خطاب الرئيس الأسد وفقاعات أردوغان

ظهور الرئيس بشار الأسد عبر شاشات التلفزة والإعلام المرئي في دول المنطقة والعالم لم يكن ظهوراً أو مشهداً عادياً خصوصاً لجهة التوقيت ومضمون الكلمة التي خص بها مدينة الشهباء وأهلها متوجهاً في الوقت عينه بالشكر والثناء على الإنجاز الإستراتيجي الذي حققه الجيش العربي السوري في تلك المنطقة العزيزة الغالية من الجمهورية العربية السورية.
من حيث التوقيت جاء ظهور سيادة الرئيس بشار الأسد في لحظة تاريخية مفصلية تعيشها سورية والمنطقة خصوصاً على جغرافية الشمال السوري حيث تتساقط أوراق اللعبة الدنيئة التي مورست على سورية لأكثر من ثمانية أعوام متواصلة وتحديداً من البوابة التركية.
أما المضمون فإن كلمة الرئيس الأسد تضمنت رسائل بالغة الأهمية توزعت باتجاهات عدة وبالأخص باتجاه الرئيس التركي رجب أردوغان الذي لم يحصل على شرف ذكر اسمه في خطاب الرئيس الأسد مكتفياً بوصف تصريحات أردوغان وصراخه العالي بمجرد فقاعات إعلامية آتية من جهة الشمال كرسالة واضحة ومعبرة تقول: اصرخ ما شئت فإن القرار السوري قد اتخذ وإن بواسل الجيش العربي السوري ينفذون المهمة بدقة ونجاح وإن ما كتب قد كتب.
أما الأمر اللافت فهو أن دولاً خليجية وأوروبية شكلت رأس حربة في المؤامرة على سورية، تعمدت ولأول مرة النقل المباشر لكلمة الرئيس الأسد عبر الإعلام المرئي، مزينة بتعريف رئيس الجمهورية العربية السورية بشار الأسد بعد زمن استبدلت فيه اسم الجمهورية العربية إلى مسمى النظام السوري وفي إشارة واضحة على تبدل المواقف واعتراف صريح بانتصار إرادة صمود سورية الإستراتيجي والتسليم بانكسار مشروع إسقاطها.
مما لا شك فيه أن تبدلاً استراتيجياً بدا واضحاً في مواقف الدول ولاسيما الخليجية منها والأوروبية لجهة المطالبة بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واعترافاً منها بالدور الأساسي والمحوري للدولة السورية في محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيمي القاعدة ومتفرعاته من الإخوان المتأسلمين المدعومين من تركيا رجب أردوغان.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب فور تبلغه تمكن الجيش العربي السوري من تحرير كامل ريف حلب وتأمين المدينة التي خصها الرئيس الأسد بكلمته المتلفزة، تلقى اتصالاً مستعجلاً من أردوغان الذي طلب النجدة الأميركية كي تطلب من حلف الناتو التدخل لوقف التقدم السريع للجيش العربي السوري وخصوصاً بعد إعلان سيطرته على الطرق الرئيسة وتمكنه من إعادة وصل الشمال السوري مع العاصمة دمشق.
لكن ترامب وبعد انتهاء المكالمة مع أردوغان صرخ بوجه مستشاريه قائلاً لا أريد سماع أي شيء عن سورية ولن أتدخل عسكرياً هناك.
لم يكتف أردوغان بطلب المساعدة من ترامب والناتو بيد أنه وفي خطابه أمام البرلمان التركي ذهب أبعد من ذلك وبدا مهدداً متوعداً محدداً نهاية الشهر الحالي تاريخ البدء بعملية عسكرية تركية يزعم أنها ستوقف تقدم الجيش العربي السوري الأمر الذي استفز القيادة الروسية واستوجب رداً روسياً حاسماً جاء على لسان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف حين قال: ننصح القيادة التركية بالإقلاع عن التهديد وإطلاق التصاريح العالية النبرة لأنها لن تكون في مصلحة تركيا.
المتغيرات الإقليمية والدولية لم تبلغ عقل وتفكير أردوغان محتفظاً بحلمه المنطلق من خلفية إيديولوجية بإعادة أمجاد السلطنة العثمانية فهو المكابر المنتحر يخطو خطا الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين حين أقدم على غزو الكويت في محاولة لاستعادة أمجاد الملكية العراقية معتبراً إياها المحافظة العراقية التاسعة عشرة.
أردوغان المكابر قرر الانتحار على طريقة صدام حسين وذلك حين قرر زج جيشه التركي في الداخل السوري معتبراً منطقة الشمال حقاً للسلطنة العثمانية بينما تناسى هو وحزبه الذي لا يعرف العدالة بأن المسماة بولاية هاتاي هي بالأصل لواء اسكندرون السوري الذي سلبته تركيا من سورية منذ العام 1929.
أردوغان يدّعي الدفاع عن المدنيين السوريين في مدينة إدلب ويتناسى أن إدلب هي أرض سورية وسكانها سوريون أما 70 ألفاً من تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين المدرجين على لائحة الإرهاب الدولي فهم تحت رعاية أردوغان شخصيا ويتلقون الدعم العسكري والمالي من أردوغان نفسه في محاولة لتغيير أوراق اللعبة لمصلحة أحلام صارت من الماضي فإذا بأردوغان يصبح الداعم الأول للإرهاب الدولي ليس في سورية وحسب إنما في ليبيا والمنطقة برمتها.
الدول الخليجية أدركت خطر أردوغان وتنظيم الإخوان من المزاحمة على زعامة العالم الإسلامي فلم تجد مفراً من الاعتراف بهزيمة مشروع إسقاط الدولة السورية والاستدارة نحو دعم الدولة السورية برئاسة الأسد وتعزيز قدراتها في محاربة الإرهاب الدولي ولاسيما الإرهاب التركي.
أما أوروبا فهي التي استبدلت المطالبة بإسقاط الدولة السورية وتحولت إلى المطالبة بدعمها في حربها على الإرهاب وبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية والحفاظ على وحدة أرض الوطن السوري.
توتر العلاقات الروسية التركية بدا واضحاً وأعادنا إلى حقبة نهاية تشرين الثاني 2015 حين أسقط أردوغان طائرة السوخوي الروسية فوق سورية، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض طلباً من أردوغان بحصول اجتماع ثنائي لبحث تطورات الوضع في إدلب ونواحيها.
الرد الروسي كان دائماً أن على تركيا الالتزام بمقررات اتفاق سوتشي واستانا في إشارة إلى تخلف تركيا عن الإيفاء بالتزاماتها التي أبرمت بين روسيا وتركيا وإيران.
كان لافتاً تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر الأمن في ميونخ حين قال إن الانتهاء من الإرهاب في الشمال السوري أمر محسوم.
آخر أوراق أردوغان اللجوء إلى قمة رباعية في الخامس من الشهر المقبل تضمه والمستشارة الألمانية إنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والرئيس بوتين في محاولة أردوغانية مكشوفة لإلغاء اتفاق سوتشي والحصول على اتفاق أوروبي روسي تركي جديد برعاية الأمم المتحدة، لكن الرئيس الروسي حذّر كل من ميركل وماكرون من تلك المحاولة وأصر على إجبار تركيا على تنفيذ بنود اتفاق سوتشي.
إذاً الحزم الروسي هذه المرة بدا واضحاً خصوصاً بعد قيام القاذفات الروسية الإستراتيجية بضرب القوات التركية الداعمة للتنظيمات الإرهابية وتكبيدها الخسائر البشرية ما يعني أن لا مجال للمهادنة أو لإعطاء الوقت أو الركون لوعود أردوغان بعدما ثبت للقيادة الروسية عدم الوفاء التركي.
بات أردوغان يدور في حلقة الخيارات الخاسرة فمنذ بداية الأزمة السورية صرخ بجماهيره متوعداً بسقوط الرئيس بشار الأسد وبالقدوم إلى دمشق والتجول بشوارعها والصلاة في الجامع الأموي.
وبعد ثمانية أعوام فإذا بأردوغان يستجدي بوتين وقفاً لإطلاق النار ومنع تقدم الجيش العربي السوري وإذا بالرئيس بوتين يهبط بطائرته الرئاسية في مطار دمشق الدولي يستقبله الرئيس الأسد الذي قاد سيارته الخاصة وبرفقته الرئيس بوتين متجولاً بشوارع دمشق العتيقة معرباً عن دهشته من جمال الحياة في دمشق منبهراً بجمال شوارعها مدشناً أحدث غرفة عمليات للقيادة الروسية في دمشق وزائراً للجامع الأموي الكبير مصلياً في أقدم كنيسة أرثوذوكسية في الشرق وحائزاً أثمن هدية أرثوذوكسية من الرئيس الأسد.
لم يحقق أردوغان أياً من وعوده العالية النبرة، بينما سورية العظيمة بتاريخها وعقيدتها صمدت مع محور المقاومة ودعّمت صمودها في أيلول 2015 بتدخل الحليف الإستراتيجي روسيا، وها هي تخطو بثبات وعزيمة لجعل صراخ أردوغان مجرد فقاعات آتية من الشمال.
أردوغان بات أمام خيارات محدودة أحلاها أمر من العلقم وعليه الاختيار إما العودة إلى روح اتفاقي سوتشي واستانا لإلزامه بإنهاء اللعبة التي مارسها في سورية وإما الانتحار بعد السقوط بفيتنام سورية جديدة ما سيؤدي حتماً إلى سقوطه في الداخل التركي.
القادم من الأيام كفيل بالكشف عن أي من الخيارات المرة ينوي أردوغان تجرعها.

رفعت إبراهيم البدوي – الوطن

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي