المواجهة بين أميركا والصين تجاوزت التجارة إلى الحرب الباردة

 د. قحطان السيوفي -الوطن

صراع الكباش أميركا والصين أساسه أن الأولى تنطلق كقوة أعظم قديمة، بينما الثانية تتقدم كقوة عظمى صاعدة، تسعى لمكانة أعلى في العلاقات الدولية، وبين القوة القديمة والقوة الصاعدة، يعيش الاقتصاد العالمي مرحلة صعبة مليئة بالقلق.
في كانون الأول العام الماضي اتفق الرئيسان الأميركي والصيني على تعليق الحرب التجارية والبدء في مفاوضات للتوصل إلى صفقة تتيح للولايات المتحدة تصحيح عجزها التجاري مع الصين.
بلغ التوتر بين البلدين ذروته بانهيار تلك المفاوضات، وفرض عقوبات أميركية جديدة على ما قيمته 200 مليار دولار من وارداتها من الصين.
استمر التدهور مع إعلان ترمب عزمه فرض رسوم جمركية انتقامية على ما تبقى من واردات الولايات المتحدة من الصين.
خلال لقاء جمع الرئيسين الصيني والأميركي على هامش قمة العشرين في بوينس أيريس في كانون الأول الماضي، تضمن الاتفاق بينهما مواضيع رئيسة؛ التزام الولايات المتحدة بمبدأ الدولة الصينية الواحدة، أي تقليص علاقاتها مع تايوان، وأن تتعهد بكين بمساعدة واشنطن في الحوار مع كوريا الديمقراطية، إضافة إلى بعض الصفقات المالية في مجالات التكنولوجيا.
استغرب المراقبون وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الأميركي قائلاً: «صديقي ترامب» في حفل عشاء رسمي خلال زيارته الأخيرة لروسيا، على حين وصف شي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ«أحسن أصدقائي».
الرئيس شي أراد أن يقول إن الصين هي الأخرى راغبة في التهدئة وتجنب التصعيد، لقد انتقلت المواجهة بسرعة من ميدان التجارة إلى ميدان التكنولوجيا، وأصبحت شركة «هواوي» الصينية للاتصالات هي المرمى الذي تستهدفه السياسة الأميركية المعادية للصين، كما أصبحت تكنولوجيا اتصالات الجيل الخامس أحد أهم موضوعات الصراع.
صراع الأكباش بين واشنطن وبكين أكبر بكثير من مجرد الحرب التجارية، وحتى لو استطاعت واشنطن تقليل عجزها التجاري، فإنها ستظل في حالة رعب من التقدم الصيني في ميادين التكنولوجيا والتسلح وتكنولوجيا الفضاء وأجهزة الذكاء الاصطناعي، وهي جميعاً أدوات التفوق في المستقبل، إنه صراع عقود من الزمن.
ترامب لم يبدأ فقط حرباً تجارية ضد الصين، وإنما أشعل حرباً باردة جديدة أصبحت تهدد العالم كله وذلك دفاعاً عن الهيمنة الأميركية العالمية، التي تشهد انحداراً وأفولاً، ترامب يتبنى بوضوح فلسفة الحرب الباردة الجديدة بشعاره «أميركا أولاً» الذي تتبناه بعض مؤسسات ودوائر أجهزة صنع السياسة الخارجية.
ويعتقد مفكرون أميركيون، منهم اليميني المتطرف ستيف بانون وداهية الإستراتيجية هنري كيسنجر أن الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على قيادتها للعالم، بانون يقود حملة عالمية لنشر الفكر الشعبوي المعادي للعولمة في الولايات المتحدة وأوروبا، وهنري كيسنجر، المتعاطف مع إدارة ترامب عرض في كتابه «النظام العالمي» دور الولايات المتحدة العالمي بالهيمنة لحماية مصالحها ونفوذها.
سياسة ترامب تعكس جانباً من المصالح في الولايات المتحدة، وانقساماً حاداً في المجتمع الأميركي، سياسة ترامب العالمية تمثل امتداداً متطرفاً لسياسة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، والتي مضمونها «من ليس مع الولايات المتحدة؛ فهو ضدها»، ترامب أضاف: «من ليس مع الولايات المتحدة؛ فهو ضدها، وسيخضع للعقاب».
تمثل الحرب الباردة نموذجاً للصراع ووسائله، باستثناء الحرب المسلحة المباشرة، تشمل التهديدات الدبلوماسية والسياسية، والعقوبات الاقتصادية، وسباق التسلح، والحروب بالوكالة.
أما الحرب التجارية، فإنها تهدف لحماية الصناعات المحلية بفرض رسوم جمركية حمائية، أو بحظر دخول بضائع أو بفرض عقوبات تجارية، قد تأخذ الحروب التجارية شكل إجراءات إغراق أسواق الدول الأخرى بمنتجات رخيصة.
وقد وقعت الدول العربية ضحية لسياسات الإغراق في القطاع الزراعي، بسبب مزاحمة الواردات الأرخص من الحبوب من الدول الصناعية المتقدمة.
الصراع الحالي وضع العالم أمام حرب باردة جديدة يتصارع فيها نموذجان سياسيان، تحاول فيه أميركا الدفاع عن نظام أحادي القطبية، كما يعتقد ترامب أن تنامي التقدم التكنولوجي الصيني، يمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي.
خلال قمة مجموعة العشرين الأخيرة التي عقدت في اليابان بدا أن العلاقة بين واشنطن وبكين قد دخلت فترة من الهدنة، تبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجة تصالحية، سامحاً بتصدير المكونات التكنولوجية إلى «هواوي» ومؤجلاً تنفيذ زيادة على رسوم استيراد المنتجات الصينية، ورد نظيره الصيني شي بوعود لشراء منتجات زراعية أميركية، هل يمثل هذا بداية لنوع جديد من العلاقات بين البلدين أم هدنة مؤقتة؟
الرئيس ترامب في وضع داخلي صعب؛ انتخابات الرئاسية عام 2020، وضغوط من خصومه الديمقراطيين الذين يسيطرون على مجلس النواب ويحاولون عزله.
في الوقت نفسه يواجه شي في الصين تخوفاً من بداية نوع من الركود الاقتصادي تحت تأثير الحرب التجارية خاصة صناعات الصادرات إلى الولايات المتحدة.
بالنسبة لترامب، تؤثر التوترات مع الصين بشكل سلبي كبير على المناطق الريفية ومناطق التصنيع حيث يعيش معظم مؤيديه مما قد يؤثر سلباً على فرص إعادة انتخابه.
هدنة قمة مجموعة العشرين، كانت حلاً وسطاً توصل إليه كلا الزعيمين.
ولكن لا تزال جذوة النزاع مستمرة، وقد يتصاعد الأمر في أي لحظة إذا فشلت المحادثات التجارية القادمة.
الصين مستمرة في تطوير مجالات التقنية مثل القيادة الذاتية، الذكاء الاصطناعي، والروبوتات. بسرعة مدهشة. وقد استثمرت حجماً هائلاً من الموارد في الأبحاث والتطوير لتكون معقلاً كبيراً للعلوم والتكنولوجيا، مع تراجع معدلات المواليد وتزايد أعمار السكان، أجبرت الصين إلى التوجه نحو التشغيل الذاتي بشكل أكبر للاستمرار في معدلات النمو الاقتصادي.
تعد معركة التفوق التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين متزايدة بسبب المخاوف الأميركية المتعلقة بالحفاظ على تفوقها العسكري، في هذا السياق تتواصل معركة الهيمنة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، في بعض الحالات استطاعت الشركات الصينية حتى التفوق على مثيلاتها الأميركية.
الطرفان الصيني والأميركي يسيران نحو توقيع اتفاق أولي، وبات الحديث منصباً خلال الأيام الماضية على البحث عن مكان للتوقيع.
المراقبون يرون أنه قد يختار الطرفان نقطة في المنتصف مثل هاواي أو ألاسكا وقد تكون أيوا هي الخيار الأول لإدارة ترامب نظراً للجاذبية السياسية لولاية زراعية تشكل دائرة انتخابية مهمة لترامب. ومع ذلك فإن مسار الصراع سيتحمل موجات من الصراع والتهدئة، مثل تلك التي نشهدها على ساحة الحرب التجارية منذ 16 شهراً.
أخيراً المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة والصين ترسم ملامح حرب باردة عالمية جديدة، تغطي مجالات التجارة والدبلوماسية والثقافة والتمويل والتكنولوجيا والصناعة والتسلح، وهذه الحرب ليست فقط مجرد حرب بين نظامين، وإنما هي حرب من جانب الولايات المتحدة ضد الصين وروسيا وإيران وكوريا الديمقراطية وغيرها، في محاولة يائسة لاستمرار هيمنة الولايات المتحدة العالمية لدرجة أن الرئيس دونالد ترامب مستعد لفرض إجراءات انتقامية حتى ضد حلفائه، مثل ألمانيا وفرنسا وكندا واليابان، لضمان الهيمنة الأميركية للعالم.

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي