نتنياهو وتكتيك تمرير الوقت

بات احتمال إعادة إجراء الانتخابات التشريعية في “إسرائيل” وللمرة الثالثة، أمرا لا مندوحة عنه حال بقيت مواقف الحزبين الكبيرين تراوح مكانها. فكل الجهود التي بذلها الجنرال بيني جانتس زعيم حزب (أزرق ـ أبيض) أو (كاحول/لافان)، باءت بالفشل بعد أن اصطدمت بالعوائق الكثيرة، وقد سبقه بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود في فشله أيضا. لذلك فإن احتمالات تشكيل حكومة “وحدة وطنية” بين الحزبين الكبيرين، وبمشاركة حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة أفيجدور ليبرمان، يبدو بأن لا مكان لها. فالمشاورات للتوصل إلى تشكيل ائتلاف حكومي لم تجد حتى الآن سوى طريق مسدود، مع عدم حصول أي تقدم جدي في المفاوضات، وهو ما يعزز احتمالات التوجه لانتخابات ثالثة للكنيست بغضون أقل من عام.
الوقائع تشير إلى أن نتنياهو يفضل التوجه لانتخابات ثالثة، وقوى وأحزاب اليمين التوراتي (أحزاب الحريديم المتدينة)، تساند موقفه بتمرير الوقت والسعي لانتخابات تشريعية جديدة وللمرة الثالثة، فقد أبدت رئيسة حزب (هيمين هداش/ليمين الجديد) الوزيرة (اييليت شاكيد) تأييدها للعودة لصندوق الاقتراع للمرة الثالثة، وأضافت شيئا جديدا عنوانه: “دعمها لتأجيل لاقتراح بإجراء انتخابات مباشرة سريعة بين نتنياهو ورئيس حزب (أزرق ـ أبيض) الجنرال بيني جانتس”. وكان الوزير المساند لنتنياهو (ارييه درعي) طرح أثناء اجتماع رؤساء كتلة اليمين المتطرف “الإسرائيلي” دفع مشروع قانون إلى الأمام ينص على إجراء انتخابات مباشرة بهدف الخروج من المأزق السياسي الذي تشهده دولة الاحتلال.
في هذه الأثناء، وقَّعَ معظم رؤساء أحزاب اليمين التوراتي، باستثناء حزب اليمين الجديد، تعهدًا، بأنه “إذا أدّت حكومة أقلية اليمين الدستوري بدعم من القائمة المشتركة (القائمة العربية)، فإنهم لن ينضموا إلى هذه الحكومة في أي وقت من الأوقات ومهما كلف الأمر، وسيصوتون ضدها بشكل دائم، بل وسيعملون بأي طريقة لإسقاطها. كما تعهد قادة اليمين التوراتي بأن ينضموا “فقط إلى حكومة يقودها نتنياهو وتضم جميع الموقعين على التعهد، سواء في ظل حكومة اليمين أو حكومة وحدة بالتناوب”. وتجدر الإشارة إلى أن بينت وشكيد من حزب اليمين الجديد رفضا التوقيع، لأنهما شعرا أن ذلك غير ضروري.
وعليه، فإن بنيامين نتنياهو، يُفضّل عمليا العودة، لإجراء انتخابات تشريعية للمرة الثالثة، وهي سابقة في تاريخ دولة الاحتلال منذ قيامها على أرض فلسطين العربية عام 1948، حيث يريد نتنياهو تمرير الوقت لأطول فترة مُمكنة وهو على سدة القرار في “إسرائيل”، ما يجعل من مسألة إحالته للقضاء بتهم الفساد وتلقى الرشاوى أقل وطأة بكثير في حال كان خارج إطار رئاسة الحكومة وموقعها الأول. لذلك يسعى لتعطيل أي توافق على قيام حكومة “وحدة وطنية” حتى لو رضخ حزب (أزرق ـ أبيض) لاشتراطاته المتعلقة بإشراك أحزاب اليمين التوراتي (شاس + يهوديت هتوراه + اليمين الجديد) وتقديم سلة الإغراءات التي تطالب بها كعادتها. مدعيًا أنه لم يستوعب بعد حقيقة أنه بدون شراكة مع حزب الليكود والأحزاب المرافقة له، لن يتمكن من تشكيل حكومة، وادعى أن فرص الجنرال بيني جانتس بتشكيل حكومة أقلية بدعم القائمة المشتركة التي تضم (13) عضوا من أعضاء الكنيست (العربية) من الخارج منخفضة، لأن الثمن السياسي الذي سيدفعه الجنرال بيني جانتس وأفيجدور ليبرمان سيكون مرتفعًا للغاية. وقال هذا الوزير المقرب من نتنياهو لصحيفة “يسرائيل هيوم” في عددها الصادر قبل عدة أيام: “إذا لزم الأمر، سنذهب إلى انتخابات رابعة. لذلك يرى نتنياهو ومن معه أن على قادة حزب (أزرق ـ أبيض) أن يفهموا بأنه لا يمكنهم تشكيل حكومة من دون حزب الليكود أو الأحزاب المرافقة له، والمقصود أحزاب اليمين التوراتي، هذه هي القاعدة التي ينطلق منها حزب الليكود بغض النظر عن عدد جولات الانتخابات التي ستجرى. كما أن المراهنة على تضعضع مكانة نتنياهو داخل حزب الليكود غير واقعية، وبذات الوقت فإن نتنياهو لن يتخلى عن أحزاب الكتلة (أحزاب اليمين التوراتي)، وهم لن يتخلوا عنه”.
ولكن، وفي النتيجة، والواقع العملي، تلقّى رئيس “الحكومة الإسرائيلية”، بنيامين نتنياهو، هزيمة مركّبة في انتخابات (الكنيست الـ22) الأخيرة، وهي هزيمة من شأنها فتح الطريق أمام إنهاء وإغلاق مسيرته السياسية في ظل ملفات الفساد التي تلاحقه وتربص الكثيرين له من أحزاب المعارضة، فنتائج الانتخابات كانت كارثية على نتنياهو بالرغم من قدرته التعطيلية أمام قيام أي ائتلاف حكومي متماسك، ومصدر الهزيمة كان أولا في الفشل في إيصال حزب الليكود إلى الفوز بالمرتبة الأولى في عدد المقاعد في الكنيست، وكان ثانيا في الفشل في جعل الأحزاب اليمينية والدينية (التوراتية) التي تقف إلى جانبه تحوز نصف عدد المقاعد في الكنيست زائدا واحدا، أي 61 مقعدا.
إن كل ذلك من شأنه دفع نتنياهو إلى الهاوية، التي جهد بما يفوق طاقته كي يتجنبها، حيث هناك احتمال متزايد بتقديم بنيامين نتنياهو للمحاكمة بشبهة “الاحتيال وخيانة الأمانة”، في وقت يواصل ما يسمى بمستشار حكومة الاحتلال القانوني مشاوراته، بشأن لائحة الاتهام. ورجحت مصادر “إسرائيلية” أن يحسم ما يسمى بالمستشار القانوني لحكومة الاحتلال أفيخاي مندلبليت، قبل نهاية الشهر الجاري نوفمبر 2019، مسألة تقديم نتنياهو إلى المحاكمة في الملفات الثلاثة المنسوبة إليه. حيث أفادت “القناة 11″ الإسرائيلية، بأن “مندلبليت يواصل مداولات ماراثونية مع كبار المسؤولين في النيابة العامة، في حين طالب وزير العدل في حكومة الاحتلال “الإسرائيلي” أمير أوحانا، بإجراء التحقيق فيما إذا كانت مصادر في نيابة الاحتلال العامة قد سربت إلى وسائل الإعلام مواد من ملفات التحقيق الخاصة بنتنياهو.
وانطلاقا من كل ما ورد أعلاه، فإن مصلحة بنيامين نتنياهو، وإمكانية هروبه من القضاء، تفرض عليه اتباع تكتيك السعي لتعطيل أي تشكيل حكومي ما لم يكن على رأس قيادته، وبالتالي فإنه يُفضل السير باتجاه انتخابات تشريعية ثالثة، والسعي لتمرير الوقت، لعام كامل، وعندها قد تنشأ معطيات جديدة، تحمي نتنياهو من الانزلاق نحو هاوية الموت السياسي النهائي في المجتمع “الإسرائيلي” بعد أن صال وجال لسنوات طويلة في ميدان التحكّم بالقرار الأول في “إسرائيل”.

علي بدوان – الوطن العمانية

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي