والغير عادلة والتناقضات على أساس عرقي وديني وعدم وجود وطنية موحدة لفكرة الدولة وضعف القوات المسلحة وخيبة وكالات إنفاذ القانون وعدم كفاية الرقابة على الحدود، إضافة إلى ظاهرة “القوة الناعمة” التي تحدد جاذبية الدولة لسكانها وشعوب الدول الأخرى وإن النداء الضعيف للبلد يحولها إلى هدف للتوسع الثقافي والأيديولوجي للقوى المعادية ويسهم في إضعاف روابط الحلفاء والشراكة ويقوض الوحدة الداخلية للمجتمع.

هناك مجموعة كبيرة من الدروس والوظائف ترجع إلى حقيقة أن الفوضى هي غياب النظام بشكل عام، وهي مزيج من العديد من العناصر دون اتصال منطقي بينهما وإن الحساب على الدور الخلاق للفوضى في وضع إستراتيجية الحرب الهجينة أن يكون على درجة عالية من المسؤولية، لأن الإستراتيجية لا تسمح برهان الفرصة لذلك ولتحقيق النجاح يجب توفير إستراتيجية الحرب الهجينة كوصلة مستقرة بين التهديدات الهجينة وعواقب تنفيذها، وتنظيم الإجراءات والمدى لكل تهديد ينتمي إلى حساب فئة الفلسفية السببية مما يدل على علاقة ضرورية بين الظواهر، والنتائج والآثار. ولمعرفة الأسباب الكاملة والمحددة لتبسيط عملية تتيح تشكيل التهديدات المختلطة المعقدة للحد من تأثير عامل العشوائية عبر الكشف عن تبعيات السببية الرئيسية واحتمالية التنبؤ بداية التحقيق النهائي المطلوب، أي تحقيق النصر ففي هذه الحالة فأن إنشاء الأسباب الكاملة لا يمكن تحقيقها إلا في حالات بسيطة نسبيا، وعبر وضع إستراتيجية واستخدام التهديدات التي تجمع بين مكونات الأسباب الكاملة، وان قياس الصراع الرأسي هو نظام لتوزيع التهديدات الهجينة وتوزيعها وفقًا لمستويات تطبيقها، وحين يتم تحقيق القصد الاستراتيجي للصراع العسكري المختلط يتم تحديد حدود قدرات الأطراف ومهمة تحليل مسار الحرب على المستوى الاستراتيجي للتعريف الدقيق لتتويج النجاح وبعد ذلك قد يأخذ مسار الصراع العسكري المختلط الاتجاه المعاكس للجانب الفائز ويؤدي في النهاية إلى هزيمته، ويرتبط مثل هذا “التحول” في الأحداث بزيادة مقاومة من يتعرض لهجوم هجيني واستعادة وتوسيع إمكاناته المنتهكة من قبل العقوبات الاقتصادية والهجمات السيبرانية والتحويلات الأيديولوجية والثورات الملونة والعمليات العسكرية، وإن منطق الحرب العالمية الهجينة ضدنا واضح تماما عبر زيادة الضغط علينا اقتصاديا وتركيعنا سياسيا وفكريا وثقافيا لتقسيم الصفوف وربطها بسلسلة لا نهاية لها من الصراعات الداخلية والحدودية، ومن الضروري إن نتعلم الدروس ونبادر بحماية بلادنا من جميع أشكال الضغوط والاعتداءات الخارجية القائمة والقادمة والمحتملة.

الاراء الواردة في المقالة تعبر عن راي الكاتب

التصنيفات: _سلايد,كـلام واقـعـي