كفى تلطياً بسورية

مما لاشك فيه أن دمشق سجلت انتصاراً تاريخياً على الصعيدين السياسي والعسكري ومن زار سورية مؤخراً أو حظي بالتواصل مع المسؤولين السوريين يلحظ كم أن الارتياح السوري بادياً لمآلات الأمور.
أبواب دمشق دائماً مشرعة ومرحبة بالزائرين العرب وتسعد بهم انطلاقاً من قناعة راسخة لدى القيادة السورية بعدم تحميل الشعوب وزر أخطاء أنظمتها لاسيما الأنظمة العربية منها التي شكلت رأس حربة في المؤامرة الكونية عليها انطلاقاً من ثقة سورية بأن من يزور سورية يكتسب قوة ومنعة وإيماناً بالهوية العربية أكثر ممّا يضيف لسورية من قوة ومنعة ولأن سورية مقتنعة بضرورة تعزيز الروابط العربية بما يفيد المصالح القومية المشتركة.
على الرغم من الأزمة الكونية على سورية والأعوام الثمانية العجاف ورغم مشاركة بعض الجهات اللبنانية سراً وعلانية بتلك المؤامرة البشعة بيد أن سورية لم تنظر يوماً إلى لبنان نظرة عداء بل إن سورية كانت دائماً ولم تزل تنظر إلى لبنان نظرة الشقيق الذي يعاني من تقلبات ورهانات بعض أهله الخاسرة نتيجة الانقسام اللبناني الداخلي الحاد، فكان لسورية نصيباً من الصبر وتحمل ضلال البعض اللبناني المرتمي بأحضان أميركا والأنظمة العربية المتآمرة على سورية.
سورية لم تقدم على اتخاذ إجراءات مضادة تجاه لبنان ولم تغلق حدودها يوماً ولم تلجأ إلى قطع علاقاتها مع لبنان، لكن سورية كانت دائماً تنظر إلى الجهة الملآنة من الكوب بانتظار انكشاف الحقيقة والعودة عن الخطأ رغم الإجحاف الذي لحق بها جراء توجيه اتهامات ظالمة مورست ضدها انطلاقاً من قبل البعض في لبنان ومكابرة هذا البعض واستمراره بالعداء لسورية.
لا شك بأن غياب سورية عن الجامعة العربية أفقدها دورها وهويتها الأمر الذي أوقع الجامعة في أحضان الأميركي واستطراداً الإسرائيلي، فيما سورية نفسها اكتسبت منعة وصلابة لدرجة أهلتها للتوجه نحو الشرق الواعد، أما عرب الجامعة فهم الآن في طور البحث عن منفذ يمكنهم العودة إلى قلب العروبة الحقيقي وتحولوا من متآمرين إلى مؤازرين لسورية يدافعون عنها ضد عدوان تركي أردوغاني على أراضيها.
إنّ سورية تقدّر عالياً موقف الرئيس اللبناني ميشال عون، الذي راهَن على انتصار سورية منذ اليوم الأول للأزمة، إنها الحقيقة التي لمسها وسمعها كل من حظي بلقاء القيادة السورية، يبدو واضحاً أن سورية تقدر موقف لبنان الأخير في اجتماع الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية وكان لافتاً كلام وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل حين قال: نحن هنا ليس من أجل سورية بل من أجل إدانة عدوان تركي على سورية، مؤكداً في جلسة علنية الطلب من الجامعة الدعوة لإعادة سورية إلى مكانها الطبيعي في الجامعة، كلام الوزير باسيل في الجامعة العربية حظي بتأييد واسع، لكن الوزير باسيل نفسه أطلق في اليوم التالي تصريحات تتنافى مع روح العلاقة الودية المطلوبة مع سورية حين قال وبلهجة لا تخلو من التعالي والتباهي: «سأزور سورية من أجل إعادة النازحين السوريين كما سبق لنا وأعدنا الجيش السوري إلى سورية» في 2005.
صحيح الوزير جبران باسيل هو موضع ترحيب في دمشق فزيارة باسيل إلى سورية شخصية كانت أو رسمية مرحب بها شرط أن تصب في إطار مصلحة لبنان وسورية لكن أن يكون الإعلان عن زيارة سورية مجرد ورقة ضغط لصرفها في الداخل اللبناني فهذا لن ترضى به دمشق خصوصاً لأنه يشكل اهتزازاً بالوضع الحكومي المهتز أصلاً على وقع الأزمة الاقتصادية الحادة وبالتالي إذا كانت زيارة دمشق بهدف ابتزاز فريق سياسي لبناني على حساب فريق آخر فإن الوزير باسيل لن يجد ممراً أو منفذاً لدخول سورية منعاً من تسهيل أو استعمال ورقة زيارة دمشق وصرفها بابتزاز الداخل اللبناني.
إن سورية ليست بحاجة لزيارة مسؤول لبناني لبحث ملف عودة النازحين فقط فأبواب سورية مشرعة دائماً أمام عودة أبنائها ودون أي وساطة أو منة من أحد وبلا أي عقبات، مع العلم أن اللواء عباس إبراهيم وبتكليف من القيادتين السورية واللبنانية يعمل جاهداً على إنهاء ملف عودة النازحين السوريين طوعياً وبنجاح ملفت.
إن من يرغب بزيارة سورية ليس مطلوباً منه إطلاق الدعايات الإعلامية فقط أو التلطي بسورية من أجل استنهاض قاعدته الشعبية أو من أجل كسب منصب متقدم، سورية تنظر إلى مصلحة البلدين الشقيقين سورية ولبنان وهي تريد تثمير نتائج أي زيارة رسمية لبنانية بإعادة تفعيل كل الاتفاقات المبرمة بين لبنان وسورية لما فيه مصلحة لبنان قبل مصلحة سورية، فالاتفاقات التجارية المبرمة والتنسيق السياسي والأمني بين البلدين تعطلت بفعل سطوة فريق لبناني على الحكم منذ 2005 وإن هذا التعطيل لم يؤت أكله لمصلحة لبنان بل على عكس ذلك تماماً فالمصلحة اللبنانية الوطنية تقضي بعودة تفعيل الاتفاقات المبرمة بين البلدين لتسهيل عملية الترانزيت وتصريف الإنتاج اللبناني وتخفيض رسوم الترانزيت وفتح الحدود للتبادل التجاري والتنسيق الأمني والسياسي فيه خدمة جليلة للبنان أما غير ذلك فلن يضير سورية بشيء لأن لبنان سيكون المتضرر الأكبر من تعطيل تنفيذ تلك الاتفاقات.
هنا تجدر الإشارة أنه لولا التعاون الأمني العسكري بين لبنان وسورية لما تحررت جرود لبنان من الإرهاب فالتعاون الأمني بين القيادتين أسفر عن تطهير سلسلة جبال لبنان من مقرات ومعسكرات الإرهاب التي كانت مرتعاً لتنفيذ عمليات إرهابية في كل لبنان، فيما سورية لم تزل تحارب الإرهاب على أراضيها حتى يومنا هذا.
وهنا نسأل الوزير جبران باسيل لماذا الإعلان عن زيارة دمشق بعد التأكد من انتصار سورية ولماذا لم يجرؤ أحد على الإعلان عن زيارة دمشق منذ ثماني سنوات مضت أي عمر المؤامرة عليها؟! ومن قال إن سورية ستقبل بزيارة هدفها إعادة أبنائها النازحين؟! وكما تزعمون أنكم أعدتم الجيش العربي السوري إلى سورية وبلهجة غير محسوبة وفيها من التعالي، إن عودة الجيش العربي السوري إلى سورية جاءت تنفيذاً لقرار من القيادة السورية وحدها وذلك حرصاً منها على الامتناع عن الوغول في الانقسامات اللبنانية نتيجة مشاركة بعض اللبنانيين الإعداد لتنفيذ قرار 1559 الجائر بحق سورية أما الوزير باسيل نفسه فهو الأعلم بهذا البعض اللبناني.
نختم بالقول: لكل من تساوره أحلام مستقبلية كفى تلطياً بسورية وأبعدوا سورية العروبة عن رهاناتكم الخاسرة.

رفعت البدوي – الوطن

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي