شياطين الشعراء

 

اعتدنا أن نستخدم كلمة (العبقرية)، كلما أردنا أن نعبِّر عن نشاط عقلي مختلف، نادر الحدوث، يقود صاحبه إلى ابتكار أشياء لم يسبقه أحد إليها. ولعل أغلبنا يعلم أن وادي عبقر هو الذي نُسِبت إليه العبقرية، وهو وادٍ في (نجد) أُثِرَتْ عنه روايات كثيرة تتعلَّق بسُكنى الجن فيه، وانتماء شياطين الشعراء إليه، وما إلى ذلك من حكايات الميثولوجيا العربية، التي يستطيع القارئ أن يرجع إليها في أكثر من مصدر.

لكنني لم أزل في حيرةٍ منذ أن قرأتُ في أحد الكتب عن أسماء شياطين بعض الشعراء الأفذاذ، التي أُورِدُ بعضَها في هذا الموضع:

هاذر بن ماذر: شيطان النابغة الذبياني.
لافظ بن لاحظ: شيطان امرئ القيس.
مِسحل بن أُثاثة: شيطان الأعشى.
هَبِيد: شيطان عَبِيد بن الأبرص.

إن لجوء شعراء العرب، إلى نسبة إبداعهم الشعري إلى مصدرٍ للإلهام خارق للطبيعة (وغير موجود)، ولجوء الإغريق من قبلهم إلى نسبة الشعر والفنون إلى الإله أبولو (غير الموجود أيضًا)، يدلنا على حالة الارتباك التي يعانيها الشاعر أثناء تولُّد نصٍّ جديدٍ في خياله، وتدفقه في النهاية داخل القالب الشعري الذي اختاره له. الحالة التي تتملك الشعراء أثناء مرورهم بمراحل العملية الإبداعية (التهيؤ والاختمار والإشراف والمراجعة)، تختلف تمامًا عَمَّا يُحسُّه غيرهم من أرباب الإبداع. مزيج من التشتت والتعجب والفضول ولذة الاكتشاف و… الجنون!

الشعر والكهانة والنبوَّة!

حين وضع الرومان كلمة vates للدلالة على الشاعر، لم يغب عنهم أن نفس الكلمة تشير أيضًا إلى الكاهن. فكأنهم أدركوا مبكرًا أن الشاعر والكاهن يتفقان في نفس الخصائص (إطلاق النبوءات – غرابة الأطوار أثناء فعل الإبداع – نسبة إنتاجهم الأدبي إلى قوى عليا – استخدام اللغة إيقاعًا وتشكيلًا لإنتاج نصوص سحرية مؤثرة)؛ وليست هذه الكلمة ببعيدة عن معنى النبوَّة في اللغة اللاتينية.
وجميعنا يعلم أن الرسول حين أخبر قومه بأنه يأتيه وحي من السماء، كذَّبوه واتهموه بالكهانة؛ فقد كان مألوفًا لديهم أن الكهَّان يدَّعون مثل هذا الادِّعاء، ويأتون بكلامٍ مسجوعٍ مؤثِّر، مثل ما قاله كاهن اليمن سَطِيح حين أراد تأكيد تأويله لرؤيا ربيعة بن نصر التي أقلقته، وكان قد تنبَّأ منها بأن مُلْكَ اليمن سينقطع برجلٍ من ولد غالب بن فهر (الجد التاسع للرسول). قال سَطِيح:

نَعَمْ. وَالشَّفَقِ وَالغَسَق. وَالفَلَقِ إِذَا اتَّسَق. إِنَّ مَا أَنْبَأتُكَ بِهِ لَحَقّ.

لدينا إذًا مُثلَّثٌ، أضلاعه هي النبوة والكهانة والشعريَّة. اتفق الثلاثة على سبب العملية الإبداعية (الوحي)، واختلفوا على الكيفية التي تتمُّ بها. الشاعر والكاهن لديهما شياطينهما، والنبي لديه الملاك الرسول المبلِّغ بتعاليم الإله.
نستطيع هنا أن نستنتج مما تقدَّم، أن الشعراء نسبوا إبداعهم إلى كائنٍ خارقٍ، احتيالًا منهم على جهلهم بالتجربة العجيبة التي يمرون بها أثناء تخلُّق قصيدة جديدة في طواياهم.
إِنِّي وَإِنْ كُنْتُ صَغِيرَ السِّنِّ
وَكَانَ فِي العَيْنِ نُبُوٌّ عَنِّي
فَإِنَّ شَيْطَانِي أَمِيرُ الجِنِّ
يَذْهَبُ بِي فِي الشِّعْرِ كُلَّ فَنِّ
هذا ما وضعه بديع الزمان الهمذاني على لسان أحد شخوص مقاماته الممتعة، ويؤكد فيه شيوعَ هذا الاعتقاد في عصره.
دَعَانِي شِنِقْنَاقٌ إِلَى خَلْفِ بَكْرَةٍ
فَقُلْتُ: اتْرُكَنِّي؛ فَالتَّفَرُّدُ أَحْمَدُ
وهذا ما قاله بشار بن برد، مدَّعيًا به حدوثَ حوار بينه وبين شيطانه (شِنِقْنَاق)، وهذا أيضًا من دلائل انتشار هذا الزعم.
تُرى ماذا سأقول إذًا – ما دمتُ شاعرًا – إن أردتُ أن أتخذ نفس هذا النهج؟ فلأجعل اسم شيطاني (ذادِح بن مِصْقَر)، ولأكتب عنه بيتًا كهذا:
مَا زَالَ قُرْبِي (ذَادِحٌ)
يُمْلِي عَلَيَّ وَأَكْتُبُ
لا بأس به، رغم أنه يبدو مصطنعًا مثل ما قاله بشار بن بُرد!
على أية حالٍ، سوف تظل حالة الشاعر وقت إنتاج نصه الشعري أمرًا مستغلقًا على النقاد، وأقدر العلوم على التصدِّي لتفسير طبيعة الإبداع الشعري، هو – بلا شك – علم النفس، لا النقد الأدبي كما يظن أغلب الناس!

التصنيفات: أدب وشعر