متطلبات العصر

تدعونا لفهمها، لكون كامل بؤسها يحمل فصولاً حيوية تعمل على خفض العنف المحلي الإقليمي العالمي، مع المطالبة بعصرنة الديمقراطية المتأرجحة بين حبال المآزق السياسية والفكرية والثقافية، التي أقول فيها: إنها غير موجودة، وإذا سألتَ جمهورياً أمريكياً عن الديمقراطية يقول لك: أنا لا أعترف بها ولا بحزبها، فأنا جمهوري، ونحن هنا نؤكد أننا جمهوريون.
دعونا نتمسك بالتفاؤل الذي غدا أكثر من ضروري بإمكانية الوصول إلى حلول لانهيار الصراعات الإيديولوجية والدينية بين شعوب الأرض، فالتفاهمات بين قوى الصراع الكبرى؛ أمريكا والصين وروسيا وأوروبا والأصغر منها في الشرق الأوسط مطالبة بالوصول إلى تعريفات جديدة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبعد ما شهده العالم برمته من تطور هائل لتكنولوجيا المعلومات نجد أن عليه اعتماد أنماط واقعية للتعامل مع تحديات الأوقات الراهنة، أو على أقل تقدير تحديثها، وإذا خصصنا واقعنا العربي من محيطه إلى خليجه وجدنا الكثير من حالات الوهن، وتضعضع بنيانه وانحلال أفكاره، وأهمها العروبة الحاضنة الحضارية للعرب، التي داهمها الخطر الشديد، ناهيكم عن القومية الكلية الريادية للأمة، وما تحمله من علمية عملية تؤدي إلى التطور، والتي هي أيضاً في أكثر من خطر. المشكلة الرئيسة تكمن في نوعية الخطابات وآثارها الإيجابية والسلبية على مكونات المجتمع العربي، الذي يتفاعل مع الخطب ومفرداتها التي إن أفادت بعضه أضرت سواده، والعكس ينطبق من باب أن كلماتها تؤسس لخلق الاستقرار أو الاستهتار، وتنشر التسامح أو التكاذب، وتحقق إنجازات، وتعلي من شأن وحدة الوطن وبنيانه، كما أنها تشرذم وتفرق وتقصي وتنفر وتهدم وتدمّر متطلبات العصر، ترينا واقعنا العربي المتخلف واقتصادات عاجزة أو رهينة أمام ما تحتاجه مجتمعاتنا رغم وفرة المواد الأولية والأجيال الخلاقة والشابة فيها بشكل خاص، هذه التي إن لم يتم استيعابها فإنها تتحول إلى سيول جارفة، أمواجها منظورة للقاصي والداني، هذه التي مازالت تجابه بالاستخفاف والهوة المشادة من النخب التي لم تؤمن بالنزول إليها والتواصل معها.
هل حددنا مآزق الأمة الواحدة رغم توزعها وتنوعها في أقطارها وخلف أسوارها، والأسئلة المحرجة التي يبدو أن لا أحد يريد الإجابة عنها، وأهمها المسؤولية الكبرى تجاه القضايا الوجودية للأمة العربية، إضافة إلى لجم التدخلات الخارجية التي من دونها ستكون هناك أكثر من صعوبات لإيجاد أرضيات للمسائل السياسية الخلافية العربية وللدينية الداخلية، ولا يمكن أن يتحقق نجاح أي علاقة مادامت مفردات الخطاب العربي تقليدية، والمتحدث الأقوى والأعلى في خلاف، فما تقدمه هذه الكلمات تعتبر ركائز رافعة لنجاح طرحها، أو هادمة مفرقة مدمرة على أصحابها، وإذا كان الإنسان آلة ميكانيكية يديرها حب الذات، فعليه ألا ينسى أن في داخله بعضاً من كل الناس، والناس أفكار وآمال وأعمال وأحلام، فيهم العالم كما فيهم الجاهل، فإذا لم تكن الأزمات كالصدمات، وشكلت دروساً، وحملت العبر لنتعلم منها، فسنبقى مرتجفين خائفين أمامها، غير قادرين على رميها وراءنا، وبها نتخلف ونستمر على ذلك، من دون تحقيق أي وجود، وماذا سيكتب عن هذا العقد العربي المشؤوم من الزمن، وطالما دخل أسماعنا أن التاريخ يكتبه الأقوياء المنتصرون، أي إنهم يعيدون كتابة التاريخ كما يريدون من باب أن من بيده القوة والقلم يسطره كما يشاء ويهوى، وما أشهر العرب في اللعب بالتاريخ، لأن المنكسرين المهزومين أيضاً كتبوا التاريخ كما رأوه، أو أن الناجين من تداعياته صاغوه بافتخار مسوغين انكسارهم، ليتوه أبناء الأمة عن جغرافيتهم بين تواريخهم، يعودون بخفي حنين وأملهم أن يكتبوا تاريخاً جديداً، يستندون إليه، ولنعترف أن الوصاية بالادعاء جهل بالتاريخ، ولم يقدر أحد على احتكار الحكمة طوال حياة الكون، وما يخلّف الواقع العربي النظر إلى الأجيال الجديدة من الأعلى وإطلاق الأحكام عليها، والتاريخ رغم كل التلاعبات الحاصلة فيه لم يعرف الانقطاع بين مجرياته وتجاربه وأجياله، وفي حدّ ذاته يعتبر منظومة تراكمية، فإذا نسفت ارتبكت الخطا وتاهت الخبايا، واختلفت مع الخطايا، ما يدعو الجميع للتوقف والمراجعة من أجل بناء تاريخ وطني عروبي قومي نوعي، ينقذ الجميع مما سيأتي، ويعيد للجميع الكرامة للمواطن الوطني ولأوطانه المنقسم فيها.
متطلبات العصر لا تحتاج للعمل الفردي، بل إلى العمل الجماعي مع تفعيل مبدأ ابدأ بنفسك، ومن ثم بالآخر، أي تقديم المبادرات حتى وإن كانت صغيرة، فأعظم التحولات تأتي من أصغر التغيرات رغم صعوبة قبولها، إلا أن الإصرار على إنجاحها يوصلها إلى ما تريد، ربما في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاورونك، ثم تنتصر شريطة أن تمتلك عناصر العلم والإيمان والإرادة، فإذا امتلكتها وصلت إلى الآخر الذي من دونه لا وجود لك ولها، ومعه تصبح أكثر، ومعهم تظهر قوة المجتمع الحي الذي يشار إليه بأنه خلّاق متّحد، يمتلك أرضية مشتركة، ويغدو قادراً على خلق زخم نوعي يتجه به لحل مشكلاته، ويكون أكثر استعداداً للتصدي للتحديات الأكبر، إن وصل إلى فهم معنى التجانس والتشارك فيما بينه، وأدرك أن بهذا الشكل تتطور حياته، وإذا وصلنا إلى معرفة أن التكنولوجيا إن لم نلتهمها فستلتهمنا حتماً، بحكم امتلاكها لقدرات تطوير خارقة، وهي تدفعنا لامتلاكها بشرط أن نجيد التعامل معها، فهي القادرة على تحريرنا من القيود المطبقة في قراراتنا على سوادنا، فالتواصل والتعبير لطالما كان سابقاً مفقوداً، لكنه الآن مفردة مهمة من مكونات العصر ومتطلباته، وأعداء العصر يسعون للتوسع والانقضاض على مقدرات الشعوب، لا إلى إحلال الأمن والأمان، فإن لم تسِرْ مع التطور ومقتضياته، فمؤكد أن الاستباحة مستمرة، وإذا كان المبدأ من صنع الفيلسوف، والمسار يخطه المفكر، فيكون القرار بيد السياسي، فقرار المنع يهدف لفهم الحاصل، وقرار الفسح يعني حل المشكلة، ومع ضرورة فسح المجال للأجيال الشابة، فإن العدالة بين الأجيال مطلب عقلاني، حيث المبدأ متوافر قبل الأزمة، والحل يلد بعد ظهورها، ونتائجه تكون بانتهائها، وغايتي هنا تدعو لعدم الاكتفاء أو التوقف عند الحلول الجريئة أو الفردية التي اعتادها العقل العربي، وبعدها تحدث الاستكانة، وفي الاعتقاد أن المطلوب قد تحقق، بينما الآخرون ذهبوا ووصلوا بعيداً، وهنا لا تنفع الاستفاقة، وإذا حدثت فإنها تكون مأزومة، ليبدأ البحث من جديد.
متطلبات العصر تدعو لوضع إستراتيجيات للحروب القادمة، التي لن تنتهي من إقليمنا الروحي الحامل لضفتي التطرف والتديّن، وبينهما يمر كل شيء؛ العلم والتطور والإيمان والعلمانية ضمن نهر جارف لا يسمح بالاستقرار حتى لديمومة الزهور.
الكل مستعجل يريد القطاف قبل حصول الثمر أو كسر الأغصان الحاملة للخير والبهجة، وهنا أسأل: هل وصلنا لدرجة الحس السليم الذي يفترض أن يكون أكثر المشتركات بين المجتمع وأفراده، والصراع الحاصل هو بين الأنانية الفردية وأنانية المجتمع الهجومية على كل شيء، ومنه يكون واقع المنطقة العام، فساد في الطبيعة الإنسانية وتقدير القدر الكوني وتطلبات الأنا المتعجرفة، وجميعها تقف سدوداً في وجه إنجاح العمل والإنتاج ومواكبة العصر الذي ينادي الوعي خوفاً على مصيره، فالمأساة في واقعنا ثقافة فكرية سياسية، كيف بنا نفلت منها؟ فإذا لم نتغير فإن التقدم أكثر من مستحيل، على الرغم من إيماني بأن لا مستحيل مادامت هناك إرادة ممكن، في سبعينيات القرن الماضي ظهر مفهوم التحديث، ونجح كثير من الدول في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وحتى في إفريقيا بتنفيذه، ونحن أيضاً أخذنا به، فما الذي أوقفه عندنا واستمرّ لدى الآخرين؟ متطلبات العصر تنتظر إجابات واقعية.

د. نبيل طعمة – الوطن

شارك الموضوع:

التصنيفات: أدب وشعر