ترامب بين المطرقة السورية والسندان العميق .. ابتزاز الرئيس الامريكي 

 

 

 

يكاد الوجود لا يجيبك على الأسئلة التي لا تنتهي .. ففي بطن كل سؤال سؤال .. كمن يفتح صندوقا ليجد فيه صندوقا وفي الصندوق صندوق آخر .. ولكنه تختصره عبارة واحدة تقول (وفوق كل ذي علم عليم) .. وكأنها تقول (وفوق كل ذي قوة قوي) .. فلا تتجبر ولا تغرنك النياشين التي تحملها بزات الجنرالات وأوسمة القادة والماريشالات المنتصرين الذين تقدم لهم الرايات وتخبط أحذية الجنود الارض أمامهم .. ففوق كل ذي سلطة سلطان .. وحتى السلطان لديه من يتسلط عليه ولديه مايخشاه  ويحوله الى جندي صغير امامه .. وكان الكبار من أجدادنا يتندرون على الباشوات الاتراك مثلا ويقولون ان لقب الباشا المخيف للعامة والبسطاء لا يناله الا من يدخل على الوالي وهو يزحف على أربع .. وكذلك الوالي الذي يرعب الباشاوات الذين يرعبون الناس لهم طريقة دخول خاصة الى السلطان تشبه الزحف على البطون .. فكلما ارتفعت منزلتك اقترب رأسك من الأرض أكثر ..

 

ولذلك عليكم ان تضحكوا عندما تشاهدون امراء الخليج وملوكه يتباهون بالمؤتمرات والاستقبالات التي تنحني لهم .. لان هؤلاء في الكواليس يدخلون على أربع الى السفارات الغربية .. ولا تظنوا أن الخليفة اردوغان  يستثنى من هذه المعادلة القاسية .. فهو يريد كل المسلمين ان يخضعوا له وينحنوا .. ولكنه امام بوتين وترامب يصبح له ذيل يهزه امامهما لا رضائهما .. ولذلك فانه قد يجعجع على الاوروبيين الا أنه يبلع اهانات الاقوياء ويصبح اصم امام تهديدات ترامب .. ورغم المصافحات البروتوكولية امام الكاميرات فانه في حقيقة الامر يحس انه يزحف في روحه لارضاء الزعماء الكبار .. وهذا هو الفرق بين الحلفاء والخلفاء .. فالحلفاء يحكمهم قانون الفرسان: الكل للواحد والواحد للكل .. والخلفاء يحكمهم قانون لكل خليفة خليفة ..  

 

أما ترامب الذي يهدد زعماء العالم ويحلب لبن الابل السعودي والقطري ويضرب اردوغان على رأسه بالعصا فلديه من يبتزه ويهدده ويضع له حدا ويحلب مالديه من سلطة .. وهو ليس نسيج وحده في الحياة السياسية الامريكية .. فالمعروف ان الرئيس الامريكي لا يحكم بل تحركه الدولة العميقة كما تحرك لعبة العرائس واذا تمرد قتلته كما حدث مع كينيدي او عزلته كما حدث مع نيكسون او حولته الى أراجوز وأفرغته من كل هيبته وسلطته كما فعلت مع بيل كلينتون .. وطبعا كلنا نذكر اوباما الذي حكم البيت الابيض ولكنه لم يكن يملك من امره شيئا ..  فمن حكم في عهده هو الدولة العميقة التي كانت تتعامل مع هيلاري كلينتون على انها الرئيس فيما ان اوباما واجهة ..

 

ترامب هو اول رئيس يتمتع بشيء ما من الاستقلالية عن الدولة العميقة التقليدية ومؤسساتها القديمة لأنه وصل بسبب صراعات في الدولة العميقة ذاتها بين جناحين يعتمدان نظريتين مختلفتين لحكم العالم .. فهناك التيوس القدماء الذين لا يجيدون سوى لعبة حروب النفط وتجارة السلاح وهذه مسرحها الشرق الاوسط حيث غرفة العمليات ولذلك فانهم يركزون في كل ساساتهم على حروب الشرق الاوسط .. اما التيار الاخر فيرى ان الشرق الاوسط ميدان قديم وان البقاء فيه صار يشغل اميريكا عن معركة أهم .. وان الميدان الجديد ينتقل للشرق الاقصى وعلى اميريكا ان تقوم بتسويات واقفال الخرائط في الشرق بالحديد والاتفاقات قبل الانتقال الى الميدان الجديد ..

 

ترامب يحاول اقفال الملف السوري والشرق اوسطي ولكن هذا الاتجاه أثار غضب القوى العميقة الاخرى التي استشرست في سبيل ابقاء ميدانها القديم حيا فدفعت بأنصارها الى الصراع مع ترامب منذ ايامه الاولى .. مرة تضغط عليه بحكايات كيماوية في سورية وتلزمه بضربات صاروخية ضد الجيش السوري لتبقيه متورطا .. ومرة ترغمه على تغيير خطط الانسحاب من الشمال والتخلي عن الاكراد .. وطبعا كانت هيلاري هي التي تنسق عمل هذه الوسائل الضاغطة كونها مرتبطة بمجموعة مؤسسات تابعة لها ولمكتبها تنسق بينها وبين مكاتب الضغط ..

 

ترامب لا يقدر على المناورة كثيرا فهو بين المطرقة والسندان .. فان قرر الخروج من الشرق دون تنفيذ شروط مجموعة كلينتون فانه أمام اجراءات العزل والاسقاط وربما القتل .. وان قرر البقاء في أجزاء وقواعد بحجة حماية النفط فان ذلك سيعرض جنوده القلائل لعمليات القتل وهذا سيستدعي منه ردا او ارسال مزيد من الحشود ثم مزيد من الحشود واعادة عجلة الزمن الى الوراء وابقاء الميدان الرئيسي للحرب في الشرق الاوسط .. لافي الشرق الأقصى ..

ترامب أمضى معظم فترته الرئسية من غير حروب كبرى ويكاد سجله من الضحايا يخلو الا من بعض الشهداء في ضرباته الاستعراضية في سورية .. واكتفى بمناوشات هامشية لابعاد النقيق والضغط والنقد لكونه يدرك ان الدخول الى حرب لا يمكن له ان يتنبأ بمسارها .. وهو لذلك يتعرض لعملية ابتزاز وتهديد عنيف تقوم بها المؤسسة العميقة التقليدية التي تجره من عنقه للبقاء في سورية فيما هو يحاول الخروج الى حربه

 

الاقتصادية غير التقليدية مع الصين .. وكان عرضه للإسرائيليين المرتبطين بالنخبة التقليدية العميقة صفقة مغرية وهي انه اعطاهم كل مايريدون على الورق وكل ماكانوا يحلمون به وينتظرونه من كل الرؤساء الامريكيين .. فقد اعطاهم اعترافا بالقدس عاصمة لهم وبالجولان ملكا لهم ولأبنائهم .. ثم ناولهم الملف والاوراق وعليها تواقيعه الكبيرة ..

 

لكنهم اكتشفوا انه سيعطيهم الورق ويضع قبعة الكاوبوي على رأسه ويأخذ غلة الحليب التي حلبها من السعوديين والقطريين .. وسيتركهم في الشرق من غير وجود اميريكي كان بلغ ذروته في العراق وكاد يقتحم لهم سورية وايران من أجلهم .. وهاهم يجدون ان ترامب اعطاهم اوراق ملكية للقدس والجولان ولكنه سيسحب ماهو اهم من الاوراق .. أي الجيش والوجود الامريكي الذي يثبت حركة الاقليم ويعرقل حركة سورية وايران نحو الاستقرار او حتى نحو اسرائيل .. فماذا تنفع الاوراق الموقعة والاوتوغرافات عندما تغادر الدبابات والطائرات والقواعد وتعود سورية موحدة تقود الشرق .. وهذا مايذكر الاسرائيليين بخروج الجيوش السوفيتية من أفغانستان رغم انها أعطت الرئيس كراميل كل مايريد من دعم وسلاح وبيانات تأييد .. فسيأخذ الاسرائيليون اوراق التوقيع الامريكي ولكن عليهم ان يحموا هذه الملكية بأنفسهم وبالسلاح المتفوق .. وهم يواجهون ايران وسورية وحزب الله .. ولذلك فان معسكر هيلاري كلينتون والمؤسسات التي يديرها يريد اشعال العراق ولبنان وهو غالبا من يدير هذه المظاهرات والفوضى الخلاقة – التي أتقن صناعتها وخبرها منذ نجاح الربيع العربي – ويرغم ترامب على الانتظار والتريث ريثما تنجلي مسارح الشرق الاوسط .. بل ويطرح هذا المعسكر المشؤوم هيلاري كلينتون كمرشحة محتملة لخوض انتخابات رئاسية ضد ترامب ثانية ..

 

أظن أن ترامب سيخوض أقسى معركة ابتزاز بينه وبين القوى العميقة المنافسة التي لن تتركه يمضي في اي مشروع بعيدا عن الشرق الاوسط وقد تدفع الى عزله او الى قتله .. فالخروج الامريكي من الحدود الشمالية لاسرائيل يعني في زمن الصواريخ والتفوق العسكري لمحور المقاومة في القوات البرية المدربة وذات الخبرة القتالية الهائلة يعني ان اسرائيل في خطر ماحق وحالة عدم استقرار عميقة .. وليس لترامب ان يختار بسهولة فما يحضره له المنافسون من فخاخ سيرغمه على الجلوس الى طاولة مفاوضات والاستماع الى لائحة الابتزاز والشروط قبل ان يترك لمشاريعه في الشرق الاقصى ..

ترامب سيكون نقطة فاصلة في سياسة اميريكا في العالم فاما ان تجره الدولة العميقة نحوها او ان تقتله .. واما ان يعلن عن نهاية الدولة العميقة التقليدية ويعلن انتصار قوى عميقة جديدة هي التي ستسود المشهد وتكون لها حروبها وصراعاتها الخاصة بها .. على الاقل فان الشرق قد يكون أقل أهمية لها من غيره .. وعندها ستكون الحقبة اليهودية تطوي نفسها كما طويت حقب قبلها مرت على هذا الشرق .. ولفظها هذا الشرق ..

سنمار سورية الاخباري

التصنيفات: لسان حالهم يقول