أردوغان والخيارات المرّة!

إن رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الخريطة أمام أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة لإبراز ما سماه «المنطقة الآمنة» ليس إلا دليلاً على النوايا الخبيثة لديه، وحديثه الهلامي المتخيل عن هذه المنطقة التي لا سند لها، ولا دعم في القانون الدولي، وفي ميثاق الأمم المتحدة حيث ألقى خطابه ورفع الخريطة.
الأجواء المحيطة باحتمالات عمل عسكري احتلالي تركي تبدو غير واضحة أبداً حتى الآن، لا في الداخل التركي، حيث تُطرح تساؤلات كثيرة ومخاوف عديدة من تداعيات مثل هذه العملية العسكرية، ولا في الإقليم، حيث عبّرت طهران عن معارضتها لمثل هذه العملية، ودعت للحوار مع دمشق، في حين أعلنت موسكو عن عدم علمها بمثل هذه العملية، وهو ما سوف يدخل مسار أستانا في تعقيدات جديدة.
في الداخل التركي تبدو مواقف الأحزاب، والقوى السياسية موافقة على الهدف، ولكنها مختلفة جذرياً حول الوسائل والطرق للوصول إلى هذا الهدف، بمعنى أن هدف القضاء على إرهاب حزب العمال الكردستاني في شمال شرق سورية هو مشروع، ولكن ليس عبر الغزو العسكري، وإنما بالتنسيق والحوار مع الحكومة الشرعية في دمشق، هكذا عبّر زعيم حزب وطن الصديق دوغو بيرنتشيك الذي رأى أن من حق تركيا ضرب التنظيمات الإرهابية ممثلة بحزب العمال الكردستاني وداعش لكن لابد من الإدراك أن هناك جيشاً سورياً شرعياً وحكومة شرعية لابد من التنسيق والتعاون معها، خاصة أن هذا التنظيم الإرهابي لا يشكل تهديداً لتركيا فقط، إنما لوحدة سورية أرضاً وشعباً، كما أن طرح مشروع المنطقة الآمنة هو أمر غير مقبول أبداً، خاصة أن هذا المشروع خارج إطار القانون الدولي، ويتعاطى مع رعايا دولة جارة، وكأنه لا دولة لديهم، الأمر الذي يجعل الهدف الشرعي، أي مكافحة الإرهاب، يتم بوسائل مواجهة غير شرعية، ومخالفة للقانون الدولي.
الحقيقة أن مواقف ميرال اكشنير زعيمة «الحزب الجيد» وهو تيار قومي تركي انشق عن حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهتشلي، ليس بعيداً عن مواقف حزب وطن، إذ أبدت زعيمة الحزب تأييدها للهدف، أي إنهاء وجود تنظيم حزب العمال الكردستاني، ولكنها ترى أنه لابد من أجل الوصول لهذا الهدف من فتح قنوات التواصل، والتنسيق مع دمشق، وليس عبر الدخول غير الشرعي في أراضي دولة سيدة مستقلة خلافاً للقانون الدولي، وأما حزب الشعب الجمهوري، فقد كان قريباً من المواقف نفسها، إذ يرى أن تنفيذ العملية العسكرية سيؤدي إلى نتائج كارثية على الاقتصاد التركي، ودعا إلى ضرورة التنسيق مع دمشق لإيجاد حلول سياسية لهذا الأمر.
تبدو الصورة هكذا في أنقرة اتفاق على الهدف، واختلاف على وسائل وأدوات الوصول إليه، وأما إقليمياً فتبدو طهران معارضة تماماً لمثل هذه العملية العسكرية، وتدعو لفتح قنوات التنسيق مع دمشق مع إبداء الاستعداد للقيام بدور الوساطة بين دمشق وأنقرة، وأما موسكو التي عقد مجلس أمنها القومي اجتماعاً عاجلاً لبحث الوضع برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين فقد أعلنت عدم علمها بالعملية العسكرية التركية، وأقرّت بحق تركيا في مكافحة التنظيمات الإرهابية، ولكن ليس بعمل عسكري إنما بالحوار والأدوات السياسية، خاصة أن الرئيس بوتين سبق أن قدم سُلَمَ الهبوط لأردوغان من خلال اعتبار اتفاق أضنة صالحاً للحوار بين دمشق وأنقرة، وأقرّ أردوغان نفسه بذلك خلال اللقاء مع بوتين.
إعلان واشنطن الانسحاب المفاجئ، وفتح الطريق أمام حلم أردوغان بما يسمى المنطقة الآمنة يبدو فخاً لخلط الأوراق وعرقلة أي تقدم في المسار السياسي، ذلك أن الرئيس الأميركي ترامب حسب ما نشر على التويتر ترك الأمر للسوريين والروس والإيرانيين والأتراك والأوروبيين لإيجاد الحلول والمخارج، وهو ما يبدو أنه تحد وفرصة في الوقت نفسه!
التحدي واضح في البحث عن مخرج يردع أردوغان عن الدخول في عمل عسكري واسع، الأمر الذي سوف يعقّد الأوضاع، ويزيد المآسي الإنسانية للسوريين، ويدخل تركيا في مستنقع يحذر منه الكثيرون داخل تركيا وخارجها، وهو فرصة إذا استطاعت موسكو وطهران مدعومة من قوى سياسية داخلية تركية من لجم اندفاع أردوغان نحو الدخول الاحتلالي غير الشرعي في الأراضي السورية.
إن فرص الوساطات والضغط، ما تزال قائمة، خاصة أن أي عمل عسكري سيعقّد الأوضاع في سورية، وسيكون له انعكاسات وتداعيات سلبية على تركيا نفسها.
أما قيادات ما يسمى «قسد» و«مسد» فتبدو مرتبكة ومنقسمة ما بين تيار سوري يريد الحوار مع الحكومة وإيجاد المخارج، ولكن يبدو أنه ليس صاحب القرار، وما بين تيار آخر غير سوري مرتهن للأميركي والغربي ولأوهامه، ومصالحه الانتهازية، ما زال يعتقد بإمكانية استمرار الكذبة التي يعيشها منذ سنوات، دون أن يدرك الصفعة التي تلقاها من الأميركي لكنه ما زال يعيش وهم حماية الأجنبي.
إن العنتريات لن تفيد بشيء، وعلى السوريين الكرد وغيرهم أن يتذكروا ما قاله الرئيس بشار الأسد من أن «الأميركي لن يحميكم، والأميركي لن يضعكم لا في قلبه ولا في حضنه، لكنه سيضعكم في جيبه لكي تكونوا أداة للمقايضة مع الدولارات، وهو بدأ بالمقايضة…»، وتبدو الصورة هي هكذا واضحة ومكشوفة، وما على العقلاء سوى أخذ العبرة والاعتبار، أما إذا تكررت مأساة عفرين فما على هؤلاء سوى الذهاب إلى مزبلة التاريخ، لأن الاستمرار بـالتعلق بأوهام الدعم الغربي يجب أن تسقط من عقول هؤلاء، توقفوا عن أن تكونوا أدوات بيد الآخرين، وتأكدوا تماماً أن الوطن السوري هو المكان الأمن الوحيد لكم كسوريين، وما عدا ذلك هو وهم، وخداع للنفس وللآخرين.
تبدو التحديات والمخاطر والفرص مفتوحة في هذه المعركة الحساسة والمفصلية، فتركيا ليست قادرة على حشد الإجماع داخل تركيا، وكذلك الأمر خارجها، وستكون لهذه المعركة تداعيات كبيرة داخل تركيا، وفي الإقليم ما لم يفهم أردوغان أن هناك فرصة وحيدة، وخياراً مرّاً بالنسبة له ينصحه الجميع به وهو يراه أمامه، ويكابر ولكن لا فرصة أمامه سوى فتح باب الحوار والتنسيق مع دمشق، لأن الخيارات الأخرى، وخصوصاً إذا ذهب فيها طويلاً، قد تغرقه في مستنقع لن يخرج منه سالماً، وإن غداً لناظره قريب.

الدكتور بسام ابو عبدالله – الوطن

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي