أوان تكشف الأسرار

بثت قناة «روسيا اليوم» في 11 من الشهر الجاري مقابلة مطولة مع الرئيس بشار الأسد، وقد احتوت هذي الأخيرة على الكثير مما يمكن الوقوف عنده، لكن السر الأكبر الذي كشفه الرئيس الأسد هو قوله إن ما ساهم في تأجيج الحرب على سورية هو رفض قيادة هذي الأخيرة السماح بمرور خط الغاز الذي كان من المقرر له أن يمر عبر سورية إلى تركيا وصولاً إلى أوروبا الأمر الذي كان سيشكل منافساً كبيراً للغاز الروسي الذي تعتمد عليه القارة الأوروبية بنسبة تصل إلى 70 بالمئة من احتياجاتها، لكن الصدمة تتأتى من قوله إن ذلك الخط لم يكن قطرياً كما أشيع أو جرى تداوله خلال سنوات الحرب الأولى، دون أن يعني ذلك إلغاء مشروع كهذا كان مطروحاً بالتأكيد وفي مراحل عدة، وإنما كان خطاً إيرانياً يمتد من الشرق إلى الغرب وصولاً إلى البحر المتوسط.
يصح اعتبار هذا الكشف الأخير حلولاً كانت مستعصية لمربع كلمات الحرب السورية المتقاطعة، وهو يفسر الكثير من التوترات، التي كان تفسيرها يجري عبر استخدام مبدأ الاحتمالات، والأهم هو أن أحداً لم يذهب إلى استخدام احتمال كهذا الذي كان بعيداً جداً أقله في مطارح التحليل والدراسة، ويفسر أيضاً تطورات كانت مفصلية على امتداد الحرب السورية على تنوع جبهاتها، بدءاً من التدخل الروسي في أيلول 2015 بضوء أخضر أميركي أكيد، وكلاهما، التدخل والضوء، كانا يمثلان وفق هذا السر الأخير «فيتو» مانعاً يحول بين الساحة السورية وبين تركها أمام التمدد الإيراني والتركي على حد سواء، فوصول النفط الإيراني إلى المتوسط، وكذا التمدد التركي على الحدود مع سورية، هما أمران مخلان بالتوازنات الإقليمية ومن شأنهما قلب الكثير من المعادلات مما يستولد للناجح في أي منهما فرصة بناء مراكز قوى إقليمية متعبة دولياً.
هنا، وما بعد تكشف كلمة السر الأهم، لا يجد «الوطن» السوري بدأ من وجوب وضع «LIKE» مشددة على موقع «غرف صناعة السياسة السورية» التي استطاعت الانطلاق من الأرضية صفر نحو توسعة هامش المناورة لديها في اللعب على تناقض كان شديد التعقيد في المصالح وهو متغير بدرجة تكاد تكون لحظية، فالمشهد المرتسم ما بين 2013-2016 كان يرسم ملامح حرب عالمية مصغرة تخاض بالوكالة تارة وبشكل مباشر تارة أخرى تبعاً لمسار التطورات على الأرض، والمؤكد وفق كلمة السر الأخيرة أن تلك السياسة قد أجادت في الغالب لعب الدور الكفيل بالمحافظة على الكينونة السورية على الرغم من كم الأمواج المتلاطمة الذي كان يهدد بنسف كل الشاطئ أو ردمه فوق ساكنيه.
على الرغم مما يشي به راهناً مشهد الشمال والشرق السوريين من شدة في التعقيد استولدت حالاً من الاستقطاب حادة، وهذي الأخيرة استدعت بدورها سباقاً بدا وكأن عداءيه موقنون بأنهم دخلوا خط الأمتار العشرة التي تسبق الوصول إلى خط النهاية، فإن من الممكن هنا النظر إلى أنباء الإعلان عن موافقة دمشق لإقامة قاعدة روسية في مطار القامشلي، وفق كلمة السر السابقة، على أنه لعب على التناقضات أو تجييش «كباش» يصب في النهاية في جعبة المصلحة السورية بوصفه أهون الشرور، فالموافقة تلحظ قراراً روسياً بنشر صواريخ من شأنها إبطال مفعول هجمات أميركية محتملة، وهو فعل ليس المراد منه استثماره عسكرياً بمعنى أنه ما من رهان سوري على إمكان حدوث مواجهة عسكرية ما بين واشنطن وموسكو على الأرض السورية، بل ولا مصلحة لدمشق بحصولها أصلاً، لكن التوازن على الأرض يبقى عامل ردع مهماً في إبطال المرامي والأهداف التي ذهبت إليها واشنطن مؤخراً عبر الإعلان عن إبقاء قوات لها في الشرق السوري كنوع من الحماية للنفط السوري «لمنع وقوعه بأيد غير أمينة» وفقاً لتوصيف السيدة إلهام أحمد الرئيسة المشتركة لـ«مجلس سورية الديمقراطية» قبل أيام، هذا التوازن شديد الأهمية في موازاة الجدل الدائر داخل مؤسسات البنتاغون حول قانونية قرار ترامب القاضي بحراسة حقول النفط السورية، وهو يزداد أهمية أيضاً بالتزامن مع الموقف الأوروبي، المتقدم على جدل البنتاغون، والذي وصل إلى حدود توصيف القرار الأميركي على أنه «جريمة حرب» وفق تعبير «الإندبندت» البريطانية التي غالباً ما تعبر عما يجول في ردهات «10 داوننغ ستريت»، فكيف والأمر إذا ما تم ربطه بـ«نعي» الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحلف الناتو الذي وصفه في مقابلة له نشرت في 8 من الشهر الجاري بأنه يعيش حالة «موت دماغي» وهو أمر يقرأ على أساس تباعدات كبرى ما بين عواصم القرار الأوروبية وبين واشنطن وهي لم تترك مجالاً لتقاربات بين هؤلاء كانت، ولا تزال، قائمة في ميدان الصراع الدائر في سورية وفي الشرق منها على وجه الخصوص.
في رسم معادلات أي صراع قائم أول ما يجري تحديده هو القوة الأكثر تأثيراً فيه والتي تمثل في الآن ذاته الخطر الأكبر الذي يتهدد مخرجاته التي يمكن أن يفضي إليها، وبإسقاط ذلك على الصراع الدائر في الشرق السوري فإن القوة الأميركية وأياً كان حجمها هي التي تمثل تلك القوة التي تتهدد مخرجات ذلك الصراع، وأن بقاءها سيظل يشكل تهديداً لوحدة الكيان السوري سواء بشكل مباشر عبر دعمها للأكراد الانفصاليين الذين ستظل سياساتهم تتلون تبعاً لتلونات ذلك البقاء، أم بشكل غير مباشر عبر ما يشكله هذا الأخير من ورقة ضغط على توجهات دمشق وعلى مسارات التسوية السورية برمتها، ولذا فإن تجيير واجتذاب كل القوى المناهضة لذلك البقاء، بما فيها تركيا بحسابات دقيقة، هو فعل سياسي يمتلك مشروعية راهنة على أن تكون حساباته من النوع البعيد المدى.
لا يمتلك الوجود الأميركي في سورية إمكانية الرسوخ أو ديمومة البقاء، والمؤكد أن انسحاب تلك القوات التي أعادت تموضعها من جديد في قاعدتي «الصور» ومقر اللواء 113 في ريف دير الزور الشمالي والشمالي الغربي على التوالي هو أمر حاصل عاجلاً أم آجلاً بل يبدو أن احتماله الأول هو الأرجح، أما تأكيد ذلك فهو يقوم على مجموعة من العوامل بعضها داخلية تتعلق بحسابات ترامب الانتخابية، والأخرى خارجية لكن كلاهما من النوع الضاغط، فالولايات المتحدة باتت مثقلة أو هي غير قادرة على الوجود العسكري على امتداد الرقع الساخنة التي تكاد تكون على امتداد هذا العالم، حيث الوجود هنا يمثل إثخاناً في جراح الاقتصاد المهدد أصلاً بخسارة مواقعه التي حافظ عليها على امتداد عقود ثمانية تلت الحرب العالمية الثانية في صدارة الترتيب العالمي، أما خسارة تلك الصدارة فستكون لصالح الصين، الأمر الذي سيدفع بالتأكيد نحو التركيز على الوجود الأميركي في المحيط الهادئ والشرق الأقصى لاحتواء النهوض الصيني، وفي الآن ذاته التركيز على أميركا اللاتينية كحديقة خلفيه للولايات المتحدة وفقاً لتوصيف «مبدأ مونرو» لعام 1823 الذي يبدو أنه يغوص عميقاً في عقلية الرئيس دونالد ترامب السياسية والإستراتيجية.
المراهنون اليوم على دور أميركي كما كان الأمر عليه على امتداد نصف القرن الماضي، هم من النوع المقامر، فواشنطن ماضية بوضوح نحو تخفيف الأثقال والحمولات التي تكبح من جماح اقتصادها المتعثر، وفي السياق سترمي بالكثيرين من سفينتها، وعملية الرمي هنا ستشمل من كانوا يعتبرون أنفسهم من الوزن الثقيل في حسابات هذي الأخيرة فكيف الأمر بالطارئين عليها؟ ألا تقتضي الواقعية تحسب هؤلاء الأخيرين لغياب قريب متوقع للقناع الذي اعتمروه قبل بضع سنوات؟
عادة كانت عملية كشف الأسرار، أو إذاعتها، تمثل المرحلة النهائية للأحداث الخطيرة التي كان يمكن أن يشكل كشفها والحدث لا يزال قيد التفاعل، أمراً خطيراً يمكن أن يغير من المسارات التي يمكن لهذا الأخير أن يسلكها، فهل يشكل كشف الأسرار الذي آن أوانه كما يبدو إيذاناً بطي أشرعة الأزمة السورية لمظلاتها التي طال بقاؤها معلنة عن قرب الرحيل؟

الوطن – عبد المنعم علي عيسى

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي