غطرسة الرئيس ترامب العجيبة

ترى ما الذي تعنيه غطرسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب البادية على تصرفاته المثيرة، وفي أقواله وتصريحاته الفوقية وتغريداته اليومية الهجينة؟
أغلب الظن أنه هو نفسه لا خطة لديه، ولا هدف لسياسة معينة محددة يتبناها ويعمل وفق مقتضياتها، من ثم فهو يرتجل مواقفه، حتى في أخطر القضايا الدولية، وفق الهوى ومزاج الساعة التي هو فيها، اعتماداً، فيما يبدو، على شعوره في قرارة نفسه بأن أميركا فوق سائر البشر، وبما أنه رئيس لها، وإن يكن هذا بحكم الصدفة أو التخطيط اليهودي أو.. فمعنى ذلك أنه يحكم العالم من أقصاه إلى أقصاه!
لم يدع ترامب بلداً، في أي قارة لم ينله من أذاه نصيب، حتى الدول التي تعادل أميركا، وربما تفوقها قوة وإمكانات، لم تسلم من تصرفاته وتفوهاته الاستعلائية الفوقية. والرجل تطغى عليه عقدة «الأنا» المتضخمة المستحكمة لديه، حيث يخاطب أو يغرد أو يعلن لمن يتوجه بخطابه إليه بصيغة «الأنا» وليس صيغة الـ«نحن»، وكأنه يقول: «أنا أميركا وأميركا أنا» أسوة بلويس الرابع عشر الذي كان يقول: «أنا فرنسا وفرنسا أنا» أو كأنه نابليون أو هتلر!
الأمثلة في هذا الصدد كثيرة منها قوله مثلاً ذات مرة «داعش أنا من هزمها».
يعلن قوله هذا وهو كذب صراح، على مسمع من العالم كله، الذي يعرف أنه هو الداعم الأكبر لداعش بالرجال المرتزقة والمال الذي يبتزه من عرب مغفلين أو خائفين أو متواطئين. ما من أحد سمع بأن أميركا قاتلت داعش وخسرت جندياً واحداً في حرب مزعومة معها، طائراته التي كان يرسلها لقتالهم كانت تلقي إليهم السلاح، والطعام المعلب، والذخائر والمعلومات وكافة أنواع حاجاتهم لكي يقوموا بجرائمهم المنكرة على أحسن وجه عنده!
ومن أقواله المأثورة المشفوعة بغير قليل من العجرفة والإهانة لمن توجه إليه مباشرة ومن غير قفازات:
– على جميع من أتعهد بحمايتهم أن يدفعوا لي الأموال، وهو قد توجه بهذا الخطاب الغريب ليس للعرب وحدهم في الخليج والسعودية، بل للأوروبيين أيضاً، شركائه في حلف الأطلسي!
– مخاطباً الصين: سأحاسبكم برفع الجمارك على «مستورداتي» البالغة 250 مليار دولار سنوياً، أعجبكم هذا أم كرهتموه، سيان عندي!
– مخاطباً إيران: «سأزيد العقوبات عليكم حتى تتوقفوا عن ممارساتكم الإرهابية، ما لم تتوقفوا عن تخصيب اليورانيوم»، وهو الذي انسحب من الاتفاقية الموقعة مع سلفه الرئيس باراك أوباما ومجموعة الـ5 + 1، كما أن عليكم التوقف عن بيع نفطكم إلى أي دولة في العالم، وسأعاقب الدول التي تخرج على أمري هذا!
– عن كوريا الديمقراطية، فهو يشيد برئيسها اليوم لكي يهاجمه غداً، مهدداً بإبقاء العقوبات المفروضة عليها ما لم تتوقف عن صنع الصواريخ البالستية!
هكذا فإن الرجل لا يتورع، ولا يتردد عن توجيه إهاناته وعقوباته وتهديداته إلى أي دولة في العالم، ودونما حرج ولا خجل، معطياً نفسه حق الوصاية العالمية على سائر دوله. ولا يفوتنا هنا ذكر مواقفه العنصرية حيال فنزويلا وبوليفيا والمكسيك والبرازيل، بل وصفه لها ولشعوبها بالقاذورات والحيوانات، وإلى ما هنالك مما يحفل به قاموسه من بذاءات منتقاة.
الجهة الوحيدة الناجية من بذاءات السيد ترامب هي إسرائيل بطبيعة الحال، وقد أبدى الرجل أنه صهيوني أكثر من بيريز وشارون ونتنياهو مجتمعين!
على أي حال وأياً كان الأمر فإن للسيد ترامب أهدافاً ثلاثة، لا يملك قدرة الخروج عليها، تلبية لتعليمات اللوبي الصهيوني «أيباك» وإسرائيل، ضماناً لرضاهم عنه ومن ثم تحقيق مصالحه الخاصة وهي:
1- الرضوخ لمطالب إسرائيل، واللوبي إياه ورشوتهم بما لا يملك، فهو يمنحهم القدس «عاصمة أبدية»، إضافة إلى إقراره لنتنياهو بضم الجزء المحتل من أرض الجولان بسورية.. الأمر الذي ترفضه سورية بطبيعة الحال، وسوف تعيد جولانها إليها في وقت قريب برغم أنف ترامب ونتنياهو معاً، إضافة إلى هذا فهو يسمح لنتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية، بما في ذلك أراضي الغور المتاخمة للأردن.. وأما المستوطنات فليضع بها نتنياهو ما يشاء، من توسع، وإنشاء الجديد منها على حساب سرقة أراضي الفلسطينيين هكذا افتناناً وعدواناً.
2- الحصول على الثروة المالية والنفطية وغيرها من الدول العربية، لقاء ما يزعم بأنه «حاميها» بالكلام وحده، فهو قد واجههم بالحقيقة جهاراً نهاراً بأنه ليس على استعداد للقتال من أجلهم ولن يضحي بجندي أميركي واحد في سبيلهم. وقد صادقوا على قوله ولم يخالفوه أو يعترضوا عليه بدفعهم مليارات كثيرة، أكبرها وأهمها أربعمائة وستون ملياراً من الدولارات، فضلاً عن صفقات أسلحة، منها ما هو خردة لا يصلح للاستعمال، ومنها ما هو مضاعف الثمن عشرات المرات، أي سرقة مكشوفة.
3- البقاء في البيت الأبيض لدورة ثانية قد تجيء بها الانتخابات المزورة والرشاوى وما إلى ذلك من أمور يتقنها تاجر العقارات سابقاً، ومن حوله من حاشية يهود الأيباك، ومن جمهوريي الكونجرس ولا ننسى دور صهره السيد كوشنر الطامح في الوصول إلى البيت الأبيض في قادم الأيام.
شخصية دونالد ترامب هذه في أقواله الصادرة عنه وتصرفاته وحركاته الجسدية الغريبة هي سوقية متدنية إلى حد يثير الشفقة أحياناً، تكفي الإشارة إلى أسلوبه الغريب في عرضه لتوقيعه على الملأ بإعجاب مثير كلما أصدر أمراً، أياً كان مقداره من الأهمية أو من التفاهة! ناهيك عن حركات وجهه ويديه البهلوانية.
لعل هذه الصفات مجتمعة في شخصه وفي سلوكه هي نقاط الضعف التي يدخل المحيطون به من خلالها للتأثير فيه وعليه، وهي صفات ما من أحد حاول أن يلفت نظره إلى ما تنطوي عليه من إساءة لشخصه أولاً، ولأميركا ثانياً. بل هم سعداء بهذه الصورة الكاريكاتورية لرئيس أميركا هذا غير المسبوق في تاريخها كله، فهذا ما يمكنهم من الحصول على ما يبتغون من نفوذ أو مال أو أهداف سياسية تخدم مصالحهم.
هناك الكثير الكثير مما يمكن إضافته في هذا المضمار، غير أنني لا أرى الرجل جديراً بالخوض في سيرته، غير الحميدة، بأكثر مما ورد، لاسيما وأن أيامه، أغلب الظن، أمست محدودة في موقعه، بعد أن تحقق للصهاينة على يديه أكثر مما كان مطلوباً منه، ولم يبق لديه جديد، بمعنى فقدانه لمدة صلاحية استخدامه، فضلاً عما سببه حتى الآن من نفور واشمئزاز، سواء لشخصه أو لسياساته المتخبطة وتصرفاته المستهجنة على المستوى العالمي.

الوطن – يوسف جاد الحق

 

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي