الطب البديل.. عن بائعي الهواء في قوارير

ربما لم يحقق أي علم معجزات وطفرات في حياة البشر مثلما فعل الطب. فبدراسة الإنسان للعالم من حوله وتأثير مكونات هذا العالم على جسده، تمكن من القضاء على أمراض كانت تفتك بملايين من البشر كالطاعون والإنفلونزا الإسبانية وغيرهما، وهو ما مكن الإنسان من أن يصل متوسط عمره إلى السبعين والثمانين في بعض الدول، بعد أن كان يتراوح عند الثلاثين في أفضل الأحوال، وبعد أن كان يموت الملوك والأباطرة في الثلاثينات لا حيلة لهم، صار الإنسان العادي الآن يصل إلى السبعين من عمره دون عناء كبير. يُعرّف الطب على أنه العلم المعنيّ ­بتشخيص الأمراض وعلاجها والوقاية منها. ولمّا كان الطب علمًا، كان عليه الالتزام بأسس البحث العلمي دون اعتبار لرأي أو خاطرة لا دليل عليها

 

إلا أن الطب لم يحلّ كل الألغاز بعد؛ فكثير من الأمراض لم يتم علاجها أو يصاحب علاجها الكثير من المعاناة. لذا وفي غياب المعرفة، يلجأ الناس كثيرًا إلى دجالين يعطونهم أملًا زائفًا باسم العلم، فقدموا الطب البديل ليكون بديلًا عن الطب الحديث فقط دون أن يكون هناك هندسة بديلة أو فيزياء بديلة. والحقيقة أن الطب البديل مصطلح واسع يضم الكثير من الممارسات إلا أنها جميعًا تتشارك في تعريف واحد. فالطب البديل هو الممارسات التي تهدف إلى تحقيق التأثيرات العلاجية للطب دون المعقولية الحيوية أو عدم الاختبار أو عدم القابلية للاختبار أصلًا. ولنقف مع التعريف قليلًا.

الطب البديل

يخبرنا التعريف أن الطب البديل يفتقر إلى المعقولية الحيوية. والمعقولية الحيوية هي تحقيق الارتباط السببي بين السبب المفترض والنتائج، وتوافق ذلك مع المعرفة الطبية. وهي نقطة بالغة الأهمية. فعندما نسمع ادعاءً بأن الحجامة على سبيل المثال تساهم في علاج العديد من الأمراض ونسأل عن الآلية تكون الإجابة بتخليص الجسم من الدم الفاسد. هذا بالتأكيد لا يتوافق مع بدائيات المعرفة الطبية التي تخبرنا أن الدم لا يفسد في الجسد وإنما يدخل في دورة حياة يتكسر إلى مكوناته الأولية ليساهم في تكوين خلايا جديدة ودواليك. إذًا العلاج المفترض لا يحقق المعقولية الحيوية بالتالي تُصنف الحجامة كعلم زائف (أو طب بديل) وليس كطب.

الطب البديل

يخبرنا التعريف أيضًا بأن الطب البديل هو ما لم يُختبر. فالقول بأن الافتراض صحيح (بأن هذه الممارسة تساهم في العلاج) لأنه لم يثبت خطؤه هي مغالطة منطقية بالاحتكام إلى الجهل، ولو لم تكن مغالطة لكان كل ادعاء في الكون صحيحًا لأنه لم يثبت خطؤه وستثبت صحته لاحقًا.

يخبرنا التعريف أخيرًا بأن الطب البديل هو ما لا يمكن اختباره أصلًا. كالقول بأن الجسد يطلق طاقة سلبية أو طاقة إيجابية وأن لذلك دورًا في علاج الأمراض أو التسبب بها. ببساطة هي ادعاءات عن أشياء لا يمكن رؤيتها أو اختبار صحتها بأي طريقة كطريقة لمراوغة الأسلوب العلمي. فمن أهم سمات الطب (ككل العلوم)، القابلية لدحض الادعاءات عن طريق الملاحظة (كما حدد كارل بوبر). فعلى سبيل المثال، يمكن دحض ادعاء أن كل البجع أبيض إذا لاحظنا وجود أي بجعة سوداء. على عكس ادعاءات الما-ورائيات.

ولكنه يعمل!

صورة توضح تأثير بلاسيبو

إلا أنه قد يدعي البعض أنه قد جرب أحد ممارسات الطب البديل وتحسن كثيرًا أو شُفي من مرضه. والحقيقة أن سبب نتائج الطب البديل على الرغم من زيفه هو أمر من أمرين. الأول هو تأثير بلاسيبو أو العلاج بالإيحاء وهو أمر شهير بالطب يعتمد على إعطاء المريض دواءً لا تأثير له على المرض، ولكن مع إيهام المريض بعكس ذلك ما يحسن حالة المريض المزاجية ولكنه لا يعالج المرض فعلًا. فيقسم لك المريض أن مفاصله تحسنت كثيرًا بعد الوخز بالإبر الصينية لأنه هيأ نفسه باقتناع كامل أن لها تأثيرًا شافيًا بينما هي في الواقع لا تفعل شيئًا. الأمر الثاني هو المسار الطبيعي للمرض. إذ عادة ما يلجأ المرضى للطب البديل بعد أن تسوء حالتهم كثيرًا مع مرض ما والذي كان في مراحله الأخيرة. فيستخدم المريض الطب البديل ليجد نفسه قد تحسن فعلًا. والحقيقة أنه تحسن لأن مسار المرض الطبيعي من بدايةٍ لذروةٍ لنهايةٍ، وقد وصل المرض في مساره إلى نهايته ولا دخل للطب البديل في ذلك من قريب أو بعيد.

تسويق الدجل

إلا أن الطب البديل تجارة رابحة تحقق ثروات لآلاف الدجالين سنويًا. وقد برع هؤلاء الدجالون في مجتمعاتنا في تسويق الطب البديل كأفضل ما يكون. فأول حيلة لجؤوا إليها هي ربطه بالدين. فلا يقولون عن هذه الممارسات أنها كانت “الطب الشائع في عهد النبي” بل يقولون “الطب النبوي” فينسبون ممارسات الناس في عهد النبي إلى النبي نفسه لكي يقطعوا عليك طريق انتقاد دجلهم ويعتبروا أن انتقادك لممارساتهم هي انتقاد للنبي نفسه، فيحظوا بدفاع الناس عنهم لظنهم أنهم يدافعون عن نبيهم وإنما هم يدافعون عن أفاقين. أما ثاني حيلة فهي القول بأن الطب البديل كله مواد طبيعية. والحقيقة أنها حجة تنطلي على الكثيرين، وكأنهم لا يعرفون أن السموم مواد طبيعية وأن الأدوية الطبية هي مواد كيميائية طبيعية. أن تكون المادة كما كانت في الطبيعة لا يعني فائدتها بل على العكس، لا بد من تنقية النباتات والأعشاب من مكوناتها واستخلاص مكون واحد هو ما نستخدمه في العلاج. الخرافة التي نُشرت هي أن المواد الطبيعية جيدة والمواد الكيميائية شريرة وهي بالطبع خرافة تسويقية.

العلاج بالكايروبراكتيك
العلاج بالكايروبراكتيك

فمن الوخز بالإبر الصينية الذي يدعي العلاج بالطاقة الحيوية، إلى الأيورفيدا الهندية التي تدعي العلاج بتنظيم سوائل الجسم، إلى الطب الروحاني الذي يدعي العلاج بالطاقة الحيوية والأرواح، إلى المعالجة اليدوية (كايروبراكتيك) التي تدعي العلاج بتحريك العمود الفقري لتنظيم سوائل الجسد، إلى الحجامة التي تدعي تخليص الجسم من الدم الفاسد. كل هذه الممارسات تتشارك في كونها لا تتوافق مع بديهيات المعرفة الطبية (لا يوجد سوائل تضطرب في الجسم وتسبب الأمراض، ولا يوجد شيء اسمه دم فاسد!) أو أنها ادعاءات دون دليل لأشياء لا يمكن اختبارها (كالطاقة الحيوية والأرواح الصينية).

للأمر جانب أخلاقي أيضًا. فلا شيء أسوأ من أن تقدم أملًا زائفًا لإنسان يتألم من المرض أو يرى أحباءه يعانون. ولكن الشيء الأسوأ على الإطلاق، أن تستخدم هذا الأمل الزائف كأداة للتكسب وكتجارة بآلام الناس.

شارك الموضوع:

التصنيفات: اخترنا لكم