دور المفاهيم الدبلوماسية في عملية التفاوض الدولي وفق القانون الدولي    

 

المستشار الدكتور المحامي  بشير حسن بدور

مستشار دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية

عضو مجلس إدارة مركز العدل والاحسان الدولي

 

 

  • التفاوض الدبلوماسي

التفاوض الدبلوماسي (Diplomatic negotiation) وسيلة هامة تستخدمها الدول لتطبيع  الظروف التي تضمن استمرار العلاقات بينها وبين الدول الأخرى ومواجهة أي مصاعب  تحول دون هذه الاستمرارية، ويعتبر أداة  تواصل رسمية سياسية بين الدول فهو يتيح الاتصال المباشر بين ممثلي الدولة وكبار المسؤولين ممن يتمتعون بقدر عالي من الثقة و الكفاءة لتحقيق الأهداف المطلوبة، من خلال التفاوض الدبلوماسي يتم صنع أهم القرارات الوطنية لأي دولة كانت و تصبح الحاجة ملحة إليه عند وجود ظروف او متغيرات من شأنها أن تؤثر على طبيعة العلاقة بين البلدين ومس المصالح المشتركة بينهما وعندما ينجح هذا النوع من التفاوض يتم تسجيل ما تم التوصل إليه في شكل وثائق دولية من أهمها المعاهدات والبرتوكولات والمواثيق المتبادلة.

  • الدبلوماسية

كثيرا ما تستخدم هذه الكلمة كخط مرادف للسياسة الخارجية للدولة في حين يمكن وصف السياسة بأنها علاقة الدولة مع الآخرين من أهداف ومواقف ، وبذلك فإن الدبلوماسية هي تلك الأدوات التي تستخدم تعاطي مع تلك الأمور فهي معنية بالحوار والمفاوضات وبذلك تخرج من مجرد أداة للدولة بل يمكن القول هي أيضا مؤسسة من مؤسسات نظام الدولة .

ـ يعرفها مارتن غريفيش وتيري أوكالاهان : ” هي العملية الكاملة التي تقيم عبرها الدول علاقاتها الخارجية ، إنها وسيلة الحلفاء للتعاون ، ووسيلة الخصوم لحل النزاعات دون اللجوء إلى القوة ، فالدول تتواصل وتساوم وتؤثر إحداها في الأخرى وتحل خلافاتها بواسطة الدبلوماسية ”

ـ عرفها الأستاذ الفرنسي “ريفييه” بأنها : ” علم و فن تمثيل الدول والمفاوضة ”

وعليه “الدبلوماسية هي مجمل القواعد والوسائل السلمية التي يعتمدها السفراء والدبلوماسيون وأشخاص القانون الدولي في إدارة العلاقات بين مختلف فواعل النظام الدولي ” .

  • تعريف الدبلوماسية المتعددة المسارات

الدبلوماسية متعددة المسارات هو مفهوم متطور وضعه موضع التطبيق العالم لويس دايموند وجون ماكدونالد وهو توسيع للمفهوم الأصلي الذي قدم من قبل جوزيف مونتفيل في عام 1982 حيث بين مسارين من الدبلوماسية الأول رسمي متعلق بالعمل الحكومي والثاني غير رسمي متعلق بالجهات الغير الرسمية وذلك كآلية لبناء السلام .

توسعيات جون ماكدونالد عام 1989 شملت المسارات الحكومة والمهنية و الأعمال التجارية والمواطنين العاديين والبحوث للتدريب والتعليم . وفي 1991 وسع لويس دايموند المفهوم من خمسة مسارات إلى تسعة مسارات مضيفا النشاط الدولي أو نشاط الدعاوي والدبلوماسية الدينية ودبلوماسية التمويل و دبلوماسية الرأي العام و الاتصالات أو دبلوماسية المعلومة.

فالدبلوماسية متعددة المسارات عموما هي مناهج جديدة للتعامل الدبلوماسي مع النزاعات تجمع جميعا تحت اسم الدبلوماسية متعددة المسارات وكل مسار من هذه المسارات مرتبط على حدى بثلاثية : الفواعل ، القضايا و المجالات ، الجماعات المستهدفة

وعُرفت على أنها المفهوم الذي يهتم بعملية بناء السلام الدولي و نظام المعيشة ، حيث تبدو الدبلوماسية متعددة المسارات شبكة من الأنشطة المترابطة ( الأفراد / المؤسسات /المجتمعات ) والتي تعمل مجتمعة أو معا من أجل هدف مشترك وهو عالم يسوده السلام . ويركز هذا المفهوم على أن الدبلوماسية نظام متشابك من النشاطات المتعلقة بالاقتصاد والاجتماع والسياسة وتقوم به مجموعة من الفواعل (أفراد – مؤسسات – شركات – مجتمع مدني محلي و عالمي) والجميع يتفاعل بهدف مشترك وهو فض النزاعات بمختلف أشكالها .

ـ يعرفها جوزيف مونتفيل سنة 1982: بأنها تلك الوسائل الدبلوماسية التي تحصل خارج الحكومة الرسمية. وهنا يركز مونتفيل على الطابع غير الرسمي للدبلوماسية متعددة المسارات بحيث أنه نشاط لا تقوم به الجهات الرسمية مثل الدول بل هو يتعداها إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني سواء المحلي أو العالمي وصولا إلى الأفراد و الرأي العام .

يوضح هذا التعريف أهم نشاطات الدبلوماسية متعددة المسارات وهي استراتيجيات التأثير على الرأي العام و تنظيم الموارد البشرية و المادية و تصحيح بعض السياسات العامة واحداث التوافق بين فئات المجتمع بهدف حل المشاكل.

معهد الدبلوماسية في الولايات المتحدة الأمريكية يعرفها :بأنها الأساس في العلاقات الغير رسمية والميل إلى حل النزاعات وتبادل الخبرات والتعاون بين الشعوب والتركيز على قضايا التنمية وتعبئة الرأي العام وتطوير وسائل الإعلام والاتصال .

حيث يضبطها المعهد في عمليات التواصل وتبادل الخبرات بين الشعوب والتركيز على قضايا العميقة في النزاعات مثل التنمية والتمثيل السياسي المتكافئ و الحريات المختلفة مثل الديانة والتعبير بتكريس وسائل الإعلام الحرة و النزيهة من أجل حل النزاعات .

اذا الدبلوماسية المتعددة المسارات هي:

منظور شامل ومتشابك لحل النزاعات بفواعل غير رسمية يعكس التفاعلات والاتصالات التي تحدث بين المواطنين العاديين أو بين مجموعة من الأفراد أو بين تلك الجماعات الفاعلة من غير الدول (مجتمع مدني /قطاع خاص / أفراد –على المستوى المحلي أو العالمي – المجتمع الديني…)تبدو في شبكة مترابطة من الأنشطة مثل التنمية و تبادل الخبرات و الدفاع على الحقوق و تنظيم الموارد البشرية و المادية و تصحيح بعض السياسات و تعبئة الرأي العام تهدف مجتمعة إلى عالم يسوده السلام .

التطور التاريخي من الدبلوماسية التقليدية إلى المتعددة المسارات :

نشأت الدبلوماسية بنشأة المجتمع وتطوره إذ شهدت شعوب العالم علاقات دبلوماسية عبر التاريخ الإنساني وإن كانت بارزة أكثر في الحضارات الكبرى ابتداء بالحضارة الإغريقية والرومانية وصولا الى الحضارات الشرقية على غرار الحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية وسنركز على ثلاثة محطات هي الدبلوماسية التقليدية و الحديثة و ثم المعاصرة .

  • الدبلوماسية التقليدية

أن الدبلوماسية كممارسة ونظرية عرفت تطورا لا باس به واكب تطور الحضارات المختلفة في العصور القديمة، كحضارات الفراعنة والسومريين والأكاديين والأشوريين والحثيين والفينيقيين والآراميين والكنعانيين ، وبدرجة أقل الهنود والصينيين نظرا لبعدهم عن البحر المتوسط بالإضافة لمجموعة كبيرة من القبائل المختلفة شكلت مدنا – دولا – وبطبيعة الحال عرفت هذه الشعوب اتصالات فيما بينها ، و التي كانت تتم عبر مبعوثين خاصين يقومون بمهمة الاتصال والتمثيل والتفاوض ويتوصلون لعقد الاتفاقيات والتحالفات وهو ما يعرف بيومنا الحالي ” بالدبلوماسية الخاصة ” أو ما نسميه ” دبلوماسية المناسبة “.

ـ أما الإغريق فقد طوروا نظاماً دقيقاً للاتصال الدبلوماسي، فعرفوا مبدأ التسوية بالتراضي أو المصالحة التي تشير إلى وقف الأعمال العدوانية. كما عرفوا الاتفاق أي الهدنة المحلية المؤقتة. وتبنوا نظام الاتفاقات العلنية وحتى المعاهدات إلى جانب التحالفات والهدنة المقدسة التي تعقد في فترة الألعاب الاولمبية .

ـ و في عهد الحضارة الرومانية كان السفراء عندما يعودون يقدمون تقريرا مفصلا لمجلس الشيوخ كما منح المبعوثون الدبلوماسيون الأجانب حصانات شخصية حتى في وقت الحروب وأنشأ الرومان ديوانا خاصا بالشؤون الخارجية وكانت تسند إليه مهمة رعاية العلاقات القانونية التي تكون مع الدول الأجنبية .

ـ و تميزت البعثات الدبلوماسية في الحضارة العربية الإسلامية بالخصائص التالية :

ـ أن البعثة الدبلوماسية كانت تتألف من تتألف من السفير وحاشيته وهذا الأخير يمثل رئيس الدولة و يتحدث باسمه كما يفوض ويعقد المفاوضات نيابة عنه .

ـ كان الرسل والسفراء الذين ينتمون إلى فئة عمال الدولة يتقاضون الرواتب ويأخذون النفقات من الدولة ويلبسون ملابس خاصة .

ـ ترسخت أعراف وتقاليد عند استقبال السفراء واستضافتهم وتوديعهم وتمتعهم بالحصانات والامتيازات الدبلوماسية .

  • الدبلوماسية الحديثة

يعد عصر النهضة بداية لانتقال وتطور في الدبلوماسية التقليدية التي كانت غير دائمة إلى دبلوماسية مستقرة ودائمة حيث بادرت الدول الأوروبية إلى إقامة السفارات واعتماد البعثات الدبلوماسية الدائمة خاصة بعد معاهدة ويستفاليا حيث كان لزاما على الدول التي كانت تتنافس مع بعضها البعض بإنشاء البعثات الدبلوماسية الدائمة من أجل مراقبة بعضها البعض .

ـ و بدأت محاولات تقنين قواعد الدبلوماسية مع مؤتمر فيينا 1815 حيث أقر هذا المؤتمر قواعد دولية ثابتة ومهمة تعد حجر الأساس في بناء الدبلوماسية الحديثة وبدأت الدبلوماسية تأخذ طابع المهنة و الاحتراف وأصبح المبعوث الدبلوماسي يمثل دولته وليس شخص الحاكم وأخذ أعضاء البعثة يتمتعون بنوع من الاستقلالية وبعض الحصانات والامتيازات باعتبارهم جزءا من موظفي الدولة ويقومون بتمثيلها .

ـ ابتداء من الثورة الفرنسية، فان العلاقات الدولية اتسعت بشكل كبير إذ أن وصولها إلى مؤتمر فينا 1815-1814 حيث التسوية أدت إلى البت في مسالة التصنيف وترتيب المعتمدين الدبلوماسيين وخلال هذه القرون الثلاثة فان الدبلوماسية في أوروبا أخذت شكلها الكلاسيكي وتدريجيا فان قواعد القانون الدولي قد تم تحديدها وتوطيدها سواء فيما يتعلق بالامتيازات أو الحصانات. فالمعتمد الدبلوماسي تخلى عن صفة تمثيلة لشخص ملكه وأصبح يمثل الدولة نفسها وبعلمها. وبشكل مترابط فان الدبلوماسية أصبحت مهنة حقيقية للدبلوماسيين، بينما في القرن السابع عشر والثامن عشر فان اختيار الدبلوماسيين كان يتم من قبل رئيس الدولة من بين المقربين لديه سواء كانوا نبلاء أو قضاة أو تجار.

ـ وعلى الرغم من جميع هذه التطورات التي شهدتها الدبلوماسية إلا أن الطابع السري بقي مسيطرا بسبب التنافس الاستعماري بين الدول في تلك الفترة ولم تكن نتيجة لذلك. أي تأثير للرأي العام في العملية الدبلوماسية برمتها .

  • الدبلوماسية المعاصرة

كانت الدبلوماسية التقليدية أو الدبلوماسية القديمة محدودة النطاق كما كانت إدارتها في التأثير محدودة وغالباً ما كانت القوة العسكرية أو أساليب التأثير هي الوسائل الرئيسية المستخدمة في الدفاع عن المصالح القومية للدول في مواجهة بعضها. وكانت الدبلوماسية التقليدية سرية في معظم جوانبها كما اعتمدت إلى حد كبير على العوامل الشخصية، أو بعبارة أخرى فقد كانت دبلوماسية مغلقة.

وحتى الحرب العالمية الأولى فان الملامح الكبرى للدبلوماسية الكلاسيكية تحتفظ باستقرار كامل، في إطار العلاقات الدولية والرؤية الأوروبية وبالتلازم مع الدبلوماسية الثنائية، يمكن ذكر العديد من المؤتمرات الأوروبية: باريس1856، برلين 1878، وبرلين 1885 …الخ وابتداء من الحرب العالمية الأولى، فان عناصر جديدة ظهرت بشكل تدريجي قللت من استقلالية الدبلوماسيين. إذ أن فيليب كاييه قد سلط الضوء على هذه العناصر المختلفة:

أ‌ ـ من السرية، فان الدبلوماسية أضحت دبلوماسية علنية، وهذه كانت احد النقاط الأربعة عشر للرئيس الأمريكي ديلسن.

ب‌ ـ فان صعود وتنامي دور البرلمان في الحياة السياسية للدولة جعل من السياسة الخارجية التي كانت من اجل اختصاص حكومة رئيس الدولة إلى اللجان المختصة في البرلمان أولاً، ومن خلال تأثير ديمقراطية الحياة السياسية واستخدام الرأي العام من العوامل المهمة التي يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار في صياغة وإقرار السياسة الخارجية.

ج ‌ـ إن تنامي دور الدولة، سواء كانت ليبرالية أو تدخليه، وتخطيطيه، له نتائجه الدولية التي غيرت بشكل جوهري حقل عمل الدبلوماسية التقليدية، إذ أن هذه الأخيرة لم تتضمن فقط السياسة والعسكرية، وإنما تشمل الاقتصاد والثقافة والقضايا الفنية، وان البعثات الدبلوماسية إذا أرادت أن تكون أكثر فعالية فيجب أن يرافقها عدد كبير من الفنيين. وبشكل متواز، فان الدبلوماسية الثنائية التقليدية فقدت احتكارها لصالح الأجهزة الأخرى الداخلية، إلى الدبلوماسية المتعددة الأطراف والى الدبلوماسية الإقليمية. وعلى رأس مرتبة أجهزة الدولة التي تحتل مكاناً مهماً في ممارسة الدبلوماسية، فانه يجب الإشارة إلى الدور الذي يلعبه رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية. وقد بدأت هذه الظاهرة تأخذ مجالها في بداية القرن الماضي. الأمر الذي أدى إلى تقليص الدور الذي يحتفظ به السفراء والدبلوماسيين المحترفون، وبمرور الوقت فقد تسارعت هذه الظاهرة، إذ أن رؤساء الدولة والحكومة، ووزير الخارجية اشتركوا بشكل أكثر شخصي في ممارسة الدبلوماسية خلال اللقاءات والقرارات والزيارات الرسمية، حيث التواتر اخذ يتسع، حيث اجتماعات رؤساء الدول في الاتجاهات المختلفة، واللقاءات الثنائية وأحيانا الدورية ما بين رؤساء الدول والمؤتمرات على مستوى القمة واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية.

وفي عالم اليوم فان مجال كبير من السياسة الدولية والإقليمية يجري تسويته في الإطار المتعدد الأطراف حيث أن عدد كبير من القرارات، إدارية، لوائح، توصيات أو اتفاقات قد تم التحضير لها وإعدادها في داخل المنظمات الدولية وتتطلب انتباه خاص.

وظهرت الدبلوماسية الإقليمية والقطاعية وأصبح لبعض المنظمات الدولية تأثير على السياسة الدولة لأعضائها مثلما يمكن القول بأنه في مجالات هذه المنظمات فالقرار يأخذ ليس فقط في وزارة الخارجية لكل دولة عضو ولكن في أجهزة القرار لهذه المنظمات.

 

  • دور الدبلوماسية المتعددة المسارات في حل النزاعات الدولية

و تكمن الفائدة من وراء دراسة الدبلوماسية المتعددة المسارات و محاولة فهمها في :

أولا : الحاجة للحصول على صورة أكثر شمولية للنزاعات .

في المقام الأول ، وهو ما نعني به تحديد النزاعات ليس فقط عندما تصبح مرئية من خلال العنف الجسدي بين جماعات من الخصوم، و من المثير للاهتمام أنه حتى الأدبيات الحديثة في دراسة النزاع و السلام تتبع نفس المسار في التحديد و التعامل مع المراحل المختلفة للنزاعات .

حل النزاعات – إدارة النزاعات  – منع النزاعات

بناء السلام –  صنع السلام –  حفظ السلام

مسؤولية إعادة البناء – مسؤولية الحماية – مسؤولية المنع

لكن المنظور في حل النزاعات قد وسع من الدبلوماسية التقليدية وإدارة النزاعات و التي غالبا ما تكون مرتبطة أساسا بإنهاء العنف القائم أو وضع اتفاقيات لتجنب العودة للعنف ، اما المستوى الثاني من الدبلوماسية متعددة المسارات فهي تحاول الوقاية من النزاعات وتجنبها وتركز على مواضيع جديدة مثل (قضايا حقوق الإنسان و التنمية وتنظيم الموارد البشرية و المادية وتجنب التطرف والعنف الديني و ضمان الحريات ) و تهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الأطراف المتنازعة لإعادة بناء الثقة وبالتالي منع المزيد من النزاعات واحداث تغيرات أكثر استدامة.

فالدبلوماسية متعددة المسارات هي نهج جديد وإضافة حاسمة ومكملة لمزيج من وجهات النظر والنهج القائم من منظورات ومقاربات جديدة تعمل جنبا إلى جنب مع الدبلوماسية التقليدية الدولة (المسار الأول) والتي تثير حقوق الإنسان والعدالة التحويلية ، فضلا عن إعادة بناء وترميم العلاقات وعالم الحياة المشتركة بين الأفراد والمجتمعات كما أن إعادة بناء العلاقات لا يكون فقط من خلال التعامل مع القضايا المطروحة و إعاقة قيام النزاعات وإنما إعادة بناء العلاقات من أجل تقليل احتمالات الصراعات في المستقبل حيث تقتضي هذه العمليات فتح الباب الحوار واسعا أمام (بين المسؤولين الرسميين و غير الرسميين ) .

ثانيا : فواعل وأهداف جديدة : إلى جانب منظور شمولي للنزاعات ، فالأهمية الثانية تكمن في الاستفادة والتعرف على لاعبين جدد في النزاعات وهذا يتماشى مع نهجها الأكثر شمولية في فهم النزاع وأسبابه كان هذا وصف من قبل آن ماري سلوتر في كتابها لنظام عالمي جديد حيث تقول :  لم تعد تتركز السلطة السياسية في يد الحكومة الوطنية فقط بل هي مشتركة عبر مستويات عديدة و مع شركاء جدد من خلال هذا “لقد أصبح النظام برمته فيما يتعلق بصنع القرارات الدولية والدبلوماسية أكثر تعقيدا وتنوعا. فكثافة الترابط العالمي والشبكات المعقدة من العلاقات بين المجتمعات والدول ، والمؤسسات الدولية ، والمنظمات غير الحكومية والشركات المتعددة الجنسيات التي تشكل النظام العالمي. ”

فإدارة النزاعات المختلفة لم يعد من الممكن معالجتها من منظور مركزية الدولة ، ولكن تحتاج إلى تضمين اللاعبين العالميين والإقليميين في العملية .

ثالثا : استراتيجيات التواصل : ومما يعزز صورة شاملة للصراعات وإدراج جهات فاعلة جديدة ومزيد من وجهات نظرهم من خلال استراتيجيات الربط الشبكي والتنسيق أو كما يصفه مانويل كاستلز ذلك ” عالمنا ، حياتنا ، يجري تشكيلها من طرف الاتجاهات المتضاربة للعولمة والهوية ، وثورة التكنولوجيا والمعلومات ، وإعادة هيكلة الرأسمالية ، والذي نجم عنها شكل جديد من المجتمع ، مجتمع الشبكات ” حيث آثار العديد من التغييرات في أنماط التنشئة الاجتماعية والاتصالات في بيئات النزاع على وجه الخصوص ، والتغيرات في توزيع السلطة ، قد خلقت الشبكات الاجتماعية والاتصالات فرص وضرورات جديدة لإدارة الصراع بنجاح .

من خلال الأشكال مختلفة (المسارات) للدبلوماسية غير الحكومية والاستفادة بشكل أفضل من ذلك. يشير شيريل براون إلى أن “المرافق للنشر المتسارع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات على مستوى العالم ، انتشار مواز للممارسة الدبلوماسية بين الجهات الفاعلة غير الحكومية  .

رابعا : الحل على المدى البعيد مقابل المساومة على المدى القريب : يجب الإشارة إلى أن الدبلوماسية والمفاوضات في إدارة الصراعات التقليدية لا توفر حل النزاعات أو لتحويلها لكن هدفها ببساطة تأجيل المشكلة دون التوصل إلى الفهم الحقيقي ، والدبلوماسية التقليدية تنطلق من المصلحة الذاتية لأطراف النزاع و المتمثلة في قادة أطراف النزاع دون الرجوع إلى القاعدة الشعبية و بالتالي يقدم نموذجا غير فعال للتغيير لأنه لا يجلب حلولا حقيقية لهذه العملية بل إنه ببساطة يسعى إلى ابرام اتفاق قصير المدى قائم على المساومة بين القادة السياسيين.

أما الدبلوماسية متعددة المسارات فمهمتها بناء علاقة مستدامة على المدى الطويل قائمة التعامل مع الصورة الشاملة للنزاعات بإيجاد سبل للتعامل مع القضايا في النزاع ومع إعادة تعريف العلاقة ببناء الثقة والصداقة و بالتالي الحل الذي يتعامل مع الجذور علاوة على ذلك ، حل النزاعات هو عملية صعبة جدا وهذا يحتاج الى وقت طويل والدبلوماسية متعددة المسارات و استراتيجياتها تحتاج إلى فتره ممتدة وبخاصة في الوقت و ذلك نظرا لطبيعة النزاعات الحديثة و تعدد أسبابها .

  • الأهمية من دراسة الدبلوماسية المتعددة المسارات

دور الدبلوماسية المتعددة المسارات في حل النزاعات الدولية

دور المسار الرسمي ( المسار الأول)

الدبلوماسية الرسمية هي نظام دائم من التواصل الرسمي بين الدول، ومن ذلك تبادل السفراء وبقاء السفارات في العواصم الأجنبية وإرسال الرسائل بواسطة مبعوثين مؤهلين رسمياً والمشاركة في المؤتمرات والمفاوضات المباشرة الأخرى .

ـ يمثل المسار الأول الدبلوماسية الرسمية التي تمارس عادة من قبل الأشخاص الرسميين الذين يملكون مناصب قيادية رسمية على غرار الملوك ورؤساء الدول والحكومات عبر بعثاتهم الدبلوماسية أو مبعوثيهم الشخصيين أو مندوبيهم الدائمين وموفديهم الرسميين وفي هذا السياق يشير جيمس هيفر إلى دبلوماسية المسار الأول بأنها دبلوماسية الياقات البيضاء الذين يقفون أمام الكاميرات قبل أن يختفوا وراء الأبواب لإجراء محادثات سرية فهو إذا يصفها بدبلوماسية الإشارات المشفرة و الرسائل الالكترونية التي ترسل من وزارات الخارجية إلى البعثات الدبلوماسية و العكس.

ـ فدبلوماسية المسار الأول هي أسلوب عمل الدولة وفي جوهرها عملية إرسال الرسائل مباشرة إلى الحكومة و مراكز اتخاذ القرار بحيث يقوم بها الممثلون الرسميون للدولة ، هذا المستوى الأول تختلف فيه الأدوار فيما يخص الطريقة التي تتعامل بها الدول أو الوسائل المتبعة في حل النزاعات الدولية وعادة تكون عبر وسائل من بينها : المفاوضات، الوساطة ، المساعي الحميدة ، و بعثات تقصي الحقائق و عقوبات دبلوماسية ..إلخ .

وعادة ما تكون القنوات الرسمية هي أولى المسارات الدبلوماسية حيث تعتبر أحد الأدوات الفعالة في حل النزاعات حيث أن الاتصال دائما يبقى موجود بين الدول ( باختلاف درجاته و مستوياته ) و ذلك في عز الأزمات و النزاعات ولا يتوقف هذا الأمر على النزاع الذي يكون بين دولتين بينما يتعداه إلى النزاعات الداخلية التي تكون السلطة أحد أطرافه لأن هذه الآلية تعطي للأطراف هامشا من الحركة حيث يستطيعون التواصل و معرفة التوجهات و الآراء حتى لا تحدث أخطاء تؤدي إلى تفاقم حدة النزاع أكثر.

المسار الثاني : دبلوماسية المفاوضات غير رسمية

عرفها جون مونتفيل بالقول انها تفاعلات غير رسمية بين أعضاء الجماعات أو الدول الخصومة مع وضع استراتيجيات من اجل التأثير على الرأي العام وتنظيم الجماعات البشرية والموارد في الإطار الذي قد يساعد في حل النزاع ، ودبلوماسية المسار الثاني حسب جون ماك دونالد تهدف إلى الحد من الصراعات بين الجماعات والامم من خلال تحسين التواصل والتفاهم والتخفيض من حدة الغضب والتوتر والخوف وسوء الادراك والفهم .

و من اهم ايجابيات المسار الثاني للدبلوماسية انه يولد حرية التفاعل حيث لم يكن ذلك ممكنا في إطار الدبلوماسية الرسمية التقليدية .

المسار الثالث : مسار الأعمال التجارية

وتكمن الاثار الفعلية و المحتملة لهذا المجال على بناء السلام من خلال توفير الفرص الاقتصادية والصداقة والتفاهم الدولي وانشاء قنوات رسمية للاتصال بالإضافة الى تقديم الدعم لأنشطة صنع السلام الأخرى. وعلى الرغم من أن معظم الشركات لا تنظر إلى نفسها على أنها فاعل لإحلال السلام فالحقيقة هي أن المفاوضات بشأن المال والموارد والعمل غالبا ما تكون احد اهم المواضيع التفاوضية وبالتالي فان المفاوضات التجارية هي بالفعل مهمة في عمليات السلام .

أحد امثلة دبلوماسية المسار الثالث هو الذراع التنفيذية ومطرقة رجال الأعمال الأميركيين الذين لعبوا دورا هاما في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من خلال تشجيع التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق خلال فترة الحرب الباردة.

المسار الرابع: دبلوماسية المواطن

دبلوماسية مواطن الى مواطن وتشمل النشاطات التي يقوم بها الأفراد والجماعات الخاصة وتسعى إلى تشجيع التفاعل والتفاهم بين المجتمعات المعادية والتي تنطوي على زيادة الوعي وتمكين هذه المجتمعات وتركز عادة على المستوى الشعبي وهذا النوع من الدبلوماسية غالبا ما ينطوي على تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات والترويج لها في وسائل الإعلام والدعوة السياسية والقانونية للأشخاص والمجتمعات المهمشة .

ومن بين الاعمال التي دلل بها جون ماك دونالد على هذا النوع من الدبلوماسية هو ما قام به جون ماركس من اعمال من اجل تقريب وجهات النظر بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الامريكية في مسالة الارهاب حيث ان الولايات المتحدة الامريكية كانت قد قررت على لسان وزير خارجيتها هنري كيسنجر ان مصدر كل شر هو الاتحاد السوفياتي .

المسار الخامس: مسار البحوث والتدريب و التعليم

تعتبر المنح الدراسية والتعلم احد اكثر الاشكال الاكثر حيادا سياسيا والاكثر استفادة في التفاعلات بوضوح من كلا الطرفين هو يتم من خلال منهجين عبر مؤسسات الري والفكر حيث يتم جلب العلماء المهنيين اين يتم معالجة المشاكل والتنبؤ بمستقبل الاحداث وهذا يكون بمثابة دعم للحكومة والنوع الثاني هو كيان الخمسة طلاب وينظر اليه على انه الاكثر حرية و ابداعا وتفاهم الطلاب يعزز التفاهم المتبادل لأنه الاقل تأثرا بالمعايير الثقافية.

ولعل احسن مثال في هذا النوع من الدبلوماسية هو كيفية تأسيس المركز السوفياتي الامريكي حيث تم بمباحثات مع مجموعات من العلماء الأمريكيين والسوفيات وكان جون ماكدونالد احد الباحثين الامريكان حيث أضافوا كلمة الوساطة الى اللغة الروسية حيث لم يكن لها وجود وجاءوا بمصلح فوز/ فوز وكان هذا المصطلح هو الكلمة الدعائية لهذا المشروع الذي حظي باهتمام الصحافة. كما قام ماك دونالد بتدريب بعض علماء الاجتماع والنفس في ميدان حل النزاعات بالإضافة الى مناقشة الموضوع نظريا معهم .

المسار السادس: دبلوماسية النشاط الاجتماعي

أو صنع السلام من خلال الدعاوي و المنشدات التي يقوم بها الجهات الفاعلة في المجتمع المدني سواء محلي أو عالمي من رأي عام و جماعات الضغط ومصالح و جمعيات و منظمات غير حكومية .

و يركز هذا المسار على القضايا التالية : ـ نزع السلاح ـ حقوق الانسان ـ العدالة الاجتماعية و الاقتصادية ـ دعاوي متعلقة بالجماعات المصلحية الخاصة فيما يتعلق بسياسات عامة حكومية معينة

النشاط بشكل عام على المستوى المحلي والدولي لتغيير الاوضاع الاجتماعية ـ التنمية و الفقر و الصحةـ والاقتصادي ـ الاستغلال واللاعدالة في التوزيع والتبعية ـ والسياسي ـ اللا أمن و غياب الديمقراطية و الحريات المختلفة ـ و البيئي ـ التلوث و الاحتباس الحراري  .

المسار السابع : دبلوماسية التمويل

أي صنع السلام من خلال توفير الموارد وهذا يشير إلى مجتمع التمويل والمتمثلة في فاعلين الخير و المتبرعين بالأموال.

توفير الدعم المالي للعديد من الأنشطة التي تضطلع بها المسارات الأخرى والمسار الثامن من الدبلوماسية متعددة المسارات يعتمد على العمل الخير بحيث يتطلب كل نشاط الدعم المالي والتفاعلات و يعتمد على المبادرات الخاصة أو المؤسسات الفردية الصغيرة – المؤسسات المالية والوكالات الحكومية

المسار الثامن : ديبلوماسية الاتصالات ووسائل الاعلام : أي صنع السلام من خلال المعلومة . مملكة الأصوات الخاصة بالشعب وكيف للرأي العام أن يأخذ شكل وسائل الاعلام المطبوعة ـ الأفلام ـ الفيديوهات ـ الراديو ـ الأنظمة الالكترونية ـ الفنون في قلب المخطط الدبلوماسية متعددة المسارات هناك ربط لكل المسارات بالمسار التاسع بحيث أنه يأثر فيها و يكملها باستعماله للدعاية ، حيث صرح دايموند وماك دونالد أن المهمة الأساسية للمجال الاتصالات هو استخدام وسائل الإعلام المرئية والإلكترونية لإعلام وإشراك الجمهور بشأن القضايا المتعلقة بالسلام حل النزاعات والعلاقات الدولية

  • أساليب التفاوض الدبلوماسي:

تتم المفاوضات الدبلوماسية روتينياً عبر الممثلين الدبلوماسيين لكل دولة ومن خلال ثلاثة اساليب رئيسية:

 

الأسلوب الكتابي: هي المراسلات الرسمية الخطية سواء كانت على هيئة خطابات أو مذكرات بين مسؤولي الدولتين. وله نوعان :

 

  • المذكرات الرسمية التي تُبنى على مقومات لا يمكن تجاهلها سواء من حيث الشكل أو الصيغة أو المضمون.
  • المذكرات التي تهتم بالمضمون أساساً وتتجاوز في طبيعتها المتطلبات اللازمة في النوع الأول.

الأسلوب الشفوي: يعتمد على الاتصالات الشخصية التي يجريها الممثل الدبلوماسي مع المسؤولين في الدولة المضيفة. يتم فيها تبادل الآراء بين الدولتين بشكل قد يؤدي الى نتائج تفوق اهميتها التفاوض عبر المذكرات.

الأسلوب المختلط: يجمع ما بين الاسلوب الكتابي والشفوي، ويظهر هذا الاسلوب عادة اثر انتهاء عملية التفاوض الشفوي المباشر بين ممثل والمسؤولين في الدولة المضيفة. فبعد اجراء مباحثات شفوية حول المواضيع مدار التفاوض، يقوم كل طرف بوضع مذكرة عما جرى من مباحثات ويقدمها للطرف الآخر للتأكد من تطابقها مع وقائع المفاوضات.

 

  • شروط نجاح المفاوضات الدبلوماسية

 

المرونة: وهي وجوب استيعاب متطلبات طرفي النزاع وأن تكون المرونة بالتعامل فيما بينهم عند مناقشة النزاع بصفة مباشرة وفقا لمصالحهم المشتركة.

السرية: وهي وجوب إحاطة بعض المفاوضات بالسریه والكتمان من قبل أطرافها، وذلك بهدف إبعاد المفاوضات عن المؤثرات الخارجیة لكلا الطرفين.

السرعة: هي التي تتطلب فيها المفاوضات عادة السرعة بالأجراء والإنجاز لأن طبيعة العلاقات الودية بین طرفي النزاع تستدعي تسویة مبكرة للنزاع بقصد تهدئة التوتر واعادة العلاقات إلى مجراها الطبيعي ،ولكن قد یصعب الوصول إلى حل إيجابي عن طريق المفاوضات إذا ما كان النزاع بین دولة كبرى، ودولة صغرى أو اذا اراد طرف من أطراف النزاع فرض مطالبه، وتحقيق أهدافه بالتعنت، وربما بالاستعانة بأساليب القوة.

 

  • عيوب الوسائل الدبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية

 

1- الحلول التوفيقية قد لا تكون عادلة :

رأينا أن الوسائل الدبلوماسية عادة ما تتوج بحلول توفيقية وتتفادى الحلول الصارمة التي تقدم إلى أحد الطرفين كل شيء . إلا أن الميل للحلول التوفيقية قد يؤثر عكسيا على موضوعية وقانونية القرار أو الحل المقترح ، ويخلق نوع من الريبة القانونية .

2- عدم التلاؤم مع مصالح الضعيف :

انتقدت بعض الوسائل الدبلوماسية على أساس أنها تضع الطرف الضعيف تحت رحمة الطرف القوي . فمثلا المفاوضات الدبلوماسية المباشرة إما أن تجري بين طرفين متساويين في القوة ، وتكون هنا المفاوضات عقيمة لعدم اضطرار أي من الطرفين لتقديم تنازلات ، فيصبح تدخل طرف ثالث ضروري باستخدام وسيلة أخرى من الوسائل الدبلوماسية أو التحكيمية .

وإما أن يكون أحدهما أقوى من الثاني ويفرض الطرف القوي إرادته على الطرف الضعيف.

3- خطر استخدام الجهاز السياسي لسلطته ونفوذه وميله لحماية مصالحه الخاصة :

سبقت الإشارة إلى أن الأجهزة السياسية يمكنها أن تستخدم سلطاتها ونفوذها عند تسوية المنازعات المعروضة عليها . إلا أن هذا الاستخدام لا يكون بالضرورة إيجابيا بل يمكن كذلك أن يكون سلبيا ، وبخاصة إذا كان لدولة كبرى أو مجموعة من الدول تأثيرا على كيفية أداء ذلك الجهاز لوظائفه . كما يمكن للجهاز السياسي أن يسيء استخدام سلطته ونفوذه . وقد تكون محاولة حماية المصالح الخاصة للجهاز بصفة غير مبررة على حساب أطراف النزاع جليه .

4- عدم ملائمة بعض الأجهزة السياسية لتسوية معقولة :

شكك بعض الفقهاء في مدى ملائمة بعض الأجهزة السياسية الهامة التي أنشئت خصيصا لتحقيق السلم والأمن الدوليين ، كالأمم المتحدة ن لتسوية ما يعرض عليها من منازعات بطريق ملائمة نظرا للضغوط المفروضة عليها من جميع الكتل المتضاربة أيديولوجيا وسياسيا واقتصاديا . فالوفود قد لا تذهب للأمم المتحدة لتسوية منازعاتها ولكن لربح قضاياها .

5- لا يمكن عرض النزاع في الكثير من الحالات على الجهاز السياسي المعني :

لا يمكن عرض النزاع في الكثير من الحالات على الجهاز السياسي المراد استخدامه لتسوية النزاع إلا بعد موافقته . ويمكن أن يكون الحصول على الموافقة صعبا للغاية في بعض الحالات . أو قد يرفض الجهاز المعني تدخله بحجة رؤيته لتدخله غير ملائم ، أو لا يتلاءم مع مصالحه وعلى العموم فإن عرض المنازعات على طرف ثالث يتوقف على موافقة هذا الأخير .

6- عدم توافر بعض الأجهزة المفضلة :

قد يفضل أحد طرفي النزاع أو كلاهما عرض النزاع على جهاز سياسي معين نظرا لأهمية النزاع أو أهمية الجهاز المعني بالنسبة لذلك الطرف أو لكليهما . في حين أن انعقاد هذه المؤتمرات غير منتظم كما أنها قد ترفض الانعقاد في دورة استثنائية لأسباب سياسية ، او أنها قد تعبر عن النزاع المعني غير مهم لدرجة تبرر انعقادها أو لا يمكن الحصول على الأغلبية اللازمة لانعقاد الجهاز المعني .

ويفضل أو يفضلان عرضه على الجمعية العامة بدلا من مجلس الأمن على أساس أن هذا الأخير خاضع لسيطرة الدول الكبرى ، نظرا لأن الجمعية العامة أكثر قدرة على تفهم مواقف هذه الدول وإصدار التوصيات اللازمة .

7- استخدام الوسائل الدبلوماسية لأغراض دعائية :

رأينا أن الوسائل التحاكمية يمكن أن تستخدم لأغراض دعائية وتنكيدية إلا أن الوسائل الدبلوماسية لا يمكن أن تستخدم هي الأخرى للغرض نفسه ، بل على العكس من ذلك فإن استخدامها بهذه الطريقة أسهل  كما تؤكد الممارسة الدولية .

8- عدم وحدة القرارات وأثر ذلك على تجزئة القانون الدولي :

من عيوب الأجهزة الدبلوماسية عدم وحدة القارات الخاصة والحلول المتوصل إليها . وهذا يشكل مصدر خطر على التطور الموحد للقانون الدولي . إذ يمكن أن يؤدي تنازع تلك القرارات وعدم خلقها للسوابق وضعف سلطات الأجهزة التي أصدرتها إلى تجزئة القانون الدولي والاختلاف حول تفسيره وتطبيقه .

9- الاستخدام غير الإلزامي للوسائل الدبلوماسية :

لا يتعلق هذا العيب بطبيعة الحلول التي تقدمها الوسائل الدبلوماسية وإنما بكيفية استخدام هذه الأجهزة مقارنة بالوسائل التحاكمية . فبينما يمكن للدول أن تتفق مسبقا على تسوية فئة أو فئات محددة أو جميع ما قد ينشأ بينها من منازعات قانونية بواسطة محكمة دولية بحيث يستطيع أي منهما أن يلجأ إلى المحكمة بإرادته المنفردة بغض النظر عن موقف الطرف الثاني في النزاع ، أي التحاكم الإلزامي .

10- عدم صلاحية بعض الوسائل الدبلوماسية لتقييم الوقائع بصفة موضوعية:

قد يصعب على أطراف النزاع أو على الغير تقييم وقائع النزاع بصفة موضوعية ونزيهة في حالة اعتماد بعض الوسائل الدبلوماسية . وقد أشار تقرير اللجنة الخاصة بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقا لميثاق الأمم المتحدة إلى هذا العيب باعتباره لصيقا بالمفاوضات. وقد يصعب كذلك على الوسيط أو على الطرف الثالث الذي يعرض مساعيه الحميدة أن يقيم بصفة موضوعية وقائع النزاع .

11 – عدم ملائمة الوسائل الدبلوماسية لبعض المنازعات :

رأت بعض الدول أثناء المناقشات المتعلقة بمسألة مدى منح المفاوضات المباشرة أهمية قانونية خاصة مقارنة بالوسائل الأخرى لتسوية المنازعات الدولية أنه يجب أن تحظى هذه الوسيلة بعناية خاصة نظرا لقدرتها على تسوية كل المنازعات .

 

إلا أن بعض الدول الأخرى اعتقدت العكس وأشارت إلى أنه ” لا يمكن استخدامها لتسوية بعض أنواع المنازعات “. ويمكن أن نتصور عجز المفاوضات المباشرة وكذلك لها أهمية خاصة بالنسبة لأطراف تربطهم علاقات عدائية بسبب تلك المنازعات أو غيرها .

12- الوسائل الدبلوماسية لا تضمن تسوية النزاع :

قد تعجز الوسائل الدبلوماسية عن تسوية النزاع بسبب فشلها في تقديم حل مقبول أو بسبب رفض الطرفين أو أحدهما للحل المقترح . فالوسائل الدبلوماسية تتوج –كقاعدة عامة- بحلول لا تتعدى كونها مجرد اقتراحات وتوصيات قد تقبل أو ترفض . وتساعد هذه الوسائل – وبخاصة المفاوضات – على اتخاذ مواقف متصلبة في أية لحظة أو حتى العودة إلى نقطة الصفر .

 

  • – هل المفاوضات في القانون الدولي ملزمة للطرفين ؟

– المفاوضات كقاعدة عامة في القانون الدولي هي غير ملزمة ولكن هذه المفاوضات إذا حصلت على توقيع السلطة المعنية في الدولة فإنها تكتسب طبيعته، ولكن التوقيع يختلف من دولة الى أخرى فبعض المعاهدات يشترط لنفاذها مصادقة البرلمان على ذلك وبالتالي تصبح ملزمة وأخرى تشترط فقط توقيع رئيس الدولة لكي تصبح نافذة.

– نفرق بين المفاوضات في الاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات الجماعية: فالاتفاقيات الثنائية تكون غير ملزمة إلا إذا صادق عليها البرلمان أو رئيس الدولة أما الاتفاقيات الجماعية تكون ملزمة لأطراف النزاع

 

  • – هل الحلول الغير ودية تعتبر حلول للنزاع الدولي ؟

 

الحلول الغير ودية: الدول أو أطراف النزاع تلجأ الى الحلول الغير ودية عندما تفشل الحلول الودية في حل النزاع والحلول الغير ودية هي الوسائل الإكراهية والتي تجبر بواسطتها الدولة للرضوخ الى وجهة نظرها وهي تحتوي على عدة وسائل

1- قطع العلاقات الدبلوماسية يتم عن طريق سحب الممثلين الدبلوماسيين.

2- الإقتصاص وهي المعاملة بالمثل. 3- الاحتلال المؤقت. 4- حجز السفن والطائرات.

5- قطع العلاقات الاقتصادية( الحصار الاقتصادي). 6- قطع العلاقات المالية والتجارية. 7- الحرب.

الحرب في حد ذاتها في القانون الدولي تشكل موضوع مستقل من مواضيع القانون الدولي والحرب هناك نوعين من الأشخاص شخص مدني وشخص عسكري والقواعد التي تنظم العسكري تسمى بالقانون الدولي للحرب أما قواعد القانون التي تنظم الشخص المدني أثناء الحرب تسمى بالقانون الدولي الإنساني مثلا قوات الاحتلال الأمريكي عندما تبحث عن العسكريين العراقيين فتسميهم بالأسرى أما المدني فلا يأخذ حكم الأسير.

والقانون الدولي الإنساني كما عرفته اللجنة الدولية للصليب الأحمر هو مجموعة من القواعد القانونية الدولية المستمدة من الاتفاقيات والأعراف التي تهدف بشكل خاص المشكلات الإنسانية الناجمة بصورة مباشرة عن النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية( الحرب الأهلية) والتي تشير لأسباب إنسانية حق أطراف النزاع باستخدام لأساليب الحرب وطرقها وتحمي الأشخاص والأملاك المعرضين ا, الذين يمكن أن يتعرضوا لأخطار النزاع.

  • وسائل حل النزاع الدولي

تنقسم الى نوعين : الوسائل السلمية  و الوسائل الغير سلمية ( القسرية)

الوسائل السلمية وتنقسم الى ثلاث طرق:

  • الوسائل السياسية.
  • اللجوء الى المنظمات الدولية.
  • الوسائل القضائية.

أ- الوسائل السياسية: تنقسم الى خمسة وسائل:

  1. المفاوضات.
  2. المساعي الحميمة.
  3. الوساطة.
  4. التحقيق.
  5. التوفيق.

ب – اللجوء الى المنظمات الدولية: تنقسم الى قسمين:

  1. المنظمات الإقليمية.
  2. المنظمات الدولية العالمية.

ت –  الحلول القضائية: تنقسم الى قسمين:

  1. التحكيم الدولي.
  2. القضاء الدولي ( محكمة العدل الدولية).

أولا: الوســائل السلمية :

– الحلول السياسية: قد يفضلها أشخاص المجتمع الدولي بدلا من الحلول القضائية لسببين:

أ- أن الحلول السياسية يمكن تطبيقها في كل أنواع المنازعات الدولية سواء كانت ذات طبيعة اقتصادية أو قانونية أو سياسية.

ب- أن الحلول السياسية لا تترك شعور بالاستياء لدى الدولة عند لجوئها إليها ضف الى ذلك أن الحلول السياسية ليست حصرية ، فأطراف النزاع يمكن أن تلجأ الى وسيلة أخرى بشرط المحافظة على السلم والأمن الدوليين وبالتالي الوسائل التي سنتعرض إليها واردة على سبيل المثال.

1- المفاوضات: إن المفاوضات في القانون الدولي تتم بين ممثلي أطراف النزاع الذين يجرون فيما بينهم مباحثات بقصد الهدف تبادل الرأي في الموضوعات المختلف عليها وتقريب وجهات النظر فيها والحصول على حلول من شأنها ترضي الطرفين وقد تكون شفوية في مؤتمرات أو خطية في تبادل كتب ومستندات إلا أنه يشترط لنجاحها تكافؤ الأشكال السياسية للتتابع من قبل من يباشرها. ويمكن أن تتم المفاوضات في إقليم أطراف النزاع أو في دولة محايدة. فمثلا اتفاقية ايفيان في مدينة سويسرا بين الجزائر وفرنسا. ولنجاح المفاوضات لابد من تكافؤ القوى والفرص والسؤال الذي يطرح هو:

  • هل المفاوضات ملزمة ؟ القاعدة العامة للمفاوضات أن ليس لها قيمة قانونية ملزمة خاصة إذا كانت شفهية أما إذا كانت كتابية فهي ملزمة للأطراف لأنها مقدمة لالتزام دولي وخاصة إذا كنا بصدد اتفاقية ( جماعية).

– والمفاوضات تقوم بها السلطة التنفيذية فقط وتتجسد في رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو وزير الخارجية ويكون بمقتضى نص كتابي ويكون هذا التفويض محدد المدة.

– من خصائص المفاوضات أنها تتكون بين أطراف النزاع فقط وإذا تدخلت دولة خارجة عن النزاع القائم يعتبر بمثابة وساطة، والفقه يؤكد لنجاح المفاوضات لابد من تكافؤ أطراف النزاع مثال المفاوضات التي تتم بين الفلسطينيين والإسرائيليين فشلت هذه المفاوضات لأن الطرف الإسرائيلي تؤيده الولايات المتحدة اقتصاديا وعسكريا وبالتالي عدم تكافؤ أطراف النزاع .

هل المفاوضات في القانون الدولي ملزمة للطرفين ؟

– المفاوضات كقاعدة عامة في القانون الدولي هي غير ملزمة ولكن هذه المفاوضات إذا حصلت على توقيع السلطة المعنية في الدولة فإنها تكتسب طبيعته، ولكن التوقيع يختلف من دولة الى أخرى فبعض المعاهدات يشترط لنفاذها مصادقة البرلمان على ذلك وبالتالي تصبح ملزمة وأخرى تشترط فقط توقيع رئيس الدولة لكي تصبح نافذة.

– نفرق بين المفاوضات في الاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات الجماعية: فالاتفاقيات الثنائية تكون غير ملزمة إلا إذا صادق عليها البرلمان أو رئيس الدولة أما الاتفاقيات الجماعية تكون ملزمة لأطراف النزاع.

2- المساعي الحميمة: يقصد بها دولة لا علاقة لها بالخلاف القائم تتدخل من تلقاء نفسها بين الدولتين المتنازعتين بحملهما على إنهاء النزاع ومن شأنها:

أ- العمل على الحيلولة دون تطوير الخلاف الى نزاع مسلح.

ب- محاولة القضاء على نزاع مسلح نشأ بين دولتين.

حيث لا يجب اعتبار هذا التدخل عمل عدائي فمثلا المساعي التي قامت بها تركيا ومصر بمناسبة النزاع العراقي البريطاني 1941 .

3- الوساطة: هي عبارة عن مساع حميدة تتضمن عنصرا جديدا ألا وهو اشتراك الشخص الثالث في التفاوض مع الدول المتنازعة أو قيادة بضابطة الارتباط فينقل الى كل من الطرفين وجهة نظره الخاصة ويقترح حلولا للتوفيق وقد تكون الوساطة عقوبة من قبل الوسيط كما يجوز أن يستدعى الطرفان المتنازعان وسيط في حالة تفاقم النزاع بينهما، وأهم ما في الوساطة صفتها الاختيارية فلا يرغم الطرفان المتخاصمان على قبول بوجهة نظر الوسيط ولهما أن يرداه وكذلك الأمر بالنسبة للمساعي الحميدة على أن العلاقات الدولية في العصر الحالي تتجه الى الاستعانة من أجل نجاح الوساطة بشخصيات دولية بدلا من دولا كما التي قام بها مندلا لحل النزاع الليبي الأمريكي البريطاني في قضية لوكاربي ووساطة الجزائر لحل النزاع الإيراني الأمريكي. ووساطة الاتحاد الأوربي والمصري في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

4- التحقيق: إن التحقيق الدولي يهدف الى تحديد الوقائع المادية والنقاط الفنية المختلف عليها تاركا للدولتين المتنازعتين استخلاص النتائج التي نشأ عنه إما بالصورة المباشرة أو عن طريق التحكيم الدولي مثل تحقيق مليس حول اغتيال الحريري

– بطريقة مباشرة نزاع نشأ بين أ و ب فتتفق الى اللجوء الى المفاوضات

– بطريقة غير مباشرة عند فشل المفاوضات فتفشل المساعي الحميدة ثم الوساطة الى التحكيم الدولي.

– أول حالة بحث في تأليف لجان التحقيق كحل ودي للمنازعات الدولية كان في مؤتمر ” لاهاي1″ 1899 بناء على اقتراح روسيا ثم جاء في مؤتمر “لاهاي2” 1907 ونظم هذا الأسلوب الجديد فجعله اختياريا سواء في اللجوء إليه أو العمل بنتائجه ثم جاءت معاهدات أوصى بها وزير الدولة الأمريكي( وزير الخارجية) “برايان 1913” ( معاهدة برايان) ونصت

على أن مهمة اللجان مقتصرة على إجراء التحقيق وتنظيم التقرير واشترطت:

  • أن تأليف اللجان على نمط واحد .
  • أن يكون التحقيق إلزاميا في حالة طلب الطرف الآخر اللجوء إليه.
  • أن تبقى تقارير اللجان ذات صفة اختيارية غير ملزمة للطرفين ومن الأمثلة قضية الباخرة الانجليزية ( دوغجر بانك) التي أغرقتها السفن الحربية الروسية سنة1904 متوهمة أنها يابانية فاجتمعت لجنة التحقيق التي اقترحتها فرنسا برئاسة الأميرال وبموجب التقرير الذي وضعته اللجنة اضطرت روسيا الى أن تدفع لبريطانيا تعويضا ماديا. وأثناء الحرب العالمية الأولى اتهمت هولندا البحرية الألمانية بإغراق الباخرة ” تويانسيا” العائدة لها بينما ادعت السلطات الألمانية أن الغرق كان بسبب لغم مزروع في البحر فتألفت لجنة التحقيق سنة1920 وقررت أن الغرق إنما تم بفعل متفجرة قذفتها غواصة ألمانية.

5- التوفيق: إن هذا الأسلوب كما يسميه البعض المصالحة هو حديث العهد فلم تتعرض له معاهدتي لاهاي1 ولاهاي2 ولم يعرف في القانون الدولي الى اعتبار من سنة 1919 وقد ورد النص على اللجوء إليه كوسيلة ودية لحل الخلافات الدولية في كثير من المعاهدات أهمها المعاهدات ” السكوندينافية ” و ” البولونية” و ” الألمانية الفرنسي” وأهمها معاهدة ” لوكانو” سنة 1925 التي وضعت القواعد التالية:

أ- تتألف اللجان من 3 أو  5 أعضاء على الأكثر وتكون دائمة.

ب- ينحصر اختصاصها في الخلاف على المصالح وليس على الحقوق ولا يكون هذا الاختصاص إلزاميا. كما أن نتيجة التقرير غير ملزمة للطرفين بل يكون مستند الحكم تحكيمي أو قضائي لاحق.

ج- يتبع لدى لجان التوفيق الإجراءات التي نصت عليها معاهدة لاهاي2 بخصوص لجان التحقيق ومن أمثلة التوفيق أو المصالحة في سنة1948 اقترح وسيط أممي تأليف لجنة التوفيق لفلسطين للإشراف على تنفيذ توصيات التي اقترحها ومنها إعادة اللاجئين الى وطنهم وتعويضهم عن ممتلكاتهم ورعاية مصالحهم وإيوائهم والاهتمام بمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية.

عن طريق عرض النزاع على المنظمات الدولية

يعتبر هذا النوع من الحلول تسوية المنازعات الدولية حديث لأنه شرع في استخدامها مع بداية القرن20 وذلك نظرا لظهور المنظمات الدولية كشخص من أشخاص القانون الدولي العام إلا مؤخرا، وسنتطرق لهذه الحلول من خلال دراسة نوعين من المنظمات عصبة الأمم والأمم المتحدة.

1- عصبة الأمم: ينص عهد عصبة الأمم في المادة11 منه ” تقوم العصبة بكل عمل من شأنه أن يضمن السلم” ونصت المادة12 منه ” على التزام الدول الأعضاء لعرض نزاعاتها على مجلس العصبة إذا لم تسويها بالوسائل الدبلوماسية والقضائية ونصت المادة15 منه على أن عرض النزاع على مجلس المنظمة مخول لأي عضو في المنظمة ولكل طرف من أطراف النزاع .”.

ومجلس المنظمة هو الجهاز الدولي المختص قانونا في تسوية المنازعات الدولية سياسيا ولكن يعاب على هذا الأسلوب ثغرتين هامتين:

أ- إذا جاء قرار المجلس بالأكثرية وليس بالإجماع فعندئذ لا يكون ملزما ويبقى للطرفان حق حل خلافهما عن طريق الحرب التي تعتبر في هذه الحالة مشروعة.

ب- لا تدخل في اختصاص المجلس المنازعات على الشؤون المتعلقة بالسيادة الداخلية والقضايا الجمركية والهجرة.

– إن هذه الأسباب أدت الى فشل عصبة الأمم في حل المنازعات الدولية كالنزاع الياباني الصيني سنة1931 والاعتداء الإيطالي على اثيوبيا 1936 وأخيرا فشلت في قيام الحرب العالمية الثانية.

2- منظمة الأمم المتحدة: باستقراء أحكام المادة33 من الميثاق يتضح أن المشرع الدولي قد تبنى مختلف الطرق لحل المنازعات الدبلوماسية بمختلف أنواعها إلا أنه يتضح كذلك أن ميثاق الأمم المتحدة قد عهدت الى 3 أجهزة أساسية تكلف بحل النزاعات الدولية وهي مجلس الأمن، الجمعية العامة، والأمين العام للأمم المتحدة.

أ- مجلس الأمن: بالنظر الى اختصاصات مجلس الأمن الموضحة في المادة34 من الميثاق فإنه لمجلس الأمن أن يحقق في كل نزاع أو في كل حال قد يؤدي الى خلاف بين الدول أو يحدث نزاع لكي يقرر إذا كان استمرار هذا الخلاف أو في هذه الحالة ما قد يهدد حفظ السلم والأمن الدوليين.

– الملاحظة الأولى على المادة34 أنها تستعمل لفظ النزاع والحال. فالنزاع هو خلاف بين دولتين فقط أي بين أشخاص القانون الدولي. أما الحال هو وجود أمر أو وقائع يهدد السلم والأمن الدولي , فإن مجلس الأمن يستعمل الوسائل التالية إما من قبله مباشرة او من  قبل إحدى الدول الأعضاء بالمجلس . او من قبل دولة غير عضو في المنظمة إذا كانت طرفا في النزاع وهذا حسب المادة 35/2 من الميثاق وقد أيد المجلس وجود تهديد للسلم والأمن الدولي أو الاخلال به أو عمل عدواني فإنه يقوم بالتوصيات في الحالات البسيطة أو يقرر التدابير في الحالات الخطيرة ومن هنا الفرق بين التوصية والقرار أن التوصية لا تتمتع بصفة الالزام أما القرار فهو ملزم لكل أعضاء المجتمع الدولي.

أما الملاءمة إذا تعلقت بالسلم والأمن الدولي تكون ملزمة بنفس قيمة القرار الدولي أما إذا لم يتعلق بالسلم والأمن الدوليين فإنها تلتحق بقيمة التوصية.

ب- الجمعية العامة: إن دور الجمعية في حل لمنازعات الدولية نصت عليه المواد10-11-14-45 من ميثاق الأمم المتحدة وتتمثل ” يمكن أن تناقش أي مسألة داخلة في نطاق الميثاق- تقديم توصيات الى الدول أو الى مجلس الأمن. – تقوم بإجراء تحقيقات. – توصي باتخاذ تدابير تسوية مختلفة.

ج- الأمين العام للأمم المتحدة: المادة 99 من الميثاق.

– له الحق بأن يخطر الجمعية العامة بأي نزاع. – أن يخطر مجلس الأمن.

– أن يجري تحقيقات في أي نزاع. – يكلف بإجراء وساطة ومساعي حميدة.

– كل الوسائل التي درست في السابق ( وساطة، توفيق، تحقيق، مفاوضات…..) تنتج عنها عدة مسائل نجملها في:

1- ترتبط بعنصر مبدأ السيادة أي أن عملية اللجوء الى هذه الوسائل اختيارية وحتى النتائج ليست ملزمة كالدولة.

2- أن الدولة حرة في اللجوء الى هذه الوسائل أو عدم اللجوء إليها.

3- الأشخاص الذين يقومون بهذه الحلول أو الطرق يحوزون مسبقا على ثقة أطراف النزاع.

4- لنجاح هذه الحلول يستحسن أن يتم حل النزاع بطريقة سلمية فهي في حد ذاتها تكون سرية إلا إذا اشترط المتنازعين أن تكون علنية.

5- يتعين على القائمين بهذه الطرق أن يكونوا مبتعدين عن المؤتمرات الخارجية منها الإعلامية والسياسية حتى يتصفون بصفة الحياد.

6- الحل الذي يتوصل إليه الأشخاص تجمع في الحقيقة عدة اعتبارات بين القانون والسياسة واعتبارات العدل والإنصاف.

خلاصة: نتوصل إليها أنه لنجاح هذه الحلول هو بمبدأ مهم وهو مبدأ حسن النية

أولا هو الذي يجعل أطراف النزاع تتعاون فيما بينها من أجل عدم استفحال النزاع.

ثانيا: يجعل الدول هدفها الوحيد هو البحث عن الحقيقة فبالتالي هو مرهون بمبدأ حسن النية.

الحلول القضائية: يمكن أن تأخذ شكلين هما التحكيم الدولي والقضاء الدولي.

1- التحكيم الدولي: هو النظر في النزاع بمعرفة شخص أو هيئة يلجأ إليه أو إليها المتنازعون مع التزامهم بتنفيذ القرار الذي يصدر في النزاع وقد عرفت المادة37 من معاهدة لآهاي2 1907 التحكيم الدولي بقولها ” إن التحكيم الدولي يهدف الى تسوية المنازعات بين الدول على يد القضاة تنتخبهم هذه الدولة وعلى أساس احترام الحق كما أن للجوء للتحكيم يفترض التعهد بالوضوح للعمل الناتج عنه على أساس حسن النية.

وبهذا تميز التحكيم عن الوساطة والتوفيق وسلطة الوسيط أو لجنة التوفيق كما ذكرنا سابقا تقف عند حد العرض والاقتراح بينما سلطة الحكم (التحكيم) كسلطة القاضي وقراره بمثابة الحكم القضائي له صفة الإلزام وبذلك يتميز التحكيم بعدة ميزات

أ- التحكيم طريقة حل حقوقية للمنازعات الدولية الراهنة منها أو المنتظرة .

ب- إن اللجوء الى التحكيم اختياري وقد يصبح إلزاميا بواسطة معاهدات خاصة تعقدها الدول فيما بينها.

ج- إن التقيد بنتائج التحكيم إلزامي في كل حال من الأحوال.

– متى يصبح التحكيم إلزامي ؟

أ- نزاع دولي بين دولتين لا تجمع بينهما معاهدة دولية، بعد النزاع يتفقان الى اللجوء للتحكيم هذا الاتفاق يعتبر بمثابة معاهدة ” قضية لوكاربي” تسمى سند التحكيم( بعد وقوع النزاع).

ب- دولة ودولة أخرى تجمعهما معاهدة أي كانت تجارية اقتصادية….. فمثلا في آخر بند من هذه المعاهدة تنص على أنه إذا ما كان هناك إشكال في تفسير هذه المعاهدة فإن حل هذا الإشكال يكون عن طريق التحكيم الدولي( قبل وقوع النزاع) هذا الحل في صلب المعاهدة، أطراف النزاع يشكلون هيئة التحكيم، البلد التي تجمع فيه هيئة التحكيم، القانون الواجب التطبيق.

ج- نفس البند 2 إلا أنها لا يحددان الهيئة ولا البلد ولا القانون الواجب التطبيق.

خلاصة: سند التحكيم يكون سابق للنزاع أو لاحق للنزاع.

– التحكيم في الوقت الحاضر أصبح أساس التعاون الدولي أي بعد1980 فقبل هذا التاريخ لم يكن يعرف التحكيم حيث كان يتم بواسطة شخص واحد حيث كان مفهوم الدولة يتمثل في القبيلة فالشخص قد يكون رجل دين أو قائد عسكري أو له تأثير على أطراف النزاع

العصر الوسيط: المجتمع الأوربي كان يخضع لسلطة الكنيسة ورجال الكنيسة يجمعان بين السلطة الدنياوية والسلطة الأخروية  فالتحكيم في هذه الحالة لم يكن لشخص واحد وإنما لهيئة دينية.

العصر الحديث: التحكيم لم يقم به شخص بمفرده ولا هيئة ذات طابع ديني وظهر نوع جديد يسمى بالتحكيم القضائي وكان السبب في ظهور هذا التحكيم هو قضية الباخرة الأمريكية ” الألباما ” وموضوع هذه القضية : ( حدث أثناء حرب الإنفصال الأمريكية أن كانت انجلترا تقدم المساعدة سرا لولايات الجنوب ببناء السفن التي كانت تستعملها في الأعمال الحربية وبتموينها في الموانئ الإنجليزية، ثم خرجت بعد تسليحها تعتدي على مراكب ولايات الشمال فأغرقت عدد منها وسببت لهذه الولايات أضرارا كبيرة فلما انتهت الحرب بانتصار ولايات الشمال طالبت إنجلترا بتعويضات عن هذه الأضرار على أساس أن موقف هذه الدولة كان مخالفا لأصول( قواعد) الحياد الدولي ونازعت إنجلترا في أحقية طلب الولايات المتحدة ولم تؤدي المفاوضات بين الدولتين الى حل النزاع الذي كاد ينتهي بهما الى الحرب وأخيرا أمكن لهما أن يتفقا على عرض النزاع على التحكيم الدولي ومن ثم اتفقا في معاهدة أبرمت في واشنطن 1871 تقرر فيها أن تتكون هيئة التحكيم من 05 أعضاء تعين كل من بريطانيا والولايات المتحدة واحدا منهما وتعين 03 الآخرون بمعرفة كل من ملك بريطانيا ورئيس الاتحاد السويسري وإمبراطور البرازيل.

وقد حددت المعاهدة المذكورة قواعد ثلاثة خاصة بواجبات المحايدين طلب من هيئة التحكيم أن تتقيد بها عند الفصل في النزاع واجتمعت اللجنة في مدينة ” جنيف ” في شهر سبتمبر 1872 وأصدرت قرارات لصالح الولايات المتحدة وألزمت انجلترا بدفع التعويض الملائم.

– هذه القضية جاءت بمبدأين هما:

أ- تقرير التحكيم القضائي كوسيلة لحل النزاع الدولي.

ب- المسؤولية الدولية عن أعمال سلطتها التشريعية.

الحياد في القانون الدولي له حقوق وواجبات

حقوق على الدولة المجاورة أن لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدولة المحايدة.

واجبات أن لا تنظم الى التحالفات العسكرية، الاقتصادية… أن تتسلح مثلا.

– وفي هذه القضية بريطانيا خالفت الحياد الدولي وذلك بمساعدة الدول في تسليح السفن وتدخلها في شؤون الدول المحايدة، فبريطانيا تمسكت بأنه لا يوجد قانون داخلي مكتوب أو عرفي ما يحرم عليها مساعدة الدولة.

فمحكمة التحكيم رجعت القاعدة الدولية على القاعدة الداخلية وبالتالي أمرت بريطانيا تعديل قوانينها بما لا يخالف القواعد الدولية.

التحكيم في الغرض الدولي: يخضع التحكيم الدولي لقواعد انبعثت عن التعاون

أولا: فيما يتعلق بالأساس: يستند التحكيم الى إرادة الدولة التي تبدوا في صك خاص يسمى سير التحكيم وهو عبارة عن معاهدة دولية فإذا كان مشوبا بعيب من العيوب( الغلط، التدليس، الإكراه) التي تؤدي الى بطلان المعاهدة كان الحكم الصادر بموجبه باطلا لأن ما بنية على باطل فهو باطل.

ثانيا: من حيث الموضوع: التحكيم الدولي لا يتناول إلا المنازعات الحقوقية والقانونية كتفسير معاهدة أو تنفيذها أو تحديد صحة وقائع أو تحديد الضرر الناشئ عن المسؤولية الدولية.

ثالثا: من حيث اختصاص المحكمين: يأتي اتفاق أو سند التحكيم ويحدد الاختصاص وعلى كل يبقى لهؤلاء ح البث في اختصاصهم ولكن لي لهم أن يتجاوزه بشكل من الأشكال وإلا اعتبر الحكم الصادر عنهم باطلا كأنه لم يكن فهم قضاة اختصاصهم لا أسياد هذا الاختصاص.

رابعا: من حيث الأصول( الإجراءات) المتبعة في التحكيم: هي الإجراءات التي تتم عن طريق تبادل العرائض المكتوبة ونادرا ما تكون شفوية ويصدر الحكم بالأشكال القضائية. إن هذا الحكم يكون نهائيا وملزما للطرفين لا يجوز الطعن فيه إلا بطريق إعادة النظر فقط أمام المحكمين نفسهم في حالة ثبوت غش أو تزوير أو خطأ جسيم أو تهديد أو إكراه أو تجاوز الاختصاص.

في مؤتمر لاهاي1 1899 اتفقت الدول على تأسيس محكمة التحكيم الدائمة وجعلت مقرات في مدينة لاهاي وجاء مؤتمر لاهاي2 1907 ونظم هذه المحكمة على وجه التفصيل ونص على أصول العمل لديها وفي الواقع إذا نظرنا الى الأمر بتفحص وجدنا أن هذه المؤسسة لا تألف محكمة كما أنها ليست دائمة فكل ما اتفق عليه هو وضع قائمة التحكيم يكون مألفا من أربع محكمين عن كل دولة حسب المادة33 من معاهدة لاهاي1 والمادة44 من معاهدة لاهاي2 مما يشكل قائمة مشتركة يتلقى منها المحكمين عند الإقتضاء باختيار الدولتين المتخاصمتين فإذا لم تتفق الدولتان على المحكمين ويمكنهما الاتفاق على محكم واحد فقط والاكتفاء به تنتقي كل منها إثنين يجوز أن يكون أحدهما فقط من رعايا الدولة ثم يعمل الأربعة عند الإقتضاء الى انتقاء الفيصل( المرجح) من القائمة نفسها ومدة المحكمين( القضاة) ستة سنوات قابلة للتجديد. أما أهم الإجراءات الواجب اتباعها لدى المحكمة هي:

– تتقيد هيئة التحكيم بالمسائل التي يطلب إليها الفصل فيها فإن تعدتها كان قرارا باطلا بالنسبة لما لم يطلب إليها التعرض له. وذا كان طرفا النزاع قد حدد في الاتفاق الإحالة على التحكيم القواعد التي يفصل بمقتضاها في النزاع. تتقيد الهيئة أيضا بهذا التحديد وإلا فإنها تطبق القواعد الثابتة في القانون الدولي العام مع الرجوع بطبيعة الحال الى ما قد يكون بين الدولتين المتنازعتين في معاهدات أو اتفاقيات تتصل بموضوع النزاع وليس لهيئة التحكيم أن تفصل في النزاع وفقا للمبادئ والقوانين العامة أو بقواعد العدالة والقانون الطبيعي ما يجز لها ذلك طرفا النزاع وتتضمن الإجراءات أمام المحكمة إجراءات كتابية وأخرى شفوية.

فأما الكتابية فتشمل تقديم مذكرات مكتوبة لهيئة التحكيم من جانب كل من طرفي النزاعي مع تبادل هذه المذكرات بينهما والرد عليها وتصحب هذه المذكرات بالمستندات التي تؤديها( الوثائق) وبكل ورقة تقدم للهيئة من أحد الخصوم يجب أن تعلن منها صورة رسمية للخصم الآخر ولا تجتمع هيئة التحكيم إلا بعد تمام الإجراءات الكتابية حسب المادة63 من اتفاقية لاهاي2.

ثم نبدأ الإجراءات الشفهية وتشمل مرافعة ممثلي الخصوم أمام الهيئة ولكل من طرفي النزاع أن يبدي ما يراه مناسبا للدفاع عن وجهة نظره وأن يتقدم بدفوع فرعية تفصل فيها هيئة التحكيم بصفة نهائية بحيث لا يجوز إثارتها فيما بعد المادة 70-71 من اتفاقية لاهاي2 ويدير المرافعات الشفهية رئيس هيئة التحكيم( رئيس الجلسة) ويمكن لكل من الأعضاء أن يوجها لممثلي الخصوم ما يراه من أسئلة وأن يطلب منه التوضيحات عن النقاط الغامضة ولا تكون الجلسات علانية إلا بموافقة أطراف النزاع ويسجل ما يدور في الجلسات في محاضر يحررها سكريتيريون الجلسة حسب المادة66-77 من اتفاقية لاهاي2 وتنعقد هيئة التحكيم في مدينة لاهاي إذا لم يتفق الخصوم على أن تقوم بمهمتها في بلد آخر المادة61-63 من الاتفاقية.

إن محكمة التحكيم الدائمة قد ساهمت في حل نزاعات دولية عدة نذكر على سبيل المثال قضيتان قضية المركب” ويميلدون وقضية الفارين من كزابلونكا.”

– قضية ويميلدون سنة1923 وهو مركب انجليزي يحمل مهمات( دخائر) حربية فرنسية بولونية التي كانت في حرب مع روسيا سنة1923 أراد المرور من قناة ” كيبل ” باعتبارها مفتوحة للملاحة الدولية( بحر الشمال) وفقا للمادة83 من معاهدة فرساي1 فمنعته ألمانيا من العبور ونشأ عن ذلك نزاع بين هذه الدولة وكل من فرنسا وانجلترا عرض النزاع على المحكمة ( محكمة التحكيم) ودافعت ألمانيا عن تصرفاتها أنها في موقف حياد بالنسبة للدولتين المتحاربتين إلا أن المحكمة لم تأخذ بهذا الدفع باعتبار أن معاهدة فرساي لم تعطي لألمانيا الحق في منع المرور من قناة كيبل ومن هنا قضت المحكمة عليها بالتعويض نتيجة الأضرار اللاحقة.

– قضية الفارين من كزابلونكا حدثت سنة1908 في الدار البيضاء أن حاول 6 من الجنود الفرقة الأجنبية الفرنسية الفرار من الخدمة على مركب ألماني تحت حماية قنصل ألمانيا في هذا البلد وقد تنبهت السلطات الفرنسية لهذا الأمر فاتخذت الإجراءات على الفارين فحدث أثناء إجراءات القبض تصادم وتدافع بين الفريقين نال رجال القنصلية الألمانية نصيبا منه وأدى هذا الحادث الى قيام نزاع شديد بين فرنسا وألمانيا كاد يؤدي الى حرب بينهما ففرنسا كانت تشكوا من تدخل ألمانيا في تسهيل الفرار من الجيش الفرنسي الموجود في المغرب بينما ألمانيا تشكوا اعتداء السلطات الفرنسية على الموظفين القنصليين الألمانيين وفي الأخير اتفق الطرفان على عرض النزاع على التحكيم وعينت هيئة التحكيم من قائمة محكمة التحكيم الدولية الدائمة واجتمعت في مدينة لاهاي وأصدرت قرارها في ماي 1908 وحاولت فيه التوفيق بين الدولتين فأقرت وجهة نظر فرنسا في ضرورة احترام حقوقها في مراكش وعدم جواز تدخل قنصل ألمانيا لحماية الفارين ولو كان من الرعايا الألمان ولكنها خطأتها فيما وقع من اعتداء من سلطاتها على موظفي القنصلية الألمانية وانتهى النزاع بتبادل الأسف بين الدول.

محكمة العدل الدولية الدائمة

– كيف ظهرت 1919- 1945 ؟ – ماهي الاختصاصات ( اختصاص اختياري واختصاص جبري)

– الإجراءات التي تشكلت منها المحكمة 9 قضاة على الأقل حتى15 قاضي

– الإجراءات الشفوية والكتابية.

قضية طابا بين مصر واسرائيل: سنة1988

المعاهدة التي أبرمت بين الحكومة المصرية وإسرائيل( كامديفيد1) 26/03/1979 نصت على إنهاء الحرب بين الدولتين وانسحاب إسرائيل من سيناء واستعادة مصر لسيادتها الكاملة عليها والتزام الطرفان بأن تكون الحدود الدائمة بينهما هي الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين وقت الانتداب البريطاني ونصت المادة4 من المعاهدة أن يتم حل المنازعات الناجمة عن تطبيق أو تفسير هذه المعاهدة عن طريق المفاوضات وبالنسبة لتلك المنازعات التي لا يمكن حلها عن طريق المفاوضات, يمكن التماس حلها عن طريق التوفيق أو عن طريق إحالتها للتحكيم وعندما أخفقت المفاوضات بين الطرفين وكذلك وساطة واشنطن قرر الطرفان في 11/09/1986 إحالة النزاع الى محكمة التحكيم الدولية . أنشأت بالاتفاق بينهما ونص الاتفاق على أن تكون مدينة ” جنيف” مقر المحكمة وعلى أن تكون الإنجليزية لغة المرافعات المكتوبة والشفهية أمامها وعلى أن يقبل الطرفان الحكم النهائي ويكون ملزما على تنفيذه بأقصى سرعة وبحسن نية وفي 29/09/1988 صدر حكم المحكمة لصالح مصر.

قضية جزيرة حينش الكبرى بين اليمن وإريتريا هي أحدث قضية في التحكيم الدولي وتبلغ مساحة الجزيرة 82 كلم2 وتبعد عن الساحل اليمني 28 ميل وعن شاطئ إريتريا حوالي 32 ميل وتقع على مقربه من مضيق باب المندب الذي يعتبر المفتاح الجنوبي للبحر الأحمر وادعت اريتريا بعد نيلها الاستقلال من ملكية الجزيرة وفي 15/12/1995 شنت هجوما عليها واحتلتها الا أن اليمن لم تلجأ الى استخدام القوة لاستيراد الجزيرة بل اقترحت الاستعانة بالوسائل السلمية لحل النزاع وعلى إثر الوساطة الفرنسية قبل الطرفان في 3/10/1996 بتوقيع اتفاق بإنشاء محكمة تحكيم تكون مهمتها تحديد السيادة الإقليمية على الجزيرة وتحديد الحدود البحرية بين الدولتين فتكونت هيئة التحكيم من5 قضاة عينت صنعاء 2 منهم وأسمرة2 واختير الخامس رئيسا لها واتخذت لندن مقرا لها وفي 9/10/1998 أصدرت قرار اعتبرت فيه أن لليمن حق السيادة على مجموعة جزر حنيش وأن للصيادين من اريتريا حق الصيد في المياه التي تأكدت سيادة اليمن عليها.

علاقة الحرب بالسلم والأمن الدوليين

مفهوم السلم والأمن الدوليين: ميثاق الأمم المتحدة جاء خاليا من إعطاء مفهوم السلم والأمن الدوليين رغم أنها من الأهداف الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة وسيكون تحليلنا للسلم والأمن الدوليين لا يعتمد على نصوص القانون وإنما على آراء الفقهاء والواقع العملي الدولي .

السلم والأمن الدوليين: هو يرتبط أصلا باستعمال القوة أو اللجوء الى السلاح فالأمن لغة يقصد بلوغ حالة من الاستقرار ولا بد تنشر هذه الحالة الهدوء في المقابل وكنتيجة حتمية استعمال القوة( السلاح) والإقدام على الحرب هو مساس بهذا الاستقرار مما يؤدي الى انعدام الأمن الدولي بل يعتبر خرقا له والميثاق هنا يربط حالة الأمن بالسلم الدوليين فهناك علاقة وطيدة أي إذا غاب السلم انعدم الأمن والذي تهدف إليه الدول على المدى القريب والوسيط والبعيد ومعنى ذلك أن حفظ الأمن له وسائل على المدى القريب والوسيط والبعيد وبالتالي فالحرب لا تكون أبدا وسيلة من وسائل حفظ السلم والأمن الدوليين في حين أنها تزيد من توتر النزاع الدولي.

بعض الفقهاء يطرح السؤال في حالة الدفاع هل تؤدي الى توتر النزاع الدولي ؟ في حين هناك حرب عدوانية ( أمريكا على العراق) وحبر دفاعية والتهديد باستعمال السلاح( تهديد أمريكا باستعمال السلاح ضد إيران وسوريا) مما يزيد من توتر النزاع الدولي والحرب تكون مشروعة عندما تكون حرب دفاعية والتي تكون مقدرة بقدر الوسائل التي استعملت ضدها وأن لا تنقلب الحرب الدفاعية الى حرب عدوانية وبالتالي تدخل الولايات المتحدة الأمريكية ليس حرب دفاعية بما يفسر البعض وهذا تفسير خاطئ ولكن التفسير على المدى الوسيط والبعيد هو تهديد الأمن الدولي خاصة في الدول العربية فبعد الحرب العلمية الأولى المجتمع الدولي بدأ يسعى الى الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وبالتالي أراد خلق نظام أمني الذي أصبح يتجه الى نقطتين:

1- المحافظة على السلم والأمن الدوليين. 2- القضاء على كل من يهدد السلم والأمن الدوليين.

فالهدف الأول يحققه عن طريق منع الحرب.

والهدف الثاني نحققه عن طريق منع استعمال القوة او الحرب العدوانية بغير حق وهذا على المدى القريب أما على المدى البعيد فيهدف الى الحق في التنمية للدول ومساعدتها في جميع المجالات.

خلاصة

الإطار القانوني للتحكيم الدولي

إن تطور المسارات الدبلوماسية هو دليل قوي على التكيف مع مختلف التطورات التي يشهدها الواقع الدولي و بما في ذلك حقل النزاعات الدولية لدخول فواعل و متغيرات رهنت تطور مسار الحل النزاعي وإن وجود علاقة قوية ومتماسكة بين مختلف المسارات الدبلوماسية سيساهم بلا شك في الحد من النزاعات الدولية و إرساء السلم بعيدا عن الحلول العسكرية أو القائمة على مفهوم القوة ورغم التحديات التي توجه هذه المقاربة ( خاصة في ما يتعلق تنسيق المسارات مع بعضها البعض و أي المسارات هو أولى من المسار الآخر و تأثير طبيعة كل نزاع على اختيار مسار دون آخر ) إلا أنها تبقى ذات بعد فعال و إيجابي في حل النزاعات الدولية .

إن الحديث عن الإطار القانوني للتحكيم الدولي يجعلنا أمام العديد من الاتفاقيات الدولية والعربية لذلك سنقتصر على الحديث عن بعض الاتفاقيات الدولية المؤطرة للتحكيم الدولي و بعض الاتفاقيات العربية.

الاتفاقيات الدولية

إن أهم الاتفاقيات الدولية المؤطرة للتحكيم الدولي هناك اتفاقية نيويورك، و اتفاقية واشنطن لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات و اتفاقية جنيف.

اتفاقية نيويورك:

انبثقت اتفاقية نيويورك عن المؤتمر الدولي في نيويورك في 20 ماي 1958 الذي وضع نص اتفاقية نيويورك في 10 يونيو 1958 بشأن الاعتراف و تنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية، مختلفة بذلك عن عبارة الأحكام الدولية التي افترضتها غرفة التجارة الدولية .

و يمكن حصر أهم خصائص اتفاقية نيويورك بأنها تطبق على أحكام المحكمين التي لا تعتبر وطنية في الدولة المطلوب إليها ذلك، حيث أصبح بالإمكان أن يجري تحكيم أجنبي على أرض البلد ذاته، و يصدر نتيجة حكم تحكيمي أجنبي و يطلب من القضاء الوطني لهذا البلد إعطاء صيغة التنفيذ لهذا الحكم. و تضمنت اتفاقية نيويورك أول شهادة اعتراف رسمية بمراكز التحكيم الدولية، إذا نصت على أنه يقصد بأحكام المحكمين ليس فقط الأحكام الصادرة من محكمين معينين للفصل في حالات محددة بل أيضا الأحكام الصادرة من هيئات دائمة يتحكم إليها الأطراف، كما فرقت الاتفاقية بين الشرط التحكيمي والاتفاق التحكيمي اللاحق للنزاع، و اعتبرتها شكلين مشروعين للعقد التحكيمي، و نصت على أن العقد التحكيمي ينزع اختصاص محاكم الدولة مكرسة بذلك في اتفاقية دولية آثار العقد التحكيمي.

اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار

تعتبر اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمارات و مواطني الدول العامة التابعة للدول المتعاقدة بالدخول طرفا في اتفاقية تحكيم لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات. و قد تميزت هذه الاتفاقية بكونها نجحت في تحقيق ضمان تشريعي هام يجتذب الاستثمار الأجنبي، و يعد بمثابة ضمانة للمستثمر ضد التغير التشريعي في البلد التي يستثمر فيها أمواله حيث أنها أصبحت ملزمة وفقا للاتفاقية بقاعدة تشريعية مستقرة من صميم قانونها الداخلي باللجوء إلى التحكيم، و إذا اتفقت على ذلك فلا مجال للتمسك بالقيود التشريعية الداخلية التي تحضر اللجوء إلى التحكيم بالنسبة لأشخاص القانون العام في مجال العلاقات الاقتصادية الدولية.

 

و قد أنشأت هذه الاتفاقية مركزا دوليا لتسوية النزاعات الناشئة عن الاستثمار فالمادة 25 تنص على اختصاص المركز بتسوية المنازعات التي تثار بين الدول و المستثمرين الأجانب، كما تنص المادة 54 من الاتفاقية على أن الدول الأعضاء في الاتفاقية تعترف بحجية أحكام التحكيم الصادرة عن هذا المركز و تضمن على أراضيها تنفيذ الالتزامات المالية الناشئة عن هذه الأحكام .

اتفاقية جنيف:

حددت المادة الأولى من الاتفاقية مجال تطبيقها في أحكام التحكيم التي تقوم على اتفاقات تحكيمية مبرمة من أجل تسوية المنازعات الناشئة أو التي يمكن أن تنشأ بمناسبة عمليات التجارة الدولية بين أشخاص طبيعيين أو أشخاص معنوية توافر لها مجال إقامة عادية أو مقر في دول متعاقدة في دول متعاقدة مختلفة.

و يلاحظ أن اتفاقية جنيف قد قصرت نطاق تطبيقها على أحكام التحكيم الصادرة بين أشخاص طبيعيين أو معنويين لهم صلة إقامة عادية أو مقر في دول متعاقدة و مختلفة، وهي بذلك أضافت إلى المعيار الاقتصادي معيارا جغرافيا، وهذا المعيار من شأنه أن يضيف من نطاق أعمالها خاصة بمقارنتها باتفاقية نيويورك التي تطبق على أحكام المحكمين الصادرة في تحكيم دولة غير التي يطلب إليها الاعتراف و تنفيذ الأحكام على إقليمها، فضلا عن تطبيقها على أحكام المحكمين التي لا تعتبر وطنية في الدول المطلوب إليها الاعتراف أو تنفيذ هذه الأحكام.

الاتفاقية العربية

من أهم الاتفاقيات العربية المؤطرة للتحكيم الدولي نجد اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي و اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري.

اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي

بتاريخ 6 أبريل 1983   وقعت الدول الأعضاء في الجامعة العربية في الرياض اتفاقية إقليمية للتعاون القضائي ألغت اتفاقية الجامعة العربية لعام 1952 حول تنفيذ الأحكام القضائية و التحكيمية .

إن أهم ما جاءت به هذه الاتفاقية هو الاعتراف بتنفيذ الأحكام و القرارات التحكيمية في المواد المدنية و التجارية والإدارية والأحوال الشخصية كما تؤكد الاتفاقية على الصفة التنفيذية للقرارات التحكيمية الصادرة في دولة متعاقدة، دون أخذ بعين الاعتبار جنسية الفريق التي صدرت لمصلحته عندما يعرض الحكم التحكمي عليه بهدف تنفيذه، فلا يكون أمامه إلا احترامه بكليته أو رفضه في بعض الحالات المعنية.

اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري الدولي

بعد سلسلة من اللقاءات بين بعض الدول العربية، وقعت هذه الأخيرة الاتفاقية العربية للتحكيم الدولي بصيغتها النهائية بعمان ومن أهم ما جاءت به هذه الاتفاقية إنشاءها العربي للتحكيم التجاري مقره بالرباط تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة و تلحق إداريا بالأمانة العامة لمجلس وزراء العدل العرب.

وأهم ما جاءت به هذه الاتفاقية هو أن التحكيم وفقا للاتفاقية له طريقان إما الشرط التحكيمي السابق للنزاع أو الاتفاق التحكيمي اللاحق للنزاع.

تطبق الاتفاقية على النزاعات التجارية الناشئة بين أشخاص طبيعيين أو معنويين أيا كانت جنسياتهم يربطهم تعامل تجاري مع إحدى الدول الأعضاء أو أحد أشخاصها أو تكون لهم مقار رئيسية فيها.

هذا ما يخص بعض الاتفاقيات الدولية المؤطرة للتحكيم الدولي فماذا عن البعد الممارس لهذه الاتفاقيات.

لقد ساهمت هذه الاتفاقيات الدولية المبرمة في مجال التحكيم الدولي في ترسيخ ثقافة التحكيم لدى شعوب وحكومات دول العالم، سواء من حيث إبرازها لفعالية التحكيم في حل المشاكل والمنازعات بعيدا عن القضاء الوطني لكل طرف، أو من حيث تبسيطها لمساطر و شكليات اللجوء إلى التحكيم كما أن الملاحظ  ازدياد الاتفاقات الثنائية بين الدول في ما يخص التحكيم الدولي، فهذه الاتفاقيات الثنائية تحل في البلدان عليها محل القوانين الداخلية المطبقة في مادة التحكيم .

 

عموما يمكن القول أن التحكيم التجاري الدولي أضحى من بين أهم الوسائل البديلة التي يلجأ إليها لحل المنازعات ، خصوصا في المجال التجاري الذي عرف تطورا كبيرا في السنين الأخيرة، حيث أصبح العالم قرية صغيرة كثرت فيه المبادلات التجارية بشكل كبير. إلا أن هذا لا يصنع من وجود بعض الصعوبات و العراقيل تحذف من فعالية التحكيم الدولي.

حدود التحكيم الدولي

إن أهم إشكال ما زال يحد من فعالية التحكيم الدولي هو مشكل تذييل قرارات التحكيم الدولي بالصيغة التنفيذية من طرف قاضي الدولة التي سينفذ فيها القرار، فهذا الشرط يعتبر عقبة في تنفيذ قرارات التحكيم، على اعتبار أن القاضي الوطني غبر ملزم بمنح الصيغة التنفيذية لكل قرار تحكيمي، بل يمكن أن يرفض منح القرار هذه الصيغة التنفيذية لأسباب مرتبطة مثلا بالنظام العام، أي أن القرار التحكيمي يتعارض مع مبادئ النظام العام المؤطرة لدولته، مع العلم أن النظام العام يختلف من دولة إلى أخرى تبعا لعدة عوامل كالدين والأعراف والتقاليد و بالتالي فإن مصير الكثير من قرارات التحكيم سيكون الرفض.

خـاتـمـة:

أخيرا يمكن القول أن التحكيم  الدولي: أصبح من أنجع الوسائل البديل لتسوية المنازعات خصوصا في الميدان التجاري، نظرا لكثرة النزاعات التي يعرفها هذا الأخير، و في تبسيط إجراءاته و شكلياته إلا أن كثرة هذه الاتفاقيات و تباعد مضامينها و قواعدها لا زال يحذف من فعالية التحكيم الدولي، مما يستدعي إصدار قانون موحد للقانون الدولي.

 

المستشار الدكتور المحامي  بشير حسن بدور

 

مستشار دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية

عضو مجلس إدارة مركز العدل والاحسان الدولي

شارك الموضوع:

التصنيفات: دراسات