«الشللية»..!

لم تعد «الشللية» حكراً على بعض المهن.
فهي اليوم باتت حاضرة، وبقوة، في بعض مفاصل العمل الحكومي.. ومناصبه أيضاً.
في علم الإدارة يطلق عليها بالتنظيمات غير الرسمية، التي يلتقي أفرادها بحكم تقارب أهدافهم ومصالحهم واهتماماتهم.. وليس بالضرورة أن تكون نتائجها دائماً سلبية على المؤسسة والعمل، فهناك تنظيمات بأهداف ترفيهية أو مطلبية محقة أو غايات نبيلة..
لكن في الوقت الراهن التنظيمات غير الرسمية ذات الأهداف الخاصة و«المصلحجية» هي الأكثر شيوعاً..
فالشللية الموجودة في بعض المهن والمؤسسات والمواقع الوظيفية لها وجه واحد فقط.. وجه يهتم فقط بالمصالح الخاصة، المحافظة على المكاسب والنفوذ، وتوجيه أداء المؤسسات لخدمة توجهات معينة، قد تتعارض جزئياً أو كلياً مع مصلحة المؤسسة المعنية.
وأسطع مثال على ذلك.. «النكرات» الموجودة في بعض مواقع المسؤولية على حساب الكفاءات والخبرات، محاولات «تبيض» سيرة الفاسدين وأثرياء الحرب، فضلاً عن التوجهات الخاطئة والسطحية وتسويقها كإنجازات.
في سنوات الحرب تطورت ظاهرة الجماعات غير الرسمية بشكل خطير.
فمن جهة بعض المسؤولين وأصحاب القرار دخلوا في دائرتها، ويمكن ملاحظة ذلك في التكتلات الحاصلة اليوم بفعل حسابات العمل والمصالح والمرجعيات.. لا بل إن جلسات لعب «الشدة» وما يثار على هامشها من موضوعات تخص العمل الحكومي تُظهر بشكل فاضح تشكل مثل هذه الجماعات!
وهنا علينا أن نفرّق بين وجود خلافات وتباين في الرأي بين أصحاب القرار، والذي هو أمر صحي ومطلوب.. وبين تشكل تنظيمات غير رسمية تعمل في الخفاء لخدمة مصالحها، ولكي نكون موضوعيين هي ليست دائماً مصالح ذات طابع مادي.
من جهة أخرى، فإن «شللية» الفاسدين الصغار والكبار غدت أكثر انتشاراً، تنظيماً، وتغلغلاً في مؤسسات الدولة والمجتمع، بدليل نتائج التحقيقات التي جرت مؤخراً في بعض الجهات العامة، والتي أفضت إلى وجود شبكات مترامية الأطراف من المتورطين بالتواطؤ على المال العام.. طبعاً وما خفي كان أعظم وأدهى!
إذاً.. ليس صحيحاً أن لدينا فرق عمل تعمل بقلب واحد لخدمة الوطن والمواطن، فبنية مؤسساتنا باتت مخترقة بتنظيمات غير رسمية عديدة، وهو ما تسبب بحدوث انحرافات كبيرة في عمل مؤسساتنا العامة والخاصة..
ويمكن القول أيضاً إن جزءاً كبيراً من الشائعات التي تتعلق بالعمل الحكومي يكون مصدرها مثل هذه التنظيمات أو المجموعات..
والسؤال الاعتيادي.. كيف يمكن مواجهة التنظيمات غير الرسمية المتكاثرة؟
من وجهة نظري الخاصة.. فإن الأمر لا يحتاج إلى ملاحقات رقابية، وإنما هناك حاجة إلى التشدد بثلاث نقاط رئيسية:
-النقطة الأولى إعادة النظر بطرق وآليات تقييم عمل المسؤولين وسلوكهم الوظيفي والاجتماعي، لاسيما وأن فترة الحرب تفرض على المسؤولين سلوكاً يتماهى مع توقعات الشارع وتطلعاته.
-الحرص على الاستعانة بأصحاب الكفاءات والخبرات المعروفين بنزاهتهم، فهؤلاء يكون شغلهم الشاغل العمل وتطويره، وليس تشكيل جماعات وولاءات..
-إدخال المؤسسات العامة في دائرة المساءلة والشفافية، وهذا من شأنه تقييد عمل شبكات الفساد والمصالح، وتشجيع العاملين والمواطنين على طرح هواجسهم ومشكلاتهم علانية، والاستغناء بذلك عن الاجتماعات غير الرسمية، والتي يكثر فيها «القال والقيل».

زياد غصن – تشرين

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي