سرقة القرن مبادرة عرقلة السلام واغتصاب الحقوق الفلسطينية والعربية

تحتل المعاهدات الدولية المكانة الأولى في تنظيم العلاقات الدولية، وقد لعبت المعاهدات منذ ظهور مفهوم المدن والممالك والامبراطوريات والدول دوراً محوريا في تطور القانون الدولي العام في شتى المجالات ابتداءً من مسائل الحرب والسـلام وانتهـاءً بالتعاون الاقتصادي.

ولم نسمع ولم نقرأ يوماً في أي وثيقة تاريخية منذ توقيع أقدم اتفاق سياسي دولي في العالم في أواخر القرن الخامس والعشرين في الفترة الواقعة بين 2470-2450 ق.م  يرسم الحدود الإقليمية بين الدول في تاريخ القانون الدولي دون بالخط المسماري السومري على نصب الصقور على وجهي النصب وبشكل أعمدة كتابية وتوقيع أقدم اتفاقية سلام مدونة ذات بنود واضحة وبدون حشو أو استطراد اكتشفت في موقع تل مرديخ الأثري “مملكة إبلا” شمال غرب سورية ودونت بالنقوش المسمارية السومرية والإبلائية المحلية على رقيم فخاري عثر عليه في غرفة أرشيفات القصر الملكي ج في مملكة إبلا وينسب تاريخه إلى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد وبالتحديد 2350 قبل الميلاد. أن مبادرة لإحلال السلام وقعت من طرف واحد ومن دون مشاورات واتفاق مع الطرف الآخر. وبالتالي فإن الطرح الأمريكي لسرقة القرن يعني “وجود بنود اتفاق جاهزة للتوقيع”، وهذا يتعـارض مـع مفهـوم المعاهدة أو الاتفاق في القانون الدولي، حيث يتم التوصل للاتفاق أو المعاهدة من قبل الأطراف المعنيـة. ولا يأتي الاتفاق أو المعاهدة بشكل متكامل مهيأة للتوقيع من قبل الوسيط  أو راعـي عمليـة السـلام.

ولا يمكن اعتبار سرقة القرن أو خطة ترامب التي أعلن عنها في 28 من شهر يناير 2020 والتي تجري بمعزل عن المرجعية والمعايير المتعارف عليها دوليا مبادرة حقيقية وعادلة لتحقيق السلام العادل والدائم وإنهاء الصراع بين الكيان الصهيوني الغاصب والشعب الفلسطيني ولا تصلح أساسًا للتفاوض، بل هي مخطط أميركي صهيوني مصمم لتصفية قضية فلسطين واتفاقية أمريكية-إسرائيلية لم تتم بحضور وموافقة الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق في فلسطين وليست اتفاقًا بين إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية وهي خطة ضم تهدف إلى قتل حل الدولتين والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتسلب مدينة القدس قلب فلسطين وروحها ولا تتوافق مع الجهود الدولية وقرارات مجلس الأمن والمبادرة العربية للسلام عام 2002 من أجل التوصل إلى سلام شامل وعادل للقضية الفلسطينية بما يسهم في دعم الاستقرار والأمن بالشرق الأوسط وتتجاهل قاعدة التسوية المعترف بها دوليا وتمثل مشروع “أبارتهايد استعماري إحلالي” وهي وصفة للاستسلام لكيان الاحتلال الإسرائيلي وتؤكد تلازم الجهود الامريكية-الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية وتجاهل الشرعية الدولية وإجهاض قرارات مجلس الأمن بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي وما يسمى حل الدولتين الذي يلبي جزءا من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في الحرية والدولة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية لتعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل وفق المرجعيات المعتمدة وقرارات الشرعية الدولية، وهو ما يمكن اعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشامل والدائم.

إذا صفقة سرقة القرن كتبت بأيدٍ إسرائيلية ووضعت حداً لمرحلة الرهان على التسوية السياسية برعاية أميركية والتي أدت في النهاية إلى إضعاف البيت الداخلي الفلسطيني وإضعاف الوحدة الوطنية الفلسطينية، ووضع المشروع الوطني الفلسطيني رهنًا لميزان القوى الإقليمي والدولي. ومطالبة إسرائيل الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية إسرائيل يعني الاعتراف بيهودية القدس ويهودية غور الأردن وجميع مناطق المستوطنات.

 

مبادرة ترامب مبنية على التفاهم والتنسيق مع طرف واحد وهو الكيان الصهيوني الغاصب صيغة على شكل إملاءات للقيادة الفلسطينيّة وتتجاهل الفلسطينيين، فهم ليسوا شركاء في وضعها ولم يتم التشاور معهم بشأنها، وإنما تفترض إدارة ترامب وإسرائيل أنه بالإمكان فرضها عليهم أي فرض حقائق على الأرض من طرف واحد ولا تقتصر مبادرة سرقة القرن على الحدود والجغرافيا فقط، بل على الديموغرافيا بالأساس. وتتسم بعدم الواقعية واستحالة القبول والتطبيق وتعمل هذه الرؤية على تقويض أسس القانون الدولي وتغليب منطق القوّة وتقتل هذه الصفقة إمكانية التوصل إلى حل سلمي عادل للقضية الفلسطينية عبر التفاوض. وتؤكد انتقال الولايات المتحدة في عهد ترامب من تأييد إسرائيل ودعمها المطلق إلى الشراكة الكاملة مع اليمين المتطرف الإسرائيلي، وما يجسده من الاحتلال والعنصرية والاستيطان والعدوان، وبالتالي هذه الصفقة هي مشروع تسـوية أمريكـي جديد خارج إطار الشرعية الدولية ودون وجود أطراف تفاوضت عليه وتوصـلت لـذلك الاتفاق وبالتالي هي غير ملزمة لأحد ومصيرها المحتوم الفشل.

مع بداية القرن العشرين، لم تكن منطقة الشرق الأوسط عموماً وفلسطين علـى وجـه الخصـوص محل اهتمام للولايات المتحدة الأمريكية، تطبيقـاً وعمـلاً بسياسـة العزلـة وفقـاً لـ ـ”مبـدأ مـونرو” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالة سلّمها للكونغرس الأمريكي في 2 ديسمبر 1823.

دراسة معمقة للملامح الاستراتيجية للسياسة الخارجية الأمريكية التي انتهجها الرؤساء الأمريكيون الجمهوريون والديمقراطيون تجاه القضية الفلسطينية، توثق الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وإدارة الصراع العربي-الصهيوني وليس حله ومن زاوية المصلحة الإسرائيلية ورفض المؤتمرات الدولية الداعية لحل عادل للقضية الفلسطينية. ومعظم ما تم طرحه من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إعلان قيام “الكيان الصهيوني” وحتى الآن كان متشابهاً في المضمون مختلفاً في الشكل ولا يعطي الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم. ويوثق ذلك رفض الولايات المتحدة وإسرائيل لمعظم قرارات الأمم المتحدة التـي تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، فمبادرات السلام الأمريكية، في الواقع، وفي الممارسة الفعليـة تمثل جهودا حثيثة لعرقلة السلام. والسلام الذي تريده الولايات المتحدة هو استسلام تضـمن من خلاله مصالحها وحماية الكيان الصهيوني كقوة ناظمة لإيقاع الإمبريالية والذي يمثل أحد أهم أدواتها في إعاقـة تقـدم المنطقة العربية وتطورها وتنميتها، بالإضافة إلى زعزعة الاستقرار فيها وضرب وحدتها. وفي تكريس هيمنتها في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهميـة الاقتصادية والحيوية والاستراتيجية لما تملكه من موارد جعلتها تشكل العمود الفقري للنظام الاقتصادي العـالمي، إلى جانب موقعها الجغرافي الحيوي بين ثلاث قارات، مشكلة بذلك مركزاً لمضائق ملاحية وطرق تجارية ذات بعد جوهري في صيرورة الاقتصاد العالمي وديمومته. كما تستثمر الولايات المتحدة الأمريكية الكيان الصهيوني كقوة عسكرية في المنطقة قادرة علـى ضـبط القـوى العربية المحيطة، وقادرة على إدارة قواعد ومحددات الصراع في المنطقة وكقوة ردع ضد القوى الإقليمية الأخرى.

ويجب أن نأخذ بالحسبان أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الوريث الشرعي للاستعمار القديم في المنطقة العربية والذي تزعمته بريطانيا وفرنسا وبالتالي فإن خطة ترامب أو سرقة القرن لم تكن وليدة الساعة وماهي إلا استكمال لدعوات المدرسة الإنجليكانية منذ عام 1885 في القدس، وهدفها تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين والقدس بشكل خاص. وهو ما يتطابق اليوم مع أتباع الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تمثل استمرارا للإنجليكانية البريطانية، حيث يؤمن أتباع هذه الكنائس بالعقيدة الدينية المسيانية المتحالفة مع الصهيونية وإسرائيل، لأن تحقيق السيطرة اليهودية الكاملة على فلسطين سيسرع في اعتقاد أتباعها من عودة المسيح المنتظر. ومثلما شكل الإنجليكانيون عاملا مهمًا في صياغة وعد بلفور، يشكل الإنجيليون الأمريكيون اليوم عاملا مهمًا في صياغة “سرقة القرن” وهذا يؤكد ارتباط وعد بلفور وما جرى بعده من أحداث وتهجير وإبادة وقضم للأراضي الفلسطينية والعربية بمبادرة دونالد ترامب.

وتلاقي المصالح البريطانية والصهيونية في الحرب العالمية الأولى دفع بصدور وعد بلفور الناجم عن اتفاقية سايكس بيكو وهي الرسالة التي ارسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 الى اللورد ليونيل والتر دى روتشيلد يشير فيها لتأييد حكومة بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والذي وضع أسس ومراحل تأسيس المشروع الصهيوني على أرض فلسطين العربية مع الإشارة إلى أن الفلسطينيين كانوا يشكلون 90% من سكان فلسطين عند صدور هذا الوعد المشؤوم.

وبعد إعلان “وعد بلفور” وصـدور “صـك الانتداب” البريطاني على فلسطين، بدأت علامات الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط عموماً وفلسطين خصوصا تتبلور، ففـي عـام ١٩١٨ كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (1921-1913) أول من رحب بفكرة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين مناقضا مبادئه التي أصدرها في 8  يناير1918، وركز فيها على 14 مبدأ للسلم ولإعادة بناء أوروبا من جديد بعد الحرب العالمية الأولى وأهمها ” لكل شعب الحق في تقريـر مصـيره ، ونيـل استقلاله” ومدركا أن هذا المبدأ من شأنه أن يحول دون إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ويجب التغاضي عنه وسار على نفس النهج تجاه القضية الفلسطينية ثلاث رؤساء أمريكيين وهم على التوالي وارين غاماليل هاردينغ (١٩٢١-١9٢٣), كالفين كولديج (١٩٢٣- ١٩٢٩), هاربرت كلارك هوفر (١٩٢٩– ١٩٣٣).

تمكنت بريطانية لاحقا من تحويل وعد بلفور إلى جزء من صك الانتداب الذي صادقت عليه عصبة الأمم، بهدف جعل مسؤولية إقامة وطن قومي لليهود مسؤولية دولية، بعد أن كانت مسؤولية بريطانية فقط. ودعت لجنة بيل البريطانية في العام 1937 لأول مرة إلى تقسيم فلسطين إلى ثلاث أقاليم، إقليم تحت الانتداب البريطاني يضم بيت لحم والناصرة، ودولة يهودية تضم القسم الشمالي والغربي من فلسطين، وتمتد على الساحل من حدود لبنان إلـى جنـوب يافا، وتشمل عكا وحيفا وطبريا والناصرة وتل أبيب، وترتبط بمعاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا، ودولة عربية تشمل غرب نهر الأردن وغزة وبئر السبع وصحراء النقب، والخليـل ونـابلس والجـزء الشرقي من طولكرم، وجنين وبيسان ويافا. وهذا ما مكن الكيان الصهيوني الغاصب لاحقا من مضاعفة أعداد المستوطنين ومن ممارسة سياسة التهجير والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني وبدعم مطلق من قبل الدول الاستعمارية الأوروبية. 

وفي عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (١٩٣٣- ١٩٤٥) بدأت السياسة الخارجية الأمريكية تتجه نحو التبنـي الكامل للمشروع الصهيوني في فلسطين، حيث أبدى روزفلت تعاونه الكامل مع الكيان الصهيوني وتقديم كافة أشكال الدعم له لتحقيق أهدافه ومشاريعه. وأخذت العلاقات الأمريكية مع الحركة الصهيونية تأخذ طابع الالتزام الفعلـي والمتطـابق مـع موقفها وتبلور ذلك في مؤتمر ” بالتيمور” في نيويورك عام ١٩٤٢ الذي عارض بنود الكتاب الأبيض الصادر عام ١٩٣٩ وسمح بالهجرة اليهودية الواسعة إلى أرض فلسطين العربية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب، أعلن الـرئيس هـاري ترومان (١٩٤٥-١٩٥٣)، اعترافه الفوري بقيام دولة إسـرائيل، واعتبر الكيان الصهيوني من أهم أدوات حماية المصالح الأمريكية في المنطقة. وعندما طلبت بريطانيا من الأمم المتحدة في ٠٢/٠٤/١٩٤٧ إدراج القضية ضمن جدول أعمالها، بهدف منح قضية فلسطين بعدا دوليا. تشكلت لجنة تحقيـق دوليـة خاصـة بفلسـطين لدراسة الوضع وتقديم تقرير عنه وقد انتهت من وضع تقريرها في ٣١/٠٨/١٩٤٧ ونصـت توصياتها على إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين عربية وإسرائيلية مع وضع القدس تحت وصاية دولية. وعند إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراها المشئوم رقـم 181بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية في ٢٩/١١/١٩٤٧ دعم الـرئيس الأمريكي هاري ترومان قرار التقسيم الأممي. ويمثل قرار التقسيم وإعطاء ٥٥ % من أراضي فلسطين لليهود أي إعطاء من لا يملك إلى من لا يستحق مخالفة صريحة للأساس الذي قامت عليه هيئة الأمم المتحدة والتي تنص على حق الشـعوب فـي الحريـة وتقرير مصيرها بنفسها، ومن دون استشارة وموافقة الشعب الفلسطيني المعني أساسا بالأمر وبطريقة تتطابق تماما مع مبادرة دونالد ترامب.

وقامت إدارة الرئيس الأمريكي داويت إيزنهاور (١٩٥٣- ١٩٦١) بتبني سياسته إلغاء ما يسـمى فلسطين ورفض حقوق الفلسطينيين السياسية وخصوصا حق تقرير المصـير.

واعتبر الرئيس الأمريكـي داويـت إيزنهاور(1953-1961) أنه لإلغاء دولة فلسطين يجب العمل على انهاء القضية الفلسطينية نهائيا وحل مشكلة اللاجئين عن طريق التوطين والتعـويض وليس العودة، ويتوجب على الأردن إدارة الضفة الغربية ومصر إدارة قطاع غزة وهذا ما يتطابق مع مقترحات ترامب.

وتوطدت العلاقات الامريكية-الإسرائيلية في فترة الرئيس “جون كنيدي” ١٩٦١-١٩٦٣” والذي أعلن خلال مؤتمر للمنظمـة الصـهيونية الأمريكية “أن الصداقة الأمريكية الإسرائيلية ليست التزاماً حزبيا، بل هي التزام قومي تـرتبط بالاسـتراتيجية الأمريكية”. مؤكدا دعمه المطلق لإسرائيل وامتدح التجربة الصهيونية محاولا اكساب الصفة الشرعية الدولية لقيام الكيان الصهيوني في أرض فلسطين العربية وتطورت برامج المبيعات العسكرية إلى إسرائيل.

وعمل رؤساء أمريكا ليندو جونسون (١٩٦٣- ١٩٦٩) وريتشارد نيكسون (١٩٦٩– ١٩٧٤) وجيرالد فورد (١٩٧٤ – ١٩٧٧) وجيمي كارتر الحكـم (١٩٧٧ – ١٩٨١) علـى توثيق العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية. وأعلن الرئيس كارتر في عام ١٩٧٧ عن مبادرة شخصية منه عن الوطن الفلسـطيني كنتيجـة لأي مفاوضات بين فلسطين والإسرائيليين. وحاول دفع منظمة التحرير للقبول بقرار مجلس الأمن 242 وقدمت إدارته ما عرف بإعلان ١٩٧٧ والذي اتفقت فيه أمريكا والاتحاد السوفيتي بضرورة عقد مؤتمر للسلام عرف بمؤتمر جنيف. وتبلورت في عهده قناعة بأهمية حل الصراع الإسرائيلي العربي، والبدء بمحادثات كامب ديفيـد بـين مصـر وإسـرائيل وأعلن الرئيس كارتر أن حصول الفلسطينيين على وطن وحل مشكلة اللاجئين، أمر ذو ضرورة قصوى في حين رأت إدارة الرئيس رونالد ريغان (١٩٨١ – ١٩٨٩) أن الفلسطينيين مجرد لاجئين ولا بد من توطينهم أو تعويضهم، وأعلنت عام 1981أن إسـرائيل شـريك استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية. وفي عهده طرحت فكرة حكم ذاتي فلسطيني وإجراء انتخابات والبدء بمفاوضـات إسـرائيلية أردنيـة بمشـاركة فلسطينية. وجاء إعلان البدء بحوار فلسطيني أمريكي عام ١٩٨٨ في الجزائر.

وأعلن الرئيس جورج بوش الأب (١٩٨٩- ١٩٩٣) مبادرته لتسـوية الصـراع العربـي-الإسرائيلي معتبرا أن السلام الشامل يجب أن يعتمد على قراري مجلس الأمن (٢٤٢) (٣٣٨) ومبدأ الأرض مقابل السلام ويجب توسيع نطاق هذا المبدأ، لكي يتضمن أمن إسرائيل والاعتراف بها ويـنص في نفس الوقت على الحقوق السياسية الفلسطينية المشروعة. أي تقسيم أرض فلسطين إلى دوليتين (عربية – يهودية) والسعي للاعتراف بالكيان الصهيوني وإضفاء الصبغة الشرعية الدولية عليه. وإجبار الفلسطينيين على قبول الواقع من خلال مبدأ الأرض مقابل السلام وبالتالي الاعتـراف بدولـة فلسطين وهويتها مقابل السلام، والاعتراف بدولة إسرائيل. ومع ذلك اعتبرت إدارة جورج بوش الأب الكيان الإسـرائيلي، هدفا استراتيجيا، من الدرجة القصوى ذات الأهمية البالغة، وأكد بوش الأب حرصه على تحقيق التزام الولايات المتحدة الأمريكية الكامل تجاه إسرائيل وأنه لن يسـمح أبدا بأن تهزم إسرائيل. وأثناء مفاوضات مدريد لحل الصراع العربي الإسرائيلي في خريف 1991 قدمت الولايات المتحدة الأمريكية كل أشكال الدعم والتأييد لقيام الكيان الصهيوني بالتوسع وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.

وفي عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون (١٩٩٣–٢٠٠١) الذي أكد على دعم إسرائيل عبر التأكيد على تفوقها العسكري النوعي، وقع اتفاق أوسلو في واشنطن عام 1993 وأعلن عن قيام السلطة الفلسطينية وتم الدخول السريع بعد توقيع اتفاقية أوسلو في علاقات علنية مع “إسرائيل”، سواء بتوقيع اتفاقية سلام معها كما في حالة الأردن، أو فتح سفارات أو قنصليات لها في بعض الدول العربية، أو تسيير الرحلات منها وإليها، دون إيجاد حلول عادلة للقضية الفلسطينية. ووفق اتفاقية أوسلو الثانية 1995، تم تقسيم الضفة الغربية إلى 3 مناطق “أ” و”ب” و”جـ”. المنطقة “أ” تمثل 18 في المئة من مساحة الضفة، وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنيا وإداريا، أما المنطقة “ب” فتمثل 21 في المئة من مساحة الضفة وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، وأخيرا فإن المنطقة “جـ” والتي تمثل 61 في المئة من مساحة الضفة تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية.

وخلال فترة الرئيس “بوش الابن” (٢٠٠٠-٢٠٠٨)، استمر الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل وحدث تطابق في الرؤى تمثل في ضرورة التخلص من الرئيس “ياسـر عرفـات ” وإعـادة احتلال الضفة الغربية والسماح لإسرائيل بشن حرب على غزة. ففي عام 2002 عرقلت إدارة بوش خطة ميتشل وإرسال مراقبين دوليين إلى فلسطين للحد من العنف واستخدمت حق النقض ضد هذا القرار. وفي كانون الأول عام 2003 قدمت اتفاقية جنيف مشروع دولتين وكانت خطة بوش-شارون تبدو في ظاهرها تهدف إلى وقف الاشتباك، لكنها في جوهرها تهدف إلى تمكين الكيان الصهيوني من التوسع وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية بدل الانسحاب من الضفة الغربية وبما يتطابق مع طرح دونالد ترامب.

وأعطى الرئيس أوباما في بداية حكمه اهتماما لحل الصراع العربي الإسـرائيلي من منظور حمايـة المصالح الأمريكية في المنطقة. وعمل علـى تحريك عملية السلام على المسار الفلسطيني وعيين السيناتور جورج ميتشل مبعوثا خاصا للسلام في الشـرق الأوسط، وحاولت الإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين الفلسطيني وإسـرائيل يرتكز على تصور” حل للدولتين” بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس الشرقية مع الحفاظ على امن إسرائيل والعمل على استدراج الدول العربية إلى التطبيـع مـع إسـرائيل باعترافهم بوجودها بالمنطقة وإقامة علاقات سياسية واقتصادية معها، ونبذ العنف ونزع سلاح المقاومة. واتسمت مبادرة أوباما التي أعلنها في 2 سبتمبر 2010 وسياساته التي طبقها في ولايته الرئاسية الثانية بخصوص القضية الفلسطينية بالغموض وعدم الجدية في حل قضـايا التهويـد والاستيطان والحدود ومنح إسرائيل مزيد من الوقت لفرض الواقع على الأرض وترسيخ فكرة الدولة الإسـرائيلية.

وفي آذار ٢٠١٦ تجاهلت إدارة دونالد ترامب الجديدة أبعاد الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني القائم وأظهرت موافقتها في تطبيق تطلعات إسرائيل المستقبلية. ولفرض تسـوية تريـدها إسرائيل، عملت إدارة ترامب على إعادة التسوية السياسية للصراع العربي الفلسطيني-الإسرائيلي إلى نقطة الصفر؛ من خـلال إلغـاء كافـة الاتفاقـات والتفاهمات. وقامت إدارة ترامب منذ عام 2017 بخطوات سابقة تمهيدا لتطبيق سرقة القرن على أرض الواقع، بدءًا من قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمةً لإسرائيل في ٦ كانون الأول ٢٠١٧وأفشلت في١٢ كانون الأول ٢٠١٧التحرك الفلسطيني من أجـل استصدار قرار في مجلس الأمن لمنع تغيير الوضع القانوني في القدس، باستخدامها حق النقض “الفيتو”. وبذلت إدارة ترامب جهودا حثيثة لإزالة ملف اللاجئين ونقلت سفارة الولايات المتحدة إلى القدس في ١٤ أيار ٢٠١٨ ليُفتَح بذلك الباب أمـام دول أخرى للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. واعترفت بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان السوري، ثمّ أصدرت قرارات تنزع الطابع غير القانوني عن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبهدف إبعاد القضية الفلسطينية عن المنظمات الدولية انسحبت الولايات المتحدة من منظمات دولية دفاعاً عن إسرائيل كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة- اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. كذلك انسحبت من عدة اتفاقات دولية، كان أخرها البروتوكول الملحق لاتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام ١٩٦١ بعد الـدعوى التـي قـدمتها السلطة الفلسطينية لمحكمة العدل الدولية والتي تطعن بقرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها من تل أبيـب إلـى القدس.  معلنة أنها ستراجع جميع الاتفاقيات الدولية التي قد تعرضها لقرارات ملزمة من قبل محكمة العدل الدولية وأوقفت في كانون ثاني ٢٠١٨ نصف الدعم الذي كانت تقدمه لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئـين الفلسطينيين في الشرق الأدنى- الأونروا، والذي يقدر بـ ٦٥ مليون دولار وقررت في ٣١ آب ٢٠١٨، وقف التمويل كليا ونهائيا. وأغلقت مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن بعد توقيف التمويل للوكالة بأسبوعين. ودعمت إدارة ترامب قيام الاحتلال الإسرائيلي بالتنفيذ الفعلي بالضفة الغربية والقدس لإنهاء صـفة اللاجـئ وإغـلاق مخيمات اللجوء ومصادرة أراضيها. وعملت على زيادة وتيرة التطبيع في الفترة الأخيرة بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني. ونجحت السياسات الأمريكية والإسرائيلية في ظل الأوضاع العربية الحالية، في تحويل حل الصراع مـن الداخل الفلسطيني إلى الخارج العربي، حيث تزايدت وتيرة التطبيع السياسي والثقافي مع الدول العربيـة

التي لم تدخل بعد في اتفاقات سلام مع إسرائيل. والهدف من ذلك قبول إسرائيل في محيطها العربـي قبـل إنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ولإضعاف المطالب الفلسطينية.

ومن خلال ما سبق يتضح أن سياسة ترامب في الشرق الأوسط تمثل امتـداداً لسياسـات الإدارات الأمريكية السـابقة مـع اختلافات هامشية، وتهدف إلى تثبيت التقليد الأميركي في ضمان تفوق إسرائيل في المنطقة وحمايتها في المحافل الدولية المختلفة وتركيز الجهود على إسـقاط البعـد الفلسـطيني وتهميشـه ورفض أي تدخلات خارجية سواء من الأمم المتحدة أو المجتمع الـدولي لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا لفرض سياسة الأمر الواقع. وتغييب البعد السياسي عن قضية فلسطين، وهو أهم أبعادها في الواقع، كونها حركة تحرر وطنـي سياسـية الطـابع فـي مواجهة احتلال أجنبي استيطاني عنصري. واستمرار الدعم الأمريكي للمشروع الإسرائيلي القائم على أساس أن لا دولة فلسطينية غـرب نهر الأردن. والتركيز على ما يسمى الحل الإقليمي، أو تطبيع العلاقات العربية والإسلامية مع إسرائيل، مع تقديم حلول أمريكية رمزية تجاه الفلسطينيين، لا يمكن أن تتجاوز مفهوم السلام الاقتصادي. وإن ما يجهز في مبادرة سرقة القرن ليس خاصا بالقضية الفلسطينية فحسب، بل يشـمل منطقـة الشـرق الأوسـط بالكامل. ولا يمكن اعتبار سرقة القرن أو خطة ترامب التي أعلن عنها في 28 من شهر يناير، من عام 2020 مبادرة حقيقية وواقعية لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي.

وجاءت مبادرة سرقة القرن في هذا التوقيت بالدرجة الأولى للاستفادة من الانقسام الفلسطيني والانقسام العربي، والأزمات التي افتعلتها الإدارة الأمريكية في المنطقة العربية وخاصة في دول المواجهة الرئيسية مع الكيان الصهيوني كسورية التي تواجه التنظيمات الإرهابية المتطرفة منذ عام 2011 وإلى الآن وفي الدول العربية والإسلامية المناهضة للمشروع الصهيوني الامبريالي الاستعماري في المنطقة العربية كإيران والعراق ولبنان. إلى جانب ضـعف الموقف الفلسطيني عموما، وافتقاده الظهير الإقليمي والدولي المساند، إضافة للأزمة الاقتصادية المزمنة لدى السلطة الفلسطينية والتغير الواضح في طبيعة المواقف ولغة الخطاب لدى عواصم عربية بشأن مستقبل القضية الفلسـطينية، وأنّها لم تعد القضية المركزية، كما هو الحال في بعض الدول العربية الخليجية. وتوفر البيئة الإقليمية والدولية الداعمة للسعي في استكمال المخططات الصهيونية التوسعية واعتراف دول العالم، بإسرائيل كـوطن قومي للشـعب اليهودي.

وأهم ما نصت عليه مبادرة سرقة القرن، والتي تقع في 181 صفحة وجود مرحلة انتقالية من أربعة أعوام، وذلك انتظاراً لمتغيرات سياسية ستدفع السلطة الفلسطينية إلى التخلي عن موقفها الرافض للخطة حالياً، والهدف منها منح إسرائيل الوقت الكافي للسيطرة على 30 في المئة من الضفة الغربية ضمن المناطق التي تعرف باسم “ج”، وفق تصنيفات اتفاق أوسلو المبرم عام 1993، وهذا ما حصل في السابق عندما وافقت الحركة الصهيونية على قرار التقسيم الأممي، إذ عملت على تجاوزه بحيث قامت إسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية، وضمت مناطق لم تكن مقررة لها في القرار تبلغ نسبتها حوالي 23%. وهذا ما فعلته أيضا مع القرار 242 الذي وافقت عليه، وادّعت أنه لا ينص على الانسحاب من الأراضي المحتلة، بل من أرضٍ محتلة، وكذلك مع اتفاق أوسلو الذي تعاملت معه وفق عبارة إسحاق رابين الشهيرة، التي قالها بعيد توقيع الاتفاق، بأنه “لا مواعيد مقدسة”، ولم تطبق 34 التزامًا منه، أهمها إعادة انتشار قوات الاحتلال وانسحابها من 90% من الأرض المحتلة قبل الشروع في المفاوضات النهائية، وعدم فتح ممر آمن حر ودائم بين الضفة والقطاع. وهكذا تعاملت أيضًا مع خارطة الطريق الدولية التي وافق عليها أرئيل شارون، ثم وضع عليها أربعة عشر تحفظًا أفرغتها تمامًا من مضمونها.

وتتضمن سرقة القرن أيضا الاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل والعمل على إنشاء عاصمة جديدة للسلطة الفلسطينية في أجزاء من القدس الشرقية في المناطق الواقعة شرق الجدار الأمني القائم وشماله، بما في ذلك كفر عقب، والقسم الشرقي من شعفاط، وأبو ديس واستثنت المبادرة قرية جت وقرى زيمر لموقعهما الإستراتيجي والجغرافي المرتفع المطل على الساحل من الجهة الغربية وعلى الضفة من الجهة الشرقية وأبقتها تحت سيادة الاحتلال. وتنص المبادرة كذلك على ضم جميع مستوطنات الضفة الغربية التي يزيد عددها عن 100 مستوطنة إلى إسرائيل بهدف منع عودة اللاجئين الفلسطينيين. ووضع المسجد الأقصى متضمنًا المصلى القبلي تحت السيادة الإسرائيلية وتمنح إسرائيل مهمة حماية المواقع المقدسة وضمان حرية التعبد مع احتفاظ الأردن بموجب الخطة بمسؤولياته على المسجد الأقصى في القدس. ورفض أي عودة للاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين المحتلة واسقاط أي مطالب مستقبلية بالتعويض.

ونصت المبادرة أيضا على إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم اقتصاد الفلسطينيين والدول العربية المجاورة وإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية وعاصمتها الضواحي الشرقية للقدس وبناء معبر سفر يربط بين الضفة الغربية وغزة بطريق سريعة وربما سكة حديد، وتمثل المناطق (أ) نحو (١٨%) من مساحة الضفة، وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنيا وإداريا، فيما تمثـل منـاطق (ب) (٢١%) وتخضـع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، أي أن تكون الدولة الفلسطينية، على مساحة قطـاع غـزة الموسـع بالإضافة لـ (٣٩ %) من مساحة الضفة الغربية. وسيجري العمل على توسعة هائلة للمعابر الحدودية، وتطوير محطات الطاقة، وتحسين البنية التحتية لتعزيز السياحة، وإعادة بناء وتطوير المستشفيات الفلسطينية وعيادات الصحة، وإنشاء قاعدة بيانات لتسجيل ملكية الأراضي، وتحسين إمدادات المياه القابلة للشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي، وإنشاء جامعة فلسطينية ولن يسمح للدولة الفلسطينية بإنشاء أو تشغيل ميناء في غزة في المرحلة الأولى، وبدلاً من ذلك ستوفر اسرائيل عبر مينائي حيفا وأسدود المنشآت الضرورية لاستيراد وتصدير السلع والمواد لصالح الدولة الفلسيطينية خلال السنوات الخمس الاولى وبعدها يمكن للدولة الفلسطينية إقامة مرفأ في غزة بعد الوفاء بالمتطلبات الأمنية لدولة إسرائيل. وتدعي المبادرة زورا أنّ إسرائيل انسحبت من 88 في المئة على الأقل من الأراضي التي استولت عليها في عام 1967. وتقرّ الخطة بأن 87% من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة الغربية، سيتم ضمها إلى إسرائيل. وفي حين سيعيش 97% من الفلسطينيين في الضفة الغربية داخل الدولة الفلسطينية المقترحة، فإن الـ 3% المتبقين من المواطنين الفلسطينيين سيعيشون “ضمن جيوب فلسطينية داخل “الأراضي الإسرائيلية”، تخضع للسيادة الإسرائيلية.  وتطرح ترانسفيرًا ديموغرافيًا لرفع العبء عن إسرائيل، وخصوصًا في منطقة المثلث، والتي تحددها الخطة بـ “كفر قرع، عرعرة، باقة الغربية، أم الفحم، قلنسوة، الطيبة، كفر قاسم، الطيرة، كفر برا، جلجولية”، وهي البلدات التي يقطنها فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية فيما

وبموجب الخطة، لن يكون لدولة فلسطين الحق في الدخول في اتفاقيات عسكرية أو استخباراتية أو أمنية مع أي دولة أو منظمة تهدّد الأمن الإسرائيلي، “وهذا أمر تحدّده إسرائيل”. وتشطب المبادرة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وتؤكد بوضوح أنه “لن يكون هناك أي حق في العودة، ولا استيعاب لأي لاجئ فلسطيني في دولة إسرائيل” وتطالب الدول العربية والدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بتوطينهم. وبحسب مبادرة ترامب فإن وضعية اللاجئ الفلسطيني مع توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، سوف تنتهي كصفة قانونية دولية، وستنحل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا) وسيتم استبدال مخيمات اللجوء في الدولة الفلسطينية وتفكيكها لبناء مناطق سكنية جديدة.

وتهدف خطة ترامب إلى تصفية القضية الفلسطينية وتصفية المعنى السياسي للوجود الفلسطيني والتخلّص من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر والتكريس النهائي لوجود “إسرائيل” في المنطقة وإبقاء مدينة القدس موحدة وتحت السيادة الاسرائيلية، وضمن حدودها البلدية القائمة اليوم. ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية وإلغاء القرارات الدولية السابقة التي أشارت إلى الوضع قبل حرب الستة أيام عام 1967، ليكون أساسا لعملية السلام. وتمكين إسرائيل من السيطرة على معظم الضفة الغربية وضم الكتل الاستيطانية الضخمة في الضفة الغربية وحذف الإشارة إلى وصف المستوطنات اليهودية التي بُنيت فيها منذ عام 1967 بأنها “غير شرعية”، وتطبيق قوانينها على غور الأردن ومستوطنات الضفة الغربية ومناطق أخرى ضمتها خطة ترامب. وتهدف مبادرة ترامب كذلك إلى توطين الفلسطينيين في وطن بديل، خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكل ذلك بهدف منع قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية فالخطة تطرح فكرة دولة محاصرة ومنقوصة السيادة على الحدود والمياه والأجواء والمصادر الطبيعية، محدودة الموارد منزوعة السلاح مقطّعة الأوصال، بدون حدود محددة تصل بينها جسور وأنفاق مقيّدة بحدود الأمن الإسرائيلي، مشروطةٌ باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة يهودية. وما يعرض على الفلسطينيين أقل من دولة تحدها شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وجوا وبحرا وبرا إسرائيل والتي تتحكم بكل مقومات الحياة للفلسطينيين.

 وتهدف مبادرة سرقة القرن أيضا إلى ضمان السيطرة الأمنية الإسرائيلية المطلقة على منطقة غور الأردن (خزان المياه الفلسطينية) بما في ذلك السيطرة على المجال الجوي غرب نهر الأردن، والتمهيد لضم إسرائيل لوادي الأردن ومساحته تقريبا ثلث مساحة الضفة الغربية من جانب واحد, وإبقاءه خارج أي حل مستقبلي بدعوى الأمن والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية تشمل غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات في يهودا والسامرة .وحق إسرائيل في التعامل المباشر مع أي تهديداتٍ تراها داخل حدود الدويلة الفلسطينية المفترضة وسيكون للبحرية الإسرائيلية الحق في منع واعتراض وصول الأسلحة والمواد المحظورة التي تدخل في صناعة الأسلحة، من دخول دولة فلسطين بما في ذلك غزة. وتؤكد سيطرة إسرائيل على المعابر الدولية مع كل من الأردن ومصر بما في ذلك معبر رفح، فضلًا عن تحكّمها في المياه الإقليمية للدولة الفلسطينية المقترحة وتلتزم الدولة الفلسطينية بمحاربة الإرهاب والتصدّي لحركات المقاومة الفلسطينية بهدف الدفع إلى اقتتال داخلي فلسطيني – فلسطيني. وإنهاء التحرك ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

 وتهدف الخطة إلى إعادة رسم الحدود الإسرائيلية، بحيث تصبح البلدات الفلسطينية في المثلث جزءًا من الدولة الفلسطينية، “خاضعة لقوانينها وأحكامها القضائية”. وفي المقابل، تضم إسرائيل مستوطنيها ومستوطناتها في الضفة الغربية، المقامة على أراض الأصل أن تكون خاضعة لسيادة الدولة الفلسطينية، بحسب قرارات الشرعية الدولية. وتهدف أيضا إلى حذف الأجزاء التي تساوي بين القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة من مشروع القرار الأممي. ومنح إسرائيل حدود آمنة ومعترف بها واعتبار الجيوب الإسرائيلية الواقعة داخل الأراضي الفلسطينية المتجاورة جزءًا من دولة إسرائيل وسيتم ربطها من خلال نظام نقل فعال. وضمان احتفاظ دولة إسرائيل بالسيادة على المياه الإقليمية، التي تعتبر حيوية لأمن إسرائيل والتي توفر الاستقرار في المنطقة.

وتحرر الخطة الإدارة الأمريكية من الالتزام بخطوط 1967 كأساس للحدود، بهدف إلغاء البند الذي ينص عند توقيع اتفاق السلام على وجوب ألا تبقى أي مستوطنة إسرائيلية داخل الحيز الفلسطيني. وهذا ما يعيق عمليا أن يشمل الحل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وتهدف في مراحل لاحقة إلى إجراء مفاوضات حول محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية يتم من خلالها عرض حوافز اقتصادية مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل، لكن مع الإبقاء على فلسطين في وضعها الراهن، دون أي سيادة ودولة.

وتهدف مبادرة سرقة القرن إلى دعم سياسات الكيان الصهيوني في التهويد وقضم الأرض الفلسطينية من خلال إقامة المسـتوطنات ومصـادرة الأراضـي وطـرد الفلسطينيين من القدس وهدم منازلهم، بما يؤدى في النهاية إلى تفريغ القضـية الفلسـطينية مـن مضـمونها ويتحول الأمر في نهاية المطاف إلى قضية إنسانية بشأن لاجئين فلسطينيين وليست قضـية سياسـية تتعلـق بحقوق شعب في الحفاظ على أرضه وهويته وكيانه المستقل، بهدف فرض وقائع ومعطيات استيطانية حالية على أرض الواقع تعيق نهائيا قيام دولـة فلسـطينية ذات سيادة. لأن حل الدولتين وإنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية يمثل بدايـة النهاية “للدولة الإسرائيلية اليهودية الكبرى” ويستلزم العودة لحدود ما قبل ١٩٦٧م وتبادلا للأراضي في نطاق ضيق متفق عليـه واقتصار نطاق الدولة اليهودية الجغرافي على الأراضي المحتلة عـام ١٩٤٨، كما يفترض هذا الحل أيضاً حدوداً معترف بها تفصل بين الدولتين، وقوات عسكرية تستطيع ضبط الحدود وحماية المواطنين، وحلا جذريا لمسألة السيادة على الأماكن المقدسة، وإيجـاد حل لمعضلة اللاجئين.

مبادرة ترامب هي خطة أبرتهايدت صيغة لحسم الصراع لصالح إسرائيل، وشطب كافة حقوق الشعب الفلسطيني وإجهاض ما تبقى من الحلم الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وتفتيت دول المنطقة، وإهدار حقوق شعوبها ومنح كافة الامتيازات والسيطرة والهيمنة لإسرائيل على كامل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر وعلى كافة الأراضي العربية المحتلة وتسعى لتفريغ القدس من أهلها وجعل الفلسطينيين فيها أقلية وصيغة أيضا لطي كافة القرارات الدولية التي تؤكد على عدم شرعية ضم الجولان

والجديد في مبادرة سرقة القرن يتمحور حول السماح لإسرائيل بتطبيق ما تريده منها من جانب واحد، وإمكانية تبادل أراضي مأهولة وشطب المطلب الفلسطيني بعودة لاجئين أو دفع تعويضات كبيرة وفرض السيادة الإسرائيل في شرقي القدس حتى الجدار الفاصل واعتراف أميركي بشرعية مطالب إسرائيل في الضفة الغربية، بتسويغات قانونية وأمنية وتاريخية. وفرض السيطرة الأمنية الاسرائيلية على الضفة الغربية كلها وتؤكد على أن هناك دولة واحدة من البحر إلى النهر، هي إسرائيل. وتحرر الإدارة الأمريكية من التزاماتها بإقامة دولة ثانية بين النهر والبحر (دولة فلسطين) وقد كتبت مبادرة سرقة القرن بلغة تعترف ضمنيًا بشرعية المستوطنات ما يتيح ضم فوري لأراض في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها. ومصممة لكي يرفضها الفلسطينيون لتبرير الخطوات اللاحقة وتمنح الخطة لأول مرة الامتناع عن ذكر حدود 1967 كأساس لأي تسوية دائمة. واستبدال ذلك بمصطلحات مثل حدود قابلة للدفاع عن إسرائيل وفرض القانون الإسرائيلي لأول مرة على المستوطنات وغور الأردن وتتجاهل الأردن ودورها سواءً كوصية وراعية للأماكن المقدسة الإسلامية في القدس المحتلة، أو طرف في مسألة الحدود الشرقية وتحديدًا في منطقة الأغوار والبحر الميت. وحصول إسرائيل بموجب “صفقة القرن”، على اعتراف بتطبيق القانون الإسرائيلي على غور الأردن وشمالي البحر الميت، سيمكنها من رسم الحدود الشرقية لكيانها.

والجديد أيضا أن كافة المبادرات الأمريكية الخاصة بالعملية السلمية نصت على إقامة علاقات عربية علنية مع إسرائيل، بعد التوصل إلى اتفاقية سلام، إلاّ أن الوضع في سرقة القرن، يقوم على تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، قبل البدء بالعملية السلمية، بهدف تغييب الموقف العربي بالكامل عن مشهد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تنفرد بالقضية الفلسطينية وتصفيتها بالطريقة والشكل الذي تريده ومن المنظور الاسرائيلي وأهدافه الاستراتيجية

سرقة القرن لم تكن وليدة الساعة كما ذكرنا وتم إعدادها بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وتتطابق في بعض جوانبها مع ما قام به الكيان الصهيوني الغاصب عام ١٩٤٨م من استكمال عملية تهويد القدس الغربية، بعد أن تم اجتثاث وطرد وإبادة الفلسطينيين وتوطين الصهاينة في مكانهم. فقد حرصت إسرائيل منذ إعلان قيامها على ضمان التفوق الـديمغرافي علـى الأرض، مـن خلال تهجير الفلسطينيين من أرضهم ومنع عودتهم، وتحفيز هجرة اليهود إلى فلسـطين من كل أنحاء العالم. والعمل بعد حرب حزيران عام 1967 على فرض الأمر الواقـع الاستيطاني وتعزيز الوجود الإسـرائيلي بالقـدس الشـرقية حيث استولت إسرائيل على ما يقارب ٨٧ ٪من مساحة القـدس الشرقية، ولم يبق للفلسطينيين سوى ١٣ ٪من المساحة الكلية وأحدثت تغييرا ديموغرافيا يفرغ المدينة من سكانها ويمنح التفوق السكاني اليهـودي فيهـا، وسيطرة إسرائيل كذلك علـى الحيـز الجغرافي وعزلت شطر المدينة الشرقي جغرافيا وسياسيا عن باقي مناطق الضفة الغربية وحاصرت التجمعات السكانية الفلسطينية بمستوطنات وربطتها ببعضها البعض وبالجانب الغربي لمدينة القدس بصورة تجعل قضية حل الدولتين أمرا شبه مستحيل.

وتتشابه سرقة القرن مع خطة وزير الخارجية الأمريكي “جورج مكفي عام ١٩٤٩ الهادفة إلى تحويـل القضـية الفلسطينية من قضية سياسية، قضية شعب، سلب منه وطنه، من قبل محتل صهيوني غاشم، طـرد أبنـاؤه وأصبحوا لاجئين، إلى قضية إغاثة وإعاشة وتوطين، وجعل عملية توطين اللاجئين أساس عملية التسوية. ومع مشروع “إريك جونستون” ١٩٥٣-١٩٥٥ وتقوم خطته على أساس توطين اللاجئين الفلسطينيين وذلك عبر محاولات تقديم مسـاعدات اقتصادية وتطوير منطقة وادي الأردن، بهدف تصفية قضية الشعب الفلسـطيني، وجعلهـا قضـية لاجئين وتصفيتها سياسياً. ومشروع جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي عام ١٩٥٦ والهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية، عبر تحويلهـا مـن مشكلة سياسية إلى مشكلة إنسانية واعتبارها مشـكلة لاجئين، ويقوم هذا المشروع على أساس عودة الممكن وتوطين الغالبيـة فـي الـدول العربيـة حيـث هـم موجودين. ومشروع “أيزنهاور” ١٩٥٧ المتضمن تقديم المساعدات المالية إلى الدول العربية من أجل التنمية الاقتصادية وتوطين اللاجئين. ومشروع جوزيف جونسون عام ١٩٦١ والذي قدم اقتراحاً يتضمن إيجاد حلول إنسانية بعيداً عن الحل السياسي. وخطة الرئيس الأمريكي جونسون عام ١٩٦٧ لتوطين اللاجئين الفلسطينيين.

تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أن العودة إلى حدود ١٩٦٧م تعني العودة إلـى زمـن “الخـط الأخضر”. وتشير الوثائق إلى أن إسرائيل قامت بعدة خطوات لفرض الواقع الحالي ففي الفترة الواقعة بين (١٩٤٩-١٩٦٧م) بحثت إسرائيل عن الخطـ الأخضـر لرسـم وجـود إسرائيل، ولضمان استمراها فرضت القانون الإسرائيلي، وتقسيم الأرض، وتوزيع السكان. وفي الفترة الواقعة بين (١٩٦٧-١٩٩٣) مارست توسعا استيطانيا كبيرا خارج الخط الأخضر لتعلن بداية محوه. وبعد عام 1993تمكنت إسرائيل من استبدال ما يعرف بالخط الأخضـر بمصـطلح الفصل، حيث تم محو هذا الخط نهائياً، وأصبح من المستحيل منطقيا العودة إليه. وهذا يتطابق مع مبادرة سرقة القرن الهادفة في جوهرها لفرض الحل الأحادي الجانب بحكم الأمر الواقع، وبدون إعارة أي اهتمام للجانب الفلسطيني في إطار الدولة القومية اليهودية الواحدة على حساب حـل الـدولتين التقليدي. والهادفة أيضا من خلال تبادل الأرض إلى دس السم في الدسم، والتخلّص من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وهي تمنح إسرائيل الوقت لبلوغ الذروة الاستيطانية التي تستطيع من خلالها مستقبلا تكبيل أي مسار يطرح مبـادرات لدولـة فلسـطينية مستقلة والتي يجب أن تقتصر من منظور إسرائيلي على كيان مجزأ إلـى كيـانين منفصلين متناحرين، أحدهم في الضفة الغربية تمزق بالطرق الالتفافية والأحزمة الاسـتيطانية والجـدار العازل، والآخر في قطاع غزة المحاصر برا وبحرا وجوا.

وتتشابه سرقة القرن في أهدافها وبنودها مع وثيقة هارولد ساوندرز نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكيـة لشـؤون الشرق الأدنى للسلام عام ١٩٧٥ والهادفة إلى حمل المقاومة الفلسطينية على التخلي عـن الكفـاح المسلح ضد المحتل الإسرائيلي. ومشروع “بريجنسكي” مستشار الأمن القومي ١٩٧٧الأمريكي والذي اقترح إلحاق الضفة الغربية وقطاع غزة بالأردن بوصفها منطقة مستقلة ذاتيا وليس دولة مستقلة؛ وتجريد الضفة وقطاع غزة من السلاح وكان الهدف منه شطب حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. ومبادرة ريغان ١٩٨٢ للسلام والتي نصت على أنه لا دولة فلسطينية في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غـزة، وأن الولايات المتحدة لن تؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأن الحل يتمحور حول إقامة حكم ذاتي مرتبط مع الأردن. ومبادرة جورج شولتز ١٩٨٨ والتي ركزت على ضمان أمن إسرائيل ووجوب اعتراف الفلسطينيين والدول العربية بوجود إسرائيل وبنبذ الإرهاب.

وتمثل صفقة القرن في كثير من جوانبها استمرارا لرؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين للتسوية السلمية الدائمة مع الفلسطينيين فسرقة القرن تحدد نسبة مساحة أراضي الضفة الغربية التي ستخصص لإقامة الدولة الفلسطينية وفق رؤوية ترامب وهي ذات النسبة التي طرحها اسحق رابين في مبادرته للتسوية الدائمة مع الفلسطينيين معربا عن رغبته بإقامة كيان فلسطيني لا يرقى إلى مستوى دولة ويتولى إدارة حياة الفلسطينيين الخاضعين لسلطته بصورة مستقلة وأن تحدد حدود إسرائيل بعد التوصل إلى التسوية الدائمة بما وراء الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب حزيران عام 1967 وبقاء القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية وأن يضم إليها مستوطنات معالية أوديم وجفعات زئيف، وبقاء الحدود الآمنة للدفاع عن دولة الاحتلال في منطقة غور الأردن، وضم مستوطنات “غوش عتصيون، إفرات، بيتار …”، وإقامة كتل استيطانية في الضفة الغربية. ومساحة الدولة الفلسطينية الموعودة في خطة ترامب، هي أصغر بكثير من مساحة الأراضي التي احتلّتها إسرائيل في حرب 1967 والتي يريد الفلسطينيون إقامة دولتهم عليها. وهناك تطابق في الرؤى بين مبادرة سرقة القرن ومشروع ألون المتعلق بضم بالأغوار، واعتبار نهر الأردن “حدود منيعة” لإسرائيل، والذي جاء غداة احتلال الضفة الغربية مباشرة.

وحديث مبادرة سرقة القرن عن عاصمة فلسطينية في أبو ديس، والتي بني فيها البرلمان الفلسطيني، ليس بالجديد بل هو من مفرزات اتفاقات أوسلو وكامب ديفيد. كذلك جميع التفاهمات المعلنة وغير المعلنة، في أوسلو وكامب ديفيد، وتفاهمات كلينتون وتفاهمات طابا التي تمت في عهد حكومة أولمرت، كانت تتحدث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة والقطاع وليس إلى مناطق الـ48 المحتلة من قبل إسرائيل.

وتتوافق رؤية ترامب مع بعض ما نشره رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب بنيامين نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس”، الذي صدر عام 1993، كرد اليمين المتطرف على اتفاقيات أوسلو والذي ركز في أحد فصوله على حاجة إسرائيل إلى ’ حائط دفاعي’ يضم جبال يهودا والسامرة وهضبة الجولان. وتتشابه مبادرة ترامب مع جدار الفصل العنصري الذي بدأ ببنائه منذ ٢٠٠٢م واستولت إسرائيل من خلاله على ٩ .٥ ٪من مساحة الضفة الغربية وضـمتها إلى كيانها الغاصب. وعملت على تقسيم الضفة الغربية إلى “كانتونـات ” وأجـزاء مجزأة، وأبقت الكتلة الوحيدة المتصلة جغرافيا في الضفة هي المناطق (ج) التي تسيطر عليها “إسرائيل”. ومارست سياسة استيطانية توسعية في مدينة القدس بهدف إعادة ترسيم الحدود والسيطرة على أكبر قدر من الأرض مع أقل نسبة مـن السـكان الفلسطينيين. وتمكنت بذلك ومن خلال أيضا جدار الفصل العنصري وعن طريق إضافة مئات الكيلومترات التي تم السيطرة عليها عن طريق الشوارع الالتفافية والنقاط الأمنية ونقاط المراقبة العسكرية، وإحصاء أكثر من ٦٠٠ ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة والقدس الشرقية ومئات المستوطنات من تقسيم المنطقة إلى أشلاء ومعازل، وإنهاء تصور أي إمكانية لقيام دولة فلسـطينية ذات سيادة وقابلـة للحياة.

وتتماثل سرقة القرن في بعض بنودها مع خطة وزير الأمن الإسرائيلي السابق، أفيغدور ليبرمان التي نشرها عام 2004 لتبادل الأراضي والسكان بمنطقة المثلث بهدف تقليل عدد العرب في الداخل الفلسطيني، وزيادة نسبة اليهود الصهاينة السكانية.

وكانت عملية الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة عام 2005 هي الخطوة الأولى في إقناع الولايات المتحدة بالضغط على مصر والأردن للاشتراك في حل إقليمي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، يقوم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية، مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات ضخمة من شبه جزيرة سيناء لإنشاء ما يشبه دولة فلسطينية” دون سيطرة على الأجواء أو إقامة جيش أو التوقيع على معاهدات ثنائية مع دولة أخرى.

ومصطلح “صفقة القرن” ليس جديداً، بل تردد سنة ٢٠٠٦، عندما تم الحديث عـن عـرض رئـيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك “أولمرت”، أو ما عرف بـتفاهمات “أولمرت/عباس”.

ويتطابق مفهوم الدولة الذي تتبناه الرؤية الأمريكية مع رؤية بنيامين نتنياهو التي عبّر عنها في خطابه في جامعة بار إيلان بتاريخ 14 حزيران/ يونيو 2009 بإقامة دولة فلسطينية بلا سيادة تكون فعليًّا داخل دولة إسرائيل وتحت سيطرتها، بما في ذلك المعابر والحدود الدولية. وتملك إسرائيل كذلك السيادة على الفضاء، وحتى حفر الآبار والمياه. وتتطابق خطة الرئيس الأميركي المسماة “سرقة القرن”، مع الخطة ذاتها التي أعدها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو ومجلس المستوطنات في 23 سبتمبر عام 2011 وعرضوها على الطرف الفلسطيني حينها.

ويتضح مما سبق أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ صدور وعد بلفور وحتى إعلان مبادرة سرقة القرن عملت بالتدريج على إخفاء الهوية الوطنية الفلسطينية وحاولت بدعم إسرائيل دعما كـاملا أن تجعل من دولة إسـرائيل تكتسب الصفة الشرعية. وكل الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا يمكن اعتبارها طرفا ثالثا ووسيطا تفاوضيا نزيها فهي انحـازت وتنحاز ومارست وتمارس أدوارا سياسية مفصلية لصالح الطرف الإسرائيلي.

وتشكل سرقة القرن قطيعة مع المبادرات الأميركية السابقة، وتعدّ بمنزلة كسر للمنظور الأميركي التقليدي المتحالف أصلًا مع إسرائيل؛ وذلك بالانتقال إلى تبني موقف اليمين الإسرائيلي والتماهي معه. وتهدف مبادرة ترامب إلى مصادرة وضم الأغوار وشمال البحر الميت والأراضي المقامة عليها المستعمرات الاستيطانية وطرد سكانها الفلسطينيين الأصليين، ومن تبقى منهم سيعيشون في معازل آهلة بالسكان ومقطعة الأوصال، تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، إلى أن تحين فرصة لتهجير المزيد منهم. خدمة للمشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة “إسرائيل الكبرى” باعتبارها دولة يهودية، وجعل العنصرية دستورًا من خلال إقرار قانون “القومية” العنصري، وفي تضمينها تبادلًا للأراضي والسكان، يشمل مبدئيا منطقة المثلث وتستهدف الصفقة اللاجئين، من خلال رفض حق العودة، والسعي لتوطينهم حيث يقيمون، أو تهجيرهم إلى بلاد جديدة، واعتبار اللاجئ حصرا من ولد في فلسطين قبل العام 1948.

سرقة القرن ما هي إلا خطة إملاءات أميركية-إسرائيلية لتصفية حقوق الشعب الفلسطيني في مختلف أبعادها، وتستهدف الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده وتهدف إلى تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى الاستعماري، وإحلال المشروع الصهيوني العنصري التوسعي مكان الحق التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني، وإحلال نظام عالمي تسوده الفوضى وغياب العدالة، مكان القانون الدولي. وتتسم بعدم الواقعية واستحالة القبول والتطبيق وتشبه القوانين التي كانت تنفذ في جنوب أفريقيا خلال فترة الفصل العنصري وتتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ولا تتوفر فيها الشروط المتكافئة والعادلة القابلة للتفاوض سعيًا لسلام حقيقي ينتهي بدولة فلسطينية كاملة الحقوق وعاصمتها القدس الشرقية. وتمنح إسرائيل الضوء الأخضر لضم المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة وتمهد الطريق لاحتلال دائم للضفة الغربية. وتمنح الشعب الفلسطيني ما يشبه دولة منزوعة السيادة والسلاح في صورة “أرخبيل” تربطه جسور وأنفاق بلا مطار ولا ميناء بحري، مع جعل مدينة القدس المحتلة “عاصمة موحدة” لإسرائيل. ويمثل المساس بالقدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لدولة الاحتلال تصعيداً خطيراً يهدد أمن المنطقة والعبث بالوضع القانوني بالقدس هو قرار مدان بموجب القرارات الشرعية الدولية. ولا يمكن لمجموعة من الجيوب الفلسطينية المعزولة، المحاطة بالمستوطنات والبنية التحتية للمستوطنات التي ضمتها إسرائيل، والتي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، أن تشكل دولة.

وتؤكد سرقة القرن بالدليل المادي أن مبادئ ويلسون ١٤ التي بنيت عليها عصبة الأمم المتحدة ومن بعد ذلك هيئـة الأمـم المتحـدة وقضية نشر السلام وحق الشعوب في تقرير مصيرها، مجرد حبر على ورق وتظهر الأمم المتحدة كدمية في يد القـوى الاستعمارية الكبـرى. وتوثق أن السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية انتقلت من دعم المشروع الصهيوني التوسعي إلى التنفيذ، أي أنها انتقلت إلى منفـذ للسياسات الإسرائيلية، ولم تكتفي بالدعم كسابقاتها من الإدارات.

وتنسف سرقة القرن المتماهية مع مخططات إسرائيل في الاستيطان والتقطيع والعزل كل إمكانية لتنفيذ حل الدولتين على الأرض، بما يقتضي ضرورة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيا، وذات سيادة، وقابلة للحياة على أساس حدود 1967تكون عاصمتها القدس الشرقية، فهي تدعم مخططات الكيان الصهيوني وتمكنه من فرض واقع “دولـة الكانتونات” أو “المعازل” في الضفة الغربية، ومن دون القدس التي أخضعتها لسياسيات ومخططات تهويـد واسعة النطاق، وتشجعه على رفض حل قضايا اللاجئين والمسـتوطنات والحـدود والسـيادة والمـوارد الطبيعية، وتفرض على الشعب الفلسطيني الاعتراف بيهودية الدولة.

وتمثل مبادرة ترامب الانتقال من الاستيطان الإسرائيلي الإحلالي الهادف إلى استغلال أرض فلسطين بدون سكانها، حيث يحل العنصـر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطـرد أو الإبـادة، كما يظل العنصــر الاستيطاني الدخيل محتفظا باستقلاله عن السكـان الأصليين الذي يعمـل على إخراجهم خـارج الحـدود إلى الاستيطان الأبارتهايدي حيث يحتفظ العنصر السكاني الصهيوني الاسرائيلي الاستيطاني الدخيل باستقلاله، ويلجأ إلـى عـزل السكان الفلسطينيين الأصليين داخل مناطق محددة حتى يسهل استغلالهم من خلال استغلال الأرض ومن عليها. والهدف الأمريكي الإسرائيلي من الزحف الاسـتيطاني فـرض واقعـاً يستحيل من خلاله تقسيم الأراضي ورسم الحدود بصورة تؤدي إلى دولتين منفصـلتين وتكشف المبادرة أن الولايات المتحدة الأمريكية في فترة رئاسة دونالد ترامب لا تسعى إلى السلام، بل تريد أن تجعل من فلسطين دولة للمحتل الصـهيوني الغاصب للأراضي الفلسطينية وأن مهمة الولايات المتحدة الأمريكية الرئيسية في عهد ترامب انتقلت من حل الصراع العربي الإسرائيلي إلى مهمـة المساهمة في إدارة الصراع، وإطالة أمده لاعتبارات وأهداف معينة على رأسها فـرض الأمـر الواقع وصولاً إلى تسوية تقبل بها الدول العربية، والسـلطة الفلسطينية بعد إضعافها ومحاصرتها.

أسقطت مبادرة سرقة القرن أوهام إمكانية إقامة دولة فلسطينية عن طريق المفاوضات، وأسقطت الوهم بإمكانية إدماج الفلسطينيين في إسرائيل، وكذلك أسقطت أوهام استبدال ما يسمى “حل الدولتين” بحل الدولة الواحدة.

ويكشف مضمون سرقة القرن فشل من وقع اتفاق أوسلو، فلا دولة مستقلة قامت، ولا حقوق اللاجئين عادت وترسخ واقع الكانتونات التي خلقها أوسلو في الضفة من دون القدس ومن دون الأغوار ونجم عن اتفاق أوسلو انقسام سياسي وجغرافي فلسطيني، وتقويض أركان مشروع التحرر الوطني. ويؤكد أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة, فعندما سلك الفلسطينيون نهج الكفاح الوطني السياسي والدبلوماسي والمسلح ضد الكيان الصهيوني كان تأثيرهم ونفوذهم الدولي أوسع بكثير، إضافة إلى أن إسرائيل كانت تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا ودوليًا لاحتلالها أكثر بكثير مما هو عليه الحال اليوم.

إذا سرقة القرن تريد أن تبتلع ما تبقّى من أرض فلسطين، وتشريد ما تبقّى من شعبها. وقد مارست إسرائيل وبدعم أمريكي مطلق منذ إعلان قيامها زحفا استعماريا استيطانيا إحلالي أبارتهايـدي بهدف رسم واقعا آخر، يقوض نهائيا من إمكانية إقامة أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية ذات السيادة المرجوة والمبتغاة، ويعمق تمزيق الأرض الفلسطينية إلى أجزاء متناثرة هنا وهناك تفصلها الطرق الالتفافية والمستوطنات والتجمعات الصهيونية ومراكز المراقبة. وهذا ما يؤكد أن ما تريده إسرائيل من سرقة القرن هو منع إقامة أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة ولا تريد بصورة أكبر إقامة دولة واحدة، وانما استمرار الفصل مع الفلسطينيين مع استمرار السيطرة عليهم.

مواجهة سرقة القرن وإفشالها، تمثل مصلحة وطنية فلسطينية، ومصلحة عربية إسلامية، لأن مصير فلسطين لا ينفصل عن مصير الأمة العربية والاسلامية والعكس صحيح كما أن سرقة القرن تمس بسيادة دول المنطقة وهويتها. ويجب على الشعب الفلسطيني أن يضع نصب عينيه أن فلسطين هي أرض الصراع الأساسي، ولا يجب الانسحاب منها تحت أي سبب وظرف. ويجب الحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية الفلسطينية لأن تفعيل الدور الوطني أمر ضروري لاستمرار الصراع والانتصار فيه، إلى جانب التمسك بخيار المقاومة الشعبية المنظمة والمنهجية والمدروسة كخيار رئيسي للتحرر من نظام الاستعمار والأبارتهايد. ورفض أي تسوية غير عادلة للقضية الفلسطينية وإنهاء العمل باتفاق أوسلو والذي تضاعف بعد التوقيع عليه الاستيطان الإسرائيلي والتهام أرض فلسطين العربية، وينبغي انهاء الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس وإنهاء كل أشكال التطبيع العربي مع إسرائيل والبحث عن إجراءات قانونية تضع حدًا للإجراءات الإسرائيلية غير القانونية وغير الشرعية. وعلى العرب والفلسطينيون والدول الإسلامية والدول الداعمة لحركات التحرر الوطني بلورة رؤية واستراتيجية مشتركة لمواجهة تحديات المرحلة، وأن ترفض بالإجماع مبادرة سرقة القرن وتتمسك بقرارات مجلس الأمن خاصة القرارين رقم 242 و 338، وبمبادرة السلام العربية التي مثلت توافقا عربيا في أن معادلة السلام المنشود لن تكون إلا وفق مبدأ حل الدولتين وإطلاق سراح الأسرى وحل قضية اللاجئين وفق القرارات الأممية. ودعم صمود الشعب الفلسطيني في الداخل، سياسيًا ومعنويًا وماديًا، وتلبية الاحتياجات المعيشية للفلسطينيين في أماكن اللجوء، والدفاع عن حقوقهم المدنية والوطنية. ولا يمكن الوصول إلى أي حل دون إشراك الفلسطينيين وموافقتهم.

وهل يمكن للولايات المتحدة الأمريكية التي تملك سجلاً أسوداً من مخلفات الحروب والاحتلالات والتدخلات الخارجية العسكرية وغير العسكرية في العـالم وإشعال الفتن وتأجيج المشاكل والمؤامرات، أن تكون وسيطا نزيها للسلام. لذلك يجب العمل على إنهاء انفراد الولايـات المتحدة باتخاذ القرارات الدولية حتى لا تتعامل مع القضية الفلسطينية بنفس الطريقة التي تعاملت بهـا مـع الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين عندما أبادتهم وطردتهم من أرضهم. وإنهاء محاولات الولايات المتحدة الحثيثة لإعادة ترتيب الوطن العربي وفقا لمصالحها الاستعمارية الامبريالية.

وهل يمكن لإسرائيل كنظام أبرتهايد كولونيالي إحلالي مارق، رسم حدودا جديدة تضم أرضًا وليس بشرا، هذا الكيان المتهم عبر أكثر من 50% من القرارات قاطبة التي أصدرها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي أصدرت ضده الأمم المتحدة 77 قرارا، أن يمنح حقوق الشعب الفلسطيني العادلة من خلال المفاوضات. 

وإذا أرادت إدارة دونالد ترامب أن تصل إلى سلام حقيقي وعادل وتنهي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ينبغي عليها أن تجعل حل الدولتين مرتكزا في المفاوضات بين الطرفين بما يضمن حل الصراع جغرافيا في المنطقة بين النهر والبحر، و إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة؛ يشكل فيها قطاع غزة والضفة الغربية كيانا سياسيا واحدا؛ وأن ترسم الحدود بين إسرائيل وفلسطين وفق خطوط العام 1967؛ وأن لا تبقى أي مستوطنة إسرائيلية داخل أراضي الدولة الفلسطينية وهو أقل ما يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحق الأصلي في أرض فلسطين العربية.

سرقة القرن هي امتداد طبيعي لمواقف أمريكية ممتدة منذ بدايات القرن العشرين، وتتعارض مع القانون الدولي. فالولايات المتحدة سعت دوماً ومن خلال كل المشـاريع التي حاولت طرحها العمل على تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية إنسانية، و سرقة القرن ليس استثناًء وتدق المسمار الأخير في نعش محادثات السلام واتفاق أوسلو.

سرقة القرن مبادرة صيغة ضـمن رؤيـة استراتيجية أمريكية- إسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية وتحقيق المشروع الصهيوني التوسعي  والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية في حدودها الجديدة وتوطين اللاجئين في أماكن تواجدهم وهو اتفاق مستقبلي دون وجود أطراف تفاوضت عليه وتوصـلت لـذلك الاتفاق، ويمثل إملاءات أمريكية تفرض على الفلسطينيين والدول العربيـة للتوقيع بشروط وتطلعات إسرائيل وإن كانت خارج إطار الشرعية الدولية وهو اتفاق يعتمد على أمن إسرائيل وعلى الاقتصاد كمدخل لتسـوية الصـراع، بدلاً من الحل السياسي ويهدف إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية إنسانية بامتياز وضم الضفة الغربية بدون القدس والمستوطنات إلـى الأردن، وتسليم أهل غزة إلى مصر، وإنهاء الوجود الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ووضع نهايـة لفكـرة الدولة الفلسطينية. ويتيح للولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من أي التزام للفلسـطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الدولية. وأيّ نهضة عربيّة وسلام دائم في منطقة الشرق الأوسط مشروطة بتصفية الحالة الاستعمارية في فلسطين، ولذلك ستبقى القدس هي البوصلة وستبقى فلسطين هي القضية.

 

بقلم المؤرخ الدكتور محمود السيد-الإعلامي عماد الدغلي

شارك الموضوع:

التصنيفات: اخترنا لكم