الأناركية: تغييب السلطة أم تحديث الفوضى؟

الأناركية او أناركيزم وتدعى ايضاً اللاسلطوية، هي فلسفة وفكر سياسي وحركة إجتماعية تبلورت لأول مرة في النصف الثاني للقرن التاسع عشر فى إطار نشأة الحركات العمالية والإشتراكية وإتخذ بعض أوائل مفكريها مسمى الأناركية بمعنى اللاسلطوية إذ دعوا إلى أن ينظم المجتمع شؤونه ذاتيا دون تسلط لفرد أو جماعة على مقدرات وحياة غيرهم.

اللاسلطوية تعني الغياب التام للسلطة وليس تفكيك السلطة المركزية لسلطات متناحرة تحدث الفوضى فى المجتمع وهي تعنى إستبدال مؤسسات الدولة المركزية والهرمية بمؤسسات شعبية أفقية – أي لا يكون فيه تراتبية هرمية – وشبكية – أي لا مركزية ترتبط كل منها بالأخرى للتكامل ولإدارة الموارد المشتركة وإتخاذ القرار فيما يخصها.

على المستوى النظري ينشأ الإقتناع باللاسلطوية عن الإيمان بالحق الطبيعي لكل إنسان في أن يكون هو وحده سيد مصيره دون غيره من البشر؛ بمعنى ألا يمتلك أي فرد أو جماعة من السلطة عليه ما يسمح لهم بتشكيل حياته رغم أنفه بما يفرض عليه ظروفا لم يكن شريكا في إختيارها، من خلال هذا المبدأ يمكن فهم موقف الأناركية الرافض للدولة كشكل من أشكال تنظيم شؤون المجتمع يقوم على تركيز السلطة في أيدي أقلية تشكل خياراتها الظروف الحاكمة لمعيشة جميع أفراد المجتمع مما يعني إستلاب حق الآخرين في حرية إختيار ما يحقق مصالحهم الحقيقية وأهم من ذلك ما يحفظ حقوقهم الأساسية بدءا بالحق في الحياة وحتى الحق في السعي إلى السعادة.

ومن خلال المبدأ ذاته يمكن فهم حقيقة أن الأناركية نظرية وحركة إشتراكية في الأساس ومعادية للرأسمالية كنظام إقتصادي وإجتماعي يكون فيه لأقلية أن تسيطر على موارد المجتمع وعلى رؤوس الأموال فيه ومن ثم تحتكر إدارة الإقتصاد بما يحقق مصالحها المتمثلة في تحقيق أكبر ربحية ممكنة ومما يسلب الغالبية العظمى من حق إدارة الإقتصاد بما يحافظ على حصولها على حاجاتها الأساسية وحقوقها الإنسانية فى الغذاء والكساء والمأوى ومما يحكم على هذه الغالبية بدرجات متفاوتة من الفقر يحرم أفرادها من حقهم الطبيعي في تنمية قدراتهم إلى أقصى حد ممكن فيحرمهم ويحرم المجتمع كله من ثمار هذه القدرات.

على مدار أكثر من مائة عام، كان الاتجاه السائد في الأناركية هو الاتجاه الاشتراكي الذي ينادي بتحويل الملكية الخاصة للأرض والموارد الطبيعية وأدوات الإنتاج إلى ملكية مشتركة للمجتمعات المحلية التي تتحد مع مجتمعات أخرى لأهداف متبادلة، ولكن تختلف الأناركية عن الاشتراكية الكلاسيكية في معارضتها لفكرة وجود أية سلطة مركزية لكن الاتجاه الاشتراكي لا يمثل الاتجاه الوحيد داخل الأناركية، حيث تتعدد مدارس الفكر الأناركي وتتفرع بين اتجاهات لا سلطوية اشتراكية ونقابية عمالية وبين اتجاهات لا سلطوية ليبرالية وفردية.

ما يربط مختلف اتجاهات الفكر الأناركية عمومًا هو رفض السلطة الخارجية، سواء كانت من الدولة أو رب العمل أو الهرميات الإدارية والمؤسسات القائمة على المستوى التعليمي و الديني كالمدرسة والكنيسة، تعرضت الأناركية الاشتراكية للنقد الليبرالي لأن مفاهيمها تتلاقى مع المفهوم الشيوعي عن تلاشي الدولة في المرحلة الأخيرة من تطور البشرية وفق الحتميات التاريخية الماركسية كما انتقد الماركسيون بدورهم الأناركية الليبرالية كمنظومة فكرية “رجعية” بحسبهم لأنها بإيمانها بالملكية الفردية الصغيرة كأساس للنظام الاجتماعي تحاول عبثًا إعادة خلق أوضاع اقتصادية واجتماعية تخطتها الرأسمالية. كما اتهموا أنصارها بالنفاق لعدم الإسهام الجذري في مقاومة الرأسمالية، وعدم إيمانهم بالصراع الطبقي.

ما هي الأناركية؟

الأصول اليونانية للكلمة، من خلال ترجمة آن و آركي تبدو كشيء يشبه “بدون حكام”. غير أن هذه الترجمة ما زالت تحتوي قدرا كبيرا من الغموض والتبسيط. لحسن الحظ، قدم العلماء خلال العقود القليلة الماضية تعاريف أكثر تفصيلاً يمكننا استخدامها كنقطة بداية. على سبيل المثال، وصف رودولف روكير الكاتب الأناركي (1873-1958) ذات مرة الأناركية بأنها “اتجاه واضح في التطور التاريخي للجنس البشري، يناقض الوصاية الفكرية لجميع المؤسسات الدينية والحكومية، ويسعى إلى الكشف عن جميع القوى الفردية والاجتماعية في الحياة “.

في الفيلم الوثائقي “الأناركية في أمريكا” عام 1983، أكد عالم البيئة والمنظر موراي بوكتشين أنه يمكن للمرء أن يعتبر نفسه أناركيًا إذا آمن أن “المجتمع يمكن أن يدار بدون الدولة”. وهذا يوضح ما يعتبره الكثيرون أكثر المبادئ الأساسية للأناركية: رفض الدولة.

يلمح نعوم تشومسكي الفيلسوم الأمريكي الشهير إلى هذا المبدأ عندما يقول إن الأناركية تتناقض مع “الوصاية الفكرية لجميع المؤسسات الدينية والحكومية”. أما الفيلسوف الروسي بيتر كروبوتكين (1842-1921)، الذي غالباً ما يعتبر رائداً في الحركة، فقد اقترح ذلك أيضاً عندما كتب أن الأناركية تسعى جاهدة من أجل “أن يصبح المجتمع ذي الأشكال الموضوعة مسبقا، والتي تبلورها القوانين، مجتمعا بغيضا”. لذا فإن المبدأ الأساسي للفوضوية هو رفض الدولة. لكن ما هي الدولة؟ عادة في هذه المرحلة من المناقشات حول الأناركية يغفل المرء التفاصيل الدقيقة، حيث يبدو أن العديد منهم يأخذون القول المأثور بأن “الأناركية تعارض الدولة” كمرسوم واسع لأتباعها لمقاومة أي وجميع أشكال التنظيم الاجتماعي وهي احتمالية يجدها كثيرون مزعجة للغاية.

ومع ذلك، فإن هذه الفكرة عن الأناركية غير دقيقة. يفسر بوكتشين ويقول: “إنني لا أعني غياب أي مؤسسات، أو غياب أي شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي. “الدولة” تشير حقاً إلى الجهاز المهني للأشخاص الذين تم وضعهم جانباً لإدارة المجتمع، ولنزع سلطة المجتمع من يد الشعب” لذلك بالنسبة لبوكتشين، فإن الدولة تضم عادة كيانات مثل الجيش والقضاة والسياسيين. بعبارة أخرى، تتكون الدولة المقصودة من فئات من الأشخاص يحصلون على امتياز خاص أو درجة من السيطرة على بقية المجتمع، لكنهم لا يتصرفون عادة من داخله. ويشار أحيانًا إلى هذه الحالة باسم “السيادة”.

ومع ذلك يؤكد بوكتشين أن الأناركية لا تعارض المنظمات الاجتماعية من حيث المبدأ. بل المنظمات الاجتماعية تصبح مشكلة فقط عندما تتخذ شكل دولة. وليست كل المنظمات دول، وبالتالي، فإن الأناركيين يتعاملون مع بعض المنظمات دون غيرها. على سبيل المثال فإن النقابات العمالية نوع من التنظيم الذي يرى بعض الأناركيين أنه مفيد للمجتمع.

ولكن ما عيب الدولة؟ قدم ديفيد ميلر الإجابة الأكثر شمولاً. في حين أنه لا يكاد يوجد إجماع كامل بين الأناركيين حول خصائص الدولة التي لا يرفضونها (لا يكاد يوجد إجماع كامل بين الأناركيين حول أشياء كثيرة)، يشير ميلر إلى عدة مواضيع تتكرر في الإنتاج الأدبي الأناركي. يدّعي بيير جوزيف برودون الفيلسوف الفرنسي (1809-1865) أن ” تكون محكوما يعني أن تكون في كل عملية مسجلا، أو تدفع ضرائب أو ممنوعا أو مرخصا …”، من بين أمور أخرى. في إشارة إلى برودون، يوافق ميلر على أن الدول “قسرية” و “عقابية” ، مما يقلل من حرية الشعب “إلى أبعد من المطلوب للتعايش الاجتماعي” و تقوم “بسن قوانين تقييدية وغيرها من التدابير الضرورية، ليس من أجل رفاهية المجتمع، ولكن من أجل الحفاظ على الدولة” بالإضافة إلى ذلك، تفرض الدول “عقوبات قاسية ومفرطة على من ينتهكون قوانينها، سواء كانت تلك القوانين مبررة في المقام الأول أم لا.

ماذا يعني أن يرفض الأناركيون الدولة؟

يجادل جون بي. كلارك بأنه لكي توصف النظرية السياسية بأنها أناركية، يجب أن يكون لها “نظرة إلى مجتمع مثالي، غير قهري وغير استبدادي” بالنسبة لكلارك، فإن الأناركية “تقترح التطوع واللامركزية أو الحرية” و “الأناركي لا يريد أن يربط أي شخص برؤية واحدة للمثل الأعلى”. كما يقول إن الأناركية تتضمن، أن لا يضطر الفرد للالتزام بأي وجهة نظر واحدة للمجتمع، ويجب أن يكون لديه القدرة على “اختيار” المجتمع كما يرى. لذلك يجب أن تكون الأناركية غير ملزمة في الأساس. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع الدولة التقليدية التي وصفها برودون بشكل واضح.

وفي وجهة نظر الأناركيين هناك العديد من الأمثلة الحديثة على كون الدول قسرية أو عقابية مفرطة، أو تسن قوانين تقييدية غير ضرورية. يسارع ميلر إلى الإشارة إلى القوانين التي لا حصر لها في جميع أنحاء العالم والتي تحد من السلوكيات الجنسية التي تمت بالتراضي بين البالغين. وهناك العديد من الحالات الأخرى تتضمن قوانين ضد الأفعال التي لا تضر أحدا، أو لا تضر أحدا سوى الذين يمارسونه ، مثل القوانين التي تحظر أشكال معينة من تعاطي المخدرات. وإجمالا يعتقد الأناركيون أن الدولة بحاجة إلى رفض ومقاومة، وأن الدولة تتكون من مجموعات خاصة من الأشخاص الذين اكتسبوا السيادة على بقية المجتمع. بالنسبة للأناركي، تستغل هذه الهيراركية (هذه المجموعات) بقية المجتمع بعدد من الطرق الخبيثة، مثل إكراه المواطنين على الخضوع لإرادتهم بفرض عقوبات مفرطة على انتهاك القوانين التي قد يمكن تبريرها أو لا. وهناك مناقشة مثيرة للاهتمام بين الأناركيين حول ما إذا كانت جميع الدول إشكالية بطبيعتها أم لا. ربما تكون جميع الدول الموجودة حاليًا سيئة للغاية، وهذا يترك إمكانية أن يكون هناك شيء يسمى دولة خيرة.

انواعها

“الأناركية الشيوعية” أو “الأناركية النسوية”، أو ربما سمعوا أن التحرريين السياسيين مثل الأناركيين، بطريقة ما، قد يُغفر للمرء التيه بين كل هذه المسميات، والتساؤل عن الفرق بين الأناركية النقابية مثلا والأناركية الأنانية، أو كيف يمكن للشيوعية الأناركية أن ترتبط بطريقة أو أخرى بالتحررية؟

بشكل عام، هناك فئتان من الأناركية التي يتم تحديدها عادةً في الأدبيات، والتي تقع تحتها الفئات الفرعية الأخرى وهما: الأناركية الاجتماعية والأناركية الفردية، وقد تمت الإشارة إلى الأناركية الاجتماعية في الماضي باعتبارها “شكل من الاشتراكية الخالية من الدولة” إنها فئة واسعة تشمل تيارات مثل الأناركية الجماعية، والأناركية النقابية، والشيوعية الأناركية وأوجز ميخائيل باكونين (1814-1876)، وهو أحد أوائل المفكرين في الأناركية الاجتماعية، خصائصها الأساسية: “يعتقد الشيوعيون أنه من الضروري تنظيم قوى العمال من أجل الاستحواذ على القوة السياسية للدولة. بينما يقوم الثوري [الأناركي] الإشتراكي بالاتساق مع رؤية التدمير، أو إذا كنت تفضل تعبيرا أكثر دقة، مع تصفية الدولة”.

والشيوعيون هم المتحيزون لمبدأ السلطة وممارستها، بينما يضع الاشتراكيون الثوريون إيمانهم في الحرية فقط بالإضافة إلى ذلك، تميز بيغي كورنغر بشكل فريد بين ما تسميه “الفردية الصارمة” و “الفردية الحقيقية”، حيث تتوافق الأخيرة فقط مع نوع من الاشتراكية غير السلطوية التي تتصورها من أجل مجتمع جيد، بالنسبة إلى كورنغر، فإن هذا يعني “الموازنة بين المبادرة الفردية والعمل الجماعي من خلال إنشاء هياكل تسمح باتخاذ القرارات في أيدي جميع الأشخاص في مجموعة أو مجتمع أو مصنع، وليس في أيدي” الممثلين “أو” القادة”.

بينما تؤكد الأناركية الفردية، على النقيض من ذلك، أن المرء يسعى وراء رغباته بغض النطر عن رغبات أي مجموعة، وأن الدولة لا تمثل سوى عائق في تحقيق هذا الهدف، وينسب هذا الرأي عادة إلى أمثال إميل أرماند وماكس شتيرنر في أوروبا، وإلى بنيامين تاكر والحزب التحرري في الولايات المتحدة الأمريكية وكما يقول أرماند، “يرغب الأناركي في أن يعيش حياته، قدر المستطاع، أخلاقياً وفكريا واقتصادياً، دون شغل نفسه ببقية العالم، مستغَلين أو مستغِلين”، ولا يوجد “أرضية مشتركة بين الأناركيين و أي بيئة تنظمها قرارات الأغلبية أو رغبات النخبة ”

يقول جويل سوشير، الذي يكتب عن رون بول وحزب التحررية، إن “الأناركية والتحررية هما فلسفتان سياسيتان تشتركان بوضوح في نفس المكان”، حيث أن “الأناركية ، بأي شكل من أشكالها، تؤيد نضال الفرد ضد المؤسسات”، وعلى خلاف الأناركيين الجمعيون، يدرك الأناركيون الفرديون ذلك، أنه حتى بدون الدولة، يمكن أن تنشأ النزاعات بين الفرد والمجموعة، بين رغبات الفرد ورغبات وقيم الأغلبية. ومع ذلك، لا يمتلك المرء الحرية الحقيقية، بالنسبة للفردي، إذا كان عليه أن يهدئ رغباته ببساطة لإرضاء الآخرين.

مجتمع يعمل بدون دولة؟

قد يتساءل المرء بطريقة معقولة كيف يتعامل المجتمع الأناركي مع الأوضاع التي يعتدي فيها فرد ضد شخص آخر، على سبيل المثال في السرقة المسلحة أو محاولة القتل إذا عارضت الأناركية قوات الشرطة والقضاة والسجون، تذكر أن الأناركيين، بحسب موراي بوكتشين، لا يعارضون بالضرورة جميع أشكال التنظيم الاجتماعي، وهناك ملاحظة مماثلة أدلى بها ميلر عندما كتب أنه “سيكون من الخطأ استنتاج أن الأناركيين يعتبرون جميع الوظائف التي تقوم بها الدولة الآن غير ضرورية”، وفي حالة العنف من شخص إلى آخر، “يعترف الأناركيون … أنه في هذه الحالات قد يكون من الضروري اتخاذ بعض الإجراءات الجماعية؛ وبمعنى آخر يستطيع الأناركيون أن يتحركوا لمواجهة أعمال العنف الفردي، وهذا لا يتعارض مع رفضهم للدولة.

نقاط مشتركة وفاصلة بين الماركسيّة والأناركيّة

ثمة نقاط مشتركة بين الأهداف التي تجمع التيارين خلال صراعهما الطبقيّ وهذا جليّ، من أهمّها تغيير المجتمع عبر تأسيس نظام يستند على العدالة والمساواة، غير أنّ سبب الانشقاق الحاصل بينهما حسب ما ظهرت في مجادلات منظري الأناركية والماركسية هو ليونة الاشتراكية السلطوية تجاه الدولة، في حين كانت الأناركية أكثر وضوحاً في موقفها تجاه إزالة الدولة تحت مظلّة “لا أرباب ولا سادة”، وبذلك تجسّد نضال الأناركية التقليديّة عبر ثلاث محاور، حسب ما تشير أديباتهم: “الدولة – رأس المال – الكنيسة”.

فالأناركية التقليدية اتخذت مساحة أوسع من الاشتراكية السلطوية، التي اكتفت بخوض الصراع الطبقيّ، وقد استلهمتها منظمات الطبقة العاملة فيما بعد، وشخصيات ثورية استطاعت تطوير الفكر اللادولتي على غرار ميخائيل باكونين الأناركيّ الروسيّ الذي كان لاجئاً في ألمانيا، واعتبر إسكان فكرة وجود ضرورة الدولة في عقول الناس بمثابة وهم :”نظريّ يلتهم حياة الشعوب” كذلك فسّر مالاتيستا هوية الدولة بأنّها لا :”تخلق الطاقات بقدر ما تبدّد وتشلّ وتدمّر قوى هائلة بأفعالها”.

بقيت العقدة التي تخلط وتمزج بين الأناركية والاشتراكية السلطوية سائدة في الأوساط العامة، نظراً لاشتراكهما في غايات مماثلة، كإنهاء استغلال الإنسان للإنسان في النظام الرأسماليّ المدشن، وقد رد أدولف فيشر وهو أناركي معاصر في تحديد هذا التميّز القائم بقوله:” كلّ أناركيّ اشتراكيّ، لكن ليس بالضرورة أن يكون كلّ اشتراكيّ أناركي مما اضطر بعض الأناركيين المعاصرين إلى تبنّي مصطلح أكثر وضوحاً بغرض إزالة هذا الالتباس من خلال الإعلان عن أنفسهم اشتراكيين أو شيوعيين ليبرتاريين.

ويذهب البرفسور الأمريكي والناشط الأناركيّ السياسيّ ديفيد غروبر في وضع تمييز بين الماركسيّة والأناركيّة في مؤلّفه “الأناركية، والثورة والإنسان” ففي حين يصف الماركسيّة بأنّها مالت لأن تكون خطاباً نظريّاً أو تحليلياً عن استراتيجية الثورة، مالت الأناركية أن تكون خطاباً أخلاقياً عن الممارسة الثورية، وديفيد غروبر في كتابه “الأناركية والثورة في الإنسان” يوضّح من وحي تاريخ الثورة الروسية حجته: “إنّ الاشتراكيين السلطويين متفقون مع الليبرتاريين بأنّ الدولة رمز العبودية، لكن السلطويين يجدون أنّ ديكتاتوريتهم؛ أي ديكتاتورية البروليتاريا هي وحدها القادرة على الإتيان بالحريّة باعتبارها الصالحة والحامية والعالمة، مما أدّى بالليبرتاريين بتوجيه انتقادات لاذعة لها حول رؤيتهم الداعية إلى ضرورة الحفاظ على استمرارية الدولة بعد الثورة، ووفقا للأناركيين فهم لا يغيّرون إلا المسمّيات، والنقد الليبرتاري في مواجهة الاشتراكيّة السلطويّة سيثبت صحته في النتيجة التي توصلت إليها الثورة الروسية”.

وعطفا على ما ورد، لم يكن الصراع السياسيّ الشامل ضمن دائرة اهتمام الاشتراكية السلطويّة بصفة عامة، خاصة لو نستحضر تاريخ نشوء النقابات العماليّة أو الجمعيّات التي اقتصر نشاطها على الفئة العماليّة، ولم تشمل باقي الفئات والشرائح الاجتماعية، وكأنّهم قلبوا وبشكل معكوس الهرم الليبرالي الاقتصادي، حيث اشعلت ثورة معكوسة من خلال تبوّء دولة الديكتاتورية البروليتارية عبر صراعها الطبقي المتمثّل في الاقتصاد بأنّه المسار الأخير لتحديد التطور التاريخ البشري، في هذه الفرضية انعزل دورها ضمن سياق مناهضة الرأسمالية بمعناه الاقتصادي المعكوس.

بعبارة أخرى، انعزلت الاشتراكيّة السلطويّة عبر صراعها الطبقيّ في عملية قلب الأدوار أو المواقع ما بين الرأسمالية وبين الاشتراكيّة السلطويّة من حيث تبديل الدولة الرأسمالية بالدولة البروليتارية – تبديل هرمية الدولة من الأعلى إلى الأسفل إلى؛ من الأسفل إلى الأعلى، المعروف أنّ الرسمالية انطلقت من وحدته التحليلية للمجتمع والاقتصاد والتاريخ بناء على نظريّات الاقتصاديين الإنكليز أمثال أدم سميث وريكاردو، بتركيز العملية الاقتصادية في هيئة “البنية التحتيّة” كرافعة للوجهة الأساسية للتطور التاريخي، وهي مقولة قبلت بها الاشتراكيّة السلطوية في قالب الاقتصادوية الاختزالية، على أنّها بمثابة الوجهة التاريخيّة لتطوّر المجتمعات، ويستوجب للبروليتارية الاستحواذ عليها، على الرغم من محاولات نقديّة جادة من قبل روزا لوكمسبورغ وانطوني غرامشي في تقويم هذا المسار التحليليّ الضيّق، لكن العدوى بقيت تفعل فعلتها في جسم الحركات الاجتماعية الثورية، قصارى ما ذُكر أعلاه، تراجعت الحركة الأناركيّة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وانغلقت على نفسها لمدة طويلة، حيث انقطعت عن النقابات العماليّة بعد أن قام الديمقراطيون الاشتراكيون باحتكار النقابات، كذلك فإنّ الشعار الأناركيّ “الدعاية عبر الفعل” قد انعكست سلباً عليها، نتيجة انزلاق تيارات متناثرة إلى استخدام العنف والمتفجرات والاغتيالات، مما جعلها منعزلة عن الجماهير بحكم تثوير الدعاية المضادّة أيضاً بطبيعة الحال، لذلك كان لابدّ للحركة الأناركية مراجعة ذاتية شاملة من خلال التخليّ عن أعمال العنف أولاً، والتوجّه نحو الجماهير لنشر الأناركيّة بشكل أوسع، والعمل على اختراق النقابات العمالية التي احتكرها الديمقراطيون الاشتراكيون.

دلال العكيلي

شارك الموضوع:

التصنيفات: _آخر الأخبار,_سلايد,دراسات