قرارات ترامب العشوائية في سوريا تربك إسرائيل

الحكومة الإسرائيلية ترقب بقلق الخطوات الأميركية المفاجئة في الشمال السوري، وسط تعالي الأصوات في الداخل متهمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتقصير من خلال رهانه بالكامل على إدارة دونالد ترامب في التعاطي مع التهديدات القادمة من سوريا.

القدس – باغتت مواقف البيت الأبيض والخطوات العملية بسحب جزء من القوات الأميركية من بعض النقاط في محافظة الحسكة تمهيدا لهجوم تركي مرتقب على شمال شرق سوريا، إسرائيل التي تبدو حكومتها في حالة من الحيرة والارتباك حيال كيفية التعاطي مع هذا التطور الذي تعتبره خطيرا.

وتكمن خطورة التحول الأميركي في سوريا بالنسبة لإسرائيل في أنه سيصب مباشرة في صالح بعض القوى وخاصة إيران، التي ستنظر لقرار الانسحاب على أنه يعكس حالة تراجع أميركية ليس فقط في سوريا بل في الشرق الأوسط عموما.

وتشن إسرائيل منذ العام 2013 غارات جوية على مواقع يعتقد أنها تابعة للحرس الثوري الإيراني وقوات موالية له في سوريا وامتدت هذه الضربات إلى العراق، بيد أن القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية تعتبر أن الأمر يبقى غير كاف وأن الوجود الأميركي ضرورة إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية للأزمة السورية خاصة تتضمن انسحابا كليا لإيران من هذا البلد.

وترى إسرائيل أيضا أن تمكين تركيا من شمال سوريا، لا يقل خطورة عن التهديدات الإيرانية، فبالرغم من العلاقات الاقتصادية والتجارية القوية بين أنقرة وتل أبيب إلا أن الأخيرة تعتبر أنه من الخطير تعزيز نفوذ نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، المسكون بهاجس التوسع ولم لا ابتلاع كامل الشرق الأوسط.

وكشفت صحيفة “هآرتس” أن إسرائيل تفاجأت بقرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من شمال سوريا والسماح لتركيا بشن عملية عسكرية في المنطقة.

التحول الأميركي في سوريا يصب في صالح إيران، التي ستنظر للانسحاب على أنه يعكس حالة تراجع أميركية في الشرق الأوسط عموما

ونقلت الصحيفة عن مصادر عدة أن الإعلان باغت أرفع الجهات الأمنية والسياسية، لافتة إلى أن هذا الموضوع لم يبحث بتاتا في الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء المصغر (الكابنيت) الأحد الماضي والذي ركز على التهديدات الإيرانية والقضية الفلسطينية.

وذكرت الصحيفة أنها المرة الثانية التي يفاجئ فيها الرئيس ترامب إسرائيل، في إشارة إلى إعلانه في ديسمبر الماضي سحب قوات بلاده من شمال سوريا، والذي أثار حينها جدلا كبيرا ليس فقط على مستوى الحلفاء الإقليميين والدوليين بل وأيضا في الداخل الأميركي حيث قدم حينها وزير الدفاع جيمس ماتيس استقالته. ولفتت “هآرتس” إلى أن ترامب أعلم إسرائيل آنذاك بخطوته قبل أقل من 24 ساعة من إعلانه، لكنه هذه المرة لم يقم بذلك على ما يبدو.

وأصدر البيت الأبيض بيانا الأحد قال فيه “الولايات المتحدة لن تقف، ولن تتدخل، في وجه الهجوم التركي الذي لطالما هددت أنقرة به طويلا في شمال شرقي سوريا”، وتزامن ذلك مع استكمال أنقرة استعداداتها العسكرية لاجتياح المناطق الواقعة تحت السيطرة الكردية.

وبرر ترامب في وقت لاحق هذا القرار بتغريدة اعتبر فيها أن دعم بلاده للأكراد كان مكلفا، مشددا في تغريدة أخرى الاثنين على أنه حان الوقت لإنهاء الحروب العبثية، في إشارة إلى الحرب السورية، ليتراجع بعد ذلك بساعات متوعدا اقتصاد تركيا في حال تجاوزت في عمليتها في سوريا الحدود، فيما بدا محاولة للتخفيف من حدة الانتقادات الموجهة له.

ورأت المعلقة السياسية في قناة “كان” الإسرائيلية، غيلي كوهين، أن خطوة الرئيس الأميركي (الانسحاب من سوريا) تثير قلقا كبيرا لدى المسؤولين الإسرائيليين، سواء على المستوى السياسي أو الأمني.

وقالت “الخشية أننا نرى هنا ترامب يسحب يديه ببساطة من الشرق الأوسط، هذا الأمر بدأ مع المسيّرة الإيرانية التي لم يرد عليها، واستمر ذلك بالهجوم على السعودية والآن الخطوة المتعلقة بسوريا”. وأضافت “نحن نعلم أن ترامب انعزالي، لكن الآن هو أيضا سلبي، واليوم يدخل إلى سنة الانتخابات، وهذا ما سيقود مسار الولايات المتحدة”.

وتسود حاليا حالة من الامتعاض في إسرائيل لجهة رهان نتنياهو كليا على إدارة ترامب، التي بات من الصعب جدا التكهن بسلوكها، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات في الولايات المتحدة، ونية ترامب لعب كل الأوراق لجهة الفوز بها ومنها تنفيذ الوعود التي قطعها في الحملة الانتخابية السابقة بسحب الجنود الأميركيين من بؤر التوتر. والامتعاض الإسرائيلي ليس وليد التطورات الأخيرة المتعلقة بشمال سوريا وإن كانت الأكثر وقعا، بل يعود إلى القرارات التي اتخذها ترامب في الفترة الماضية وكان أبرزها إبعاد أبرز الشخصيات المقربة من تل أبيب على غرار جون بولتون الذي تمت إقالته من منصب مستشار الأمن القومي الشهر الماضي، وقبلها دفع المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات على الاستقالة.

Thumbnail

واعتبر المختص في الشؤون الخارجية بـ”القناة 12” نداف أيال، أن لا أحد يعرف ما الذي يحصل اليوم مع ترامب، لافتا إلى أن الانسحاب الأميركي من سوريا “رسالة سيئة جدا لكل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة”.

وقال “لقد سمعنا أصوات الفرحة من طهران، وهذا يقول كل شيء، الإيرانيون سعداء جدا من خطوة ترامب، وهذا يزيد حالة القلق من جرأة إيرانية يمكن أن تظهر في الأسابيع المقبلة على شكل عملية ما ضد إسرائيل”.

وكتب بدوره المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، شمعون شيفر، أن قرار ترامب بمثابة سكين ليس فقط في ظهر أكراد سوريا، بل وأيضا في ظهر إسرائيل.

ولفت شيفر إلى أن “الضربة التي طالت منشآت سعودية بواسطة صواريخ موجهة من إيران، ولم يتم الرد عليها من قبل إدارة ترامب، تؤكد الانهيار الكامل للمفهوم الأمني لدى نتنياهو، الذي بنى كل خطواته اعتمادا على الرئيس الصديق الأكبر في البيت الأبيض”.

ويرى محللون أن الضرر في العلاقة بين إسرائيل وترامب قد حصل حتى وإن تم الضغط على الرئيس الأميركي بالعودة عن موقفه لجهة الانسحاب من شمال سوريا وفتح المجال لتركيا، ويرجح أن تبادر إسرائيل إلى العمل على تحسين علاقاتها مع الحزب الديمقراطي الذي لطالما كانت العلاقة معه متوترة، وكان ازداد الوضع سوءا بينهما خلال فترة حكم الرئيس باراك أوباما.

وهاجمت المرشحة السابقة عن الديمقراطيين هيلاري كلينتون قرار سحب القوات الأميركية. وقالت كلينتون، في تغريدة على موقعها على “تويتر”، الاثنين “فلنكن واضحين أن الرئيس وقف إلى جانب الزعيمين المستبدين لتركيا وروسيا، وليس إلى جانب حلفائنا الأوفياء ومصالح أميركا الخاصة”.

عن جريدة العرب

التصنيفات: لسان حالهم يقول