أبو بكر البغدادي بوصفه ظاهرة

بداية لا أرى بديلاً عن القول: إني لست من أنصار تخوين أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي وصولاً إلى أبي بكر البغدادي الذي شهد نهاية «حلمه» وحياته في باريشا بجبل حارم ليل السبت الأحد 26-27 من تشرين الأول الماضي.
الثلاثة والعشرات ممن سبقوهم ولربما المئات ممن سيلحق بهم، كل واحد منهم هو ظاهرة تكمن وراء بروزها عوامل موضوعية دون أن يكون ذلك إلغاءً لاستثمار الخارج فيها، على حين الجامع ما بينها كلها رزمة من العوامل تتكون بدورها من ثالوث يمكن تحديد أضلاعه بعوامل ثلاثة أساسية، أولها إخفاق تجارب التنمية التي شهدتها المنطقة برمتها، وثانيها الثغرة الرهيبة في طريقة قراءة وفهم التراث وتجارب النهوض التي عرفتها شعوبها على مر المراحل منذ أن نجح الإسلام في تشكيل رافعة حضارية استطاعت أن تشكل في مرحلة من المراحل القطب الآخر في العالمية، أما الثالث فإن سابقيه حاكمان له من حيث إنهما المسؤولان عن استيلاد «الحاضنات» المنتجة للأفكار تلك التي تسوس مجتمعاتها وتقودها صعوداً نحو النهوض، والمؤكد أن تلك الحاضنات إذا ما اختلت قواعدها التي أنتجها العاملان السابقان فإنها ستصبح معنية بإنتاج «ذرا» غير أصيلة فكرياً، بمعنى أنها عاجزة عن فهم توازن القوى القائم والعمل من خلاله على تحسين المواقع، ولذا فإنها تقود نحو مزيد من تهتك مجتمعاتها، وإذا ما اختلت تلك القواعد أكثر أصبحت أمام فرصة وحيدة تتمثل في إنتاج «مسوخ» غير ملمة بجذور الصراع وطريقة إدارته إبان خوضها لتجربة النهوض التي تغوص عميقاً في الذات الجماعية لشعوب المنطقة، فتعطي حالة هي أقرب إلى تبني منهجية «الكاميكاز» التي تعني تسديد الضربة الأخيرة اليائسة ما قبل الانتحار، وهي بذلك تصبح أكثر خطراً على شعوبها من الخطر الخارجي الذي يتهددها.
بنيت الآراء السابقة انطلاقاً من مؤشرات عديدة يصعب تعدادها، لكن يمكن ذكر بعض بارز منها، فلا أحد يمكن له أن ينكر أن ما قام به بن لادن في أيلول 2001 كان قد لامس شغاف قلوب الملايين في الشارعين العربي والإسلامي، وإن ما «أنجزه» البغدادي في الموصل حزيران 2014 لم تكن تبرره موازين القوى على الأرض وما يبرره هو «التفوق» في تعاطف الشارع الذي كان مستهدفاً في ذلك الفعل، والاثنان كانا تعبيراً عن وصول الشارع العربي إلى حال من اليأس قصوى هي وحدها الكفيلة بتبرير مواقفه المتعاطفة مع كلا الحدثين، وما أوصله إليها فقدان الثقة الناجم عن التجارب المريرة التي لم تفض إلا إلى مسار وحيد هو الصعود نحو الهاوية.
تعاطي الغرب مع الشرق العربي الناهض على أساس أنه يحمل على الدوام جنين قطب عالمي ينافسه السيادة على العالم، بل وكانت له حسابات استباقية في ذلك التعاطي، وقد كانت فكرة إيقاظ وعي اليهود «لكي يتمكنوا من أداء واجبهم المقدس» التي قال بها نابليون بونابرت في مؤتمر يهودي أطلق عليه اسم «سانهردان» كان قد عقد في عام 1807 تعبيراً واضحاً عن تلك الحالة، ثم كانت نظرية اللورد قائد الجيوش البريطانية ولينجتون الذي هزم الجنرال الفرنسي نابليون في معركة واترلو 1815 تقوم على ثلاث مراحل وهي تنتهي بإنشاء عازل جغرافي بين مصر وسورية، تلاه مشروع رئيس الوزراء البريطاني كامبل بانرمان الذي قال بوجوب إقامة قوة معادية لأهل البلاد وصديقة للغرب على مقربة من قناة السويس، ثم كانت النتيجة المنطقية لذلك التراث إقامة الكيان الإسرائيلي الغاصب على أرض فلسطين عام 1948، ولا يجوز إقفال هذه الفكرة قبيل أن نشير إلى مذكرة كان قد كتبها وزير الحرب البريطاني اللورد كيشنير في عام 1916 وأوصى فيها بضرورة العمل على تغيير العقل «السني» الجمعي لناحية معتقداته وتموضعه والعمل على إيجاد بدائل له عن العدو القادم الذي سيستحضره وعد بلفور الذي أطلق بعد أقل من عام على تلك المذكرة.
شكل قيام الاتحاد السوفييتي عام 1917 وبروزه كقطب شرقي ينافس نظيره الغربي في السيادة العالمية دوراً إسنادياً لربما أراح «الحاضنة» الإسلامية من عبء النهوض بالدور، وخصوصاً بعد التهتك الذي أصاب أنسجتها في أعقاب قيام إسرائيل، إلا أن سقوطه، أي سقوط الاتحاد السوفييتي، كان قد أعاد تركيز الصورة على «الحاضنة» الإسلامية، حيث شكلت نظرية «صدام الحضارات» لصموئيل هنتغتون إرهاصاً ونذيراً مبكرين بذلك، والمؤكد على الرغم من أن العديد من المفكرين كان قد وسم طروحات هذا الأخير بالفانتازية إلا أنه يمكن لحظ شعور دفين يغوص في أعماق الذات الغربية وهو يتحسس مكامن الخطر الذي يمكن أن يشكله الشرق الإسلامي إذا ما توافرت الشروط اللازمة له قياساً إلى العمقين الحضاري والحيوي اللذين تمتلكهما شعوب هذا الأخير.
البغدادي لم يكن سوى «كاميكازيا» غير مالك لسمة الفكر الصحيح ولا لأدواته اللازمة للقيام بدور البوصلة في نزوعه نحو النهوض الذي تتوق له المنطقة، والمهم لنا الآن ما بعد رحيله هو المآلات التي يمكن أن يسير عليها تلامذته الذين تركهم في ظل انشقاقات كبرى سعى جاهداً إلى حلها إلا أنه لم يستطع ولا كان ممكناً له أن يستطيع، فتشظيات «الجهادية السلفية» محكومة بهكذا سياقات إلى ما لا نهاية، وهي تبدأ مع الخلاف على الأساسيات ثم إنها لا تنتهي عند الخلاف على أدق التفاصيل التي لن تنتهي، وبمعنى آخر إن فكر السلفية هو فكر «تجزيئي» ذو نهج متشظ وبشكل لا منتهٍ لا علاج له إلا بأسلحة من داخله تتوافر فقط في ظل نجاح فرص التنمية.

عبد المنعم علي عيسى – الوطن

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي