أطماع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط والعقبة الإيرانية في مـواجهتها

ترجمة وتحرير ـ راشيل الذيب:

منذ حوالي شهر، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في تجنب الحرب مع إيران في ظل تصاعد التوترات بين البلدين، وفي حين إن إدارة ترامب قد تكون صادقة في أملها في الابتعاد عن صراع عسكري شامل مع طهران – وخاصة أن تداعيات غزو العراق الكارثية لا تزال بارزة في واشنطن- فإن هناك عوامل أخرى تكمن وراء السعي الأمريكي الحالي لتشويه سمعة إيران، ومن المرجح أن يستغل ترامب نفسه التوترات معها لأغراض سياسية في محاولة لتعزيز فرص إعادة انتخابه في تشرين الثاني 2020.
وفي الواقع، إن اختلاق أعداء وهميين في الخارج خدعة قديمة لطالما استخدمها السياسيون على مر التاريخ لتحسين شعبيتهم، أو لكسب أصوات الناخبين الخائفين والمترددين قبل إجراء الانتخابات الرئاسية، بمن فيهم رونالد ريغان وجورج بوش الابن (ضد نيكاراغوا والعراق على التوالي) ويبدو أن تكتيكات ترامب في هذا الاتجاه ناجحة نسبياً، فبرغم الحملة الإعلامية الليبرالية الضخمة ضده، إلا أن معدلات تأييده أعلى قليلاً في هذه المرحلة بالمقارنة مع سلفه باراك أوباما خلال فترة ولايته الأولى.
لكن، وعلى عكس العراق أو نيكاراغوا، فإن إيران تمثل عقبة أكبر أمام أطماع الولايات المتحدة، ومن المؤكد أن إدارة ترامب، كسابقاتها، تدرك التحدي الذي تفرضه إيران على واشنطن، جغرافياً على سبيل المثال، تعد إيران إحدى دول العالم الأكثر جبلية، وعاصمتها، طهران يقطنها أكثر من ثمانية ملايين نسمة، وتقع نفسها على السفوح الجنوبية لسلسلة جبال البرز الشاهقة.
وكما هو الحال مع الصين، تضم إيران واحدة من أقدم الحضارات في العالم، والتي يرجع تاريخها إلى آلاف السنين. وبطبيعة الحال، لا يمكن لواشنطن ترهيب إيران بسهولة، وهي التي اتبعت سياسات مستقلة عن أمريكا خلال السنوات الأربعين الماضية، بينما شكلت مصدر قلق مستمر في البيت الأبيض، أضف إلى ذلك أن إيران بلد ذو أهمية خاصة، ويرجع ذلك جزئياً إلى موقعها في قلب أكبر المناطق المنتجة للطاقة في العالم، (تحتوي إيران على ثاني أكبر احتياطي معروف من الغاز ورابع أكبر احتياطي من النفط عالمياً).
ويبدو أن الإيرانيين عندما ينظرون حولهم يجدون أنهم مُحوطون بالقوات الأمريكية، فهناك ما لا يقل عن 45 قاعدة عسكرية أمريكية تقريباً تحيط بإيران وتتمركز حول الخليج العربي حيث يوجد عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين المتمركزين بشكل دائم، وهناك قواعد أمريكية أخرى أقيمت في أفغانستان، وهي دولة على الحدود مع إيران من الشرق، تضم ما يقرب من 15 ألف جندي أمريكي، وعلى الرغم من حقيقة أن إيران قد طورت علاقاتها مع العراق، إلا أن الولايات المتحدة تحتفظ بمنشآت عسكرية على الأراضي العراقية كذلك الأمر، والتي تضم حوالي 5500 جندي أمريكي.
ومع ذلك، يزعم السياسيون الغربيون، مثل نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس، أن إيران «تشكل تهديداً كبيراً على السلام والأمن»، ما يدفع إلى التساؤل: من الذي يشكل حقاً هذا التهديد مع الأخذ بالحسبان أن إيران تنفق على الأسلحة أقل بكثير مما ينفقه حلفاء الغرب من أمثال السعودية و«إسرائيل» فضلاً عن المقارنة مع الإنفاق الأمريكي؟!.. في واقع الأمر غالباً ما يتم التغاضي عن هذه الحقائق، علماً أن المخابرات الأمريكية أبلغت الكونغرس أن نفقات التسلح الإيراني منخفضة بشكل مستمر وفقاً لمعايير الشرق الأوسط.
إن تطلعات الولايات المتحدة فيما يتعلق بإيران تتمثل في مواصلة ممارسة الضغوط الشديدة ضد القيادة فيها، وضد الشعب الإيراني خاصة على أمل إحداث زعزعة استقرار خطرة، حيث تهدف هذه التدابير الاقتصادية إلى إضعاف أسس المجتمع الإيراني، وإذكاء عدم الرضا والاضطراب بين الجماهير الإيرانية، ما يؤدي في النهاية إلى «إسقاط» الدولة.
وبسبب سنوات من السياسات المذكورة أعلاه، أصبح الشعب الإيراني معادياً بشكل متزايد لأمريكا، ووفقاً لدراسة أجراها مركز «إيران بول -IranPoll» في كانون الأول 2018 فإن أكثر من 80٪ من الإيرانيين لديهم وجهات نظر معارضة للولايات المتحدة.
لذلك فإن من شأن استعادة الولايات المتحدة نفوذها على إيران -مع عدم إمكانية حدوث ذلك- إعطاء النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط دفعة قوية، وذلك عكس حالة التراجع التي شهدتها واشنطن منذ عام 1949(مع انتقال الصين إلى المعسكر الاشتراكي) لذلك نجد ترامب يقوم بزيادة الوجود العسكري في الخليج العربي بإرسال أعداد أكبر من الجنود الأمريكيين إلى المنطقة. وفي الواقع إن استمرار تصاعد التوترات يمكن أن يؤدي إلى حوادث غير متوقعة قد تقود بدورها إلى مواجهة قد تتوسع، ولا يخفى على أحد أن تداعيات صراع شامل بين أمريكا وإيران يمكن أن تدمر الشرق الأوسط بالمعنى الحرفي.
ولكن، وسط كل المزاعم التي قدمها الغرب عن إيران على مر السنين، هناك شيء ما من الحقيقة في تلك المزاعم وخاصة التي تقول إن إيران (تشكل تهديداً)، ولكن ليس للسلام العالمي بالطبع، بل على الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، في خضم الدور الإيجابي الذي تؤديه إيران في المنطقة فقد قدمت طهران المساعدة الاستشارية للدولة السورية في حربها على الإرهاب، وسورية هي الدولة التي تسعى واشنطن إلى «إسقاطها» وتعدها حليفاً قديماً لكل من روسيا وإيران.
علاوة على ذلك، تساعد إيران اليمنيين على مواجهة الاستبداد السعودي المدعوم من الولايات المتحدة في حرب وحشية وجهتها الرياض ضد اليمن بدعم وتمويل غربي، علماً أن السعودية هي حليفة لأمريكا منذ عدة عقود، حتى إن وزارة الخارجية الأمريكية وصفتها في عام 1945 بأنها «مصدر هائل للقوة الاستراتيجية إحدى أكبر الجوائز الجوهرية في تاريخ العالم» فالسعودية دولة نفطية ضخمة واليوم هي أكبر منتج لهذه المادة المربحة على مستوى العالم. ومن جهة أخرى، تدعم إيران المقاومة في لبنان التي تتصدى منذ زمن طويل لـ«إسرائيل» التي هي حليف رئيس آخر للولايات المتحدة.
تحتفظ الولايات المتحدة بقوة برغبتها في السيطرة على الشرق الأوسط، وهي مطامع تعود إلى الحرب العالمية الثانية، حيث كان الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور قد وصف الشرق الأوسط بأنه الجزء الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية في العالم؛ بمعنى آخر، منطقة يجب أن تهيمن عليها أمريكا إذا أرادت الحفاظ على موقعها كقوة مسيطرة على العالم بلا منازع.

التصنيفات: _سلايد,دراسات