الرَّقْص عَلَى الْجُرْاحِ . . . ! . .

د .نيرمين ماجد البورنو

في كل عام يحتفل العرب بذكرى عيد الأم في الحادي والعشرين من آذار/مارس, ويتوهج البيوت ويتغنى الأبناء بهذه الذكري,  فكثيرا منهم ينتظر هذا اليوم لكي يعبر عن محبته بهدية أو بكلمات لطيفة تليق بمقام والدته وذلك تكريما لها فهي موطن الأمان والعطاء والبهاء, وقد نجد البعض يري أن نتوقف عن المبالغة في الاحتفال بعيد الأم مراعاة لمشاعر من فقد والدته أعز ما يملك في الوجود, في حين يري أخرون ان تحويل عيد الأم من يوم مؤلم الى ذكري سعيدة هيا بمثابة تذكير بفضائل الأمر أمرا غاية في النبل, ولكن كثيرا ما يراودني تساؤلات بهذا اليوم هل الأم بحاجة ليوم خاص في السنة لكي نعبر عن ما يجول في بالنا وخواطرنا من كلمات وقلوبنا بما يخص محبتنا لها! وهل الهدية التي نقدمها لأمهاتنا بهذا اليوم تمنح في يوم واحد فقط تعد أيقونة وعربون محبة! وهل أصبحت مناسبة “عيد الأم” للتفاخر والتطبيل أمام الناس وعبر السوشيال ميديا ؟

الأم نعمة وجنة ولقد تغني بها الشعراء والحكماء والكتاب فمنهم من قال” الأم كالعمر لا تتكرر مرتين” وان حجر الأم المكان الآمن الذي تستطيع ان تحتمي به وتلجأ اليه” لذلك يجب أن نكون ممتنين لله دائما لوجودها فجنة الله تقطن تحت أقدامها, وان أعظم هدية تقدم للأمهات في هذا اليوم هو البر والطاعة تقديرا لجهودها واعترافا بفضلها, ولان لا معني لحضور الأعياد والمناسبات الجميلة في ظل غياب الأم, ولكن لنعي جيدا أننا لسنا الوحيدين على البسيطة من يعيش بفرحة هذا اليوم فهناك آخرون يلوذون بصمتهم ووجعهم وحنينهم بعيدا عن ضجيج السعادة معانقين ألمهم بذلك الجرح الغزير, ففقد الأم هو بمثابة الجرح والندب الذي لا يندمل بل يبقي آثره غائرا في قلب كل شخص ذاق معني الفقد, وهناك أمهات لم تمنحهم الحياة فرصة ان يتوجوا بمسمي الأمومة فرفقا بهؤلاء وراعوا مشاعر الألم التي تعصف بهم, لذا احتفل بعيد أمك ولكن بصمت لأن هناك يتامى لهم مشاعر وأحاسيس, واحتفل مع عائلتك بجو عائلي مليء بالعاطفة والمشاعر الصادقة  دون اللجوء الي الميديا والتغريدات وحالة الواتس اب التي تتغير كل نصف ساعة بصورة قبلة تطبعها على جبين والدتك وباقات الورد والجاتوة المزخرف والذهب الذي يعلم فيها كل أهالي الحي بأنه جلب هدية لأمه كنوع من البرستيج والتباهي والفشخرة الكذابة, أي مسرحية وتمثيلية تلك التي بتنا نشاهدها عبر وسائل التواصل والتي باتت بالكابوس الحقيقي للواقع المليء بالأفلام المتلونة والتي تنعدم فيها معاني الانسانية والرحمة والشفقة !

لقد اعتدنا ونحن صغار أن نحتفل بعيد الأم بكتابة مديح واعجاب وشكر ولكنني اليوم أراه من منظور غير معتاد, فلقد تحول من عيد الى معاناه ومأساة كبيرة وتجربة حياتية مريرة توقظ لهيب الحزن في قلوب أمهات تدوس على لوعة الاشتياق لكل أم شهيد فقدت وليدها بينما تسمع أصوات الجيران يلهون ويغنون وهي تبكي في صمت مرير, وقد يحدث في هذا اليوم مشاحنات كثيرة خاصة فيما يتعلق بموضوع الهدية بين الكنه والحماه والتي تصل الى خلافات أسرية بسبب قيمة الهدية, وهناك مشكلة من نوع آخر فقد تلزم الأهالي بشراء هدايا للمعلمات في المدرسة, وان تختار الأم هدية تتناسب مع مستوي أصدقاء أبناءها المادي والتي قد تصل الى مبالغ طائلة وفي بعض الاحيان تلجأ المدرسة الى الاحتفال فتقوم بطلب مبلغ مالي كبير من الطلاب للاحتفال بهذا اليوم والغريب بالأمر ان هذه النوعية من المدارس هيا خاصة فنجد الآباء كأنهم في حلبة مصارعة يتنافسون على الهدايا للإعلان عن أفضل هدية مقدمه, وقد توصل الأفوره للإعلانات فكثيرا ما نسمع خصومات عيد الأم على العربيات, أو الذهب الأبيض أو الشقق الفاخرة ثم يأتي الإعلان المشهور “هدية ست الحبايب عمرة رمضان والهدف منها يكون المبالغة والتي تكون الأم في غنى عنها, ربما هؤلاء الإعلاميون الذين يبالغون في تزيين عيد الأم هم أبعد الناس عن برها طوال العام ! لان بر الوالدين ليس يوم وهدية وصور ونشر للتفاخر إنما هو خفض جناح الذل من الرحمة وإحسان وتعاطف ولين وبر مستمرا فعله غير متقطع, وقبلة تضعها على جبين أمك صباح يوم ما, خير عندها من الدنيا وما فيها.

في ذكري كرست الجنة تحت أقدامهن مشاعر متضاربة تجتاح وجدان العالم بأسره بين مشتاق لعناق وقبلات وبين خائف في زمن” فيروس كورونا”, الكثير سيلجأ الى كتابة قصيدة أو قطعة نثرية يهديها لوالدته أو رسالة صوتية محملة بكل أشواق العالم، ولم تخل مواقع التواصل الاجتماعي من روح الدعابة فلقد غرد الكثير بأنه سوف يهدي والدته قفازات ومعقمات وكمامات حفاظا عليها ومنهم من قال” جت والله جابها، لا املك اي نقود لأي هدية”، مستدركا، لو اهدينا الام الدنيا بأسرها لقصرنا، ولكن في زمن “الكورونا”، الاحتفال عن بعد افضل, وأحمي ست الحبايب بكمامة واقية من كل الفيروسات” , “كحول وكلور وكمان كولونيا لست الحبايب ونقول باي باي للكورونا, وقام مصممو الهدايا بابتكار هدايا جديدة إلى جانب الورد والحلوى، حيث ظهر “كورونا بوكس” ويحتوى هذا الصندوق على مجموعة من المستلزمات الطبية التي تساعد على الوقاية من الفيروس، كما عرضت بعض المحال باقات مميزة لعيد الأم، وتتضمن صندوق “مشروبات الكورونا” يحتوى على مجموعة من مشروبات الأعشاب التي تقوى المناعة. ولقد أردف المختصين في علم النفس أن من يريد الاحتفال هذه السنه بيوم الأم له ذلك لكن بالمحافظة على ترك مسافات آمنه بين الفرد ونظيره, مع استخدام المعقمات والكمامات وغسيل الأيدي جيدا بالماء والصابون كلما استدعت الحاجة لذلك.

ان الحياة بأسرها والساعات والثواني ودقات القلوب وتعداد الأنفاس لو أنفقت ما في الأرض جميعا لتطأ به منزلة الأمومة وتضع هدايا الكون على أعتابها ما بلغتها, جل المقام وعلا القدر وسمت المنزلة التي تتحلي بها لذا يجب التقليل بالمبالغة في هذا اليوم مراعاة لمشاعر الاخرين واعطاء خصوصية للاحتفال في نطاق الأسرة بهدايا رمزية بسيطة تتناسب مع الضغوطات المادية التي نعيشها, فمن لا يعرف أُمه إلا يومًا واحدا في السنة فهو عاق لها، ومن يصلها ويهديها ويبرها كل يوم هو الفائز والمرضي, لأن الأم مختصر كل النعيم فأمك ثم البقية تعوضه الأيام فابتسامتها حكاية تروى وشمس لا تغيب, فاللهم اني اسألك نعيمًا لا ينفذ, لأنها لا تستحق يوم واحد في العام بل العمر كله فمن عاش خادما تحت قدم أمه عاش سيدا فوق رؤوس قومه, وان صوت الأم في البيت أكثر نعمة تستحق الشكر اليها, ورسالتي الي الجميلة أمي في عيدها أنت فرحي وعمري الحلو وضحكة الهناء في عيناي دمت لي سند وعونا فيا رب لا تحرمنا منها وارزقها عيشا قارا ورزقا دارا وعملا بارا.

شارك الموضوع:

التصنيفات: أدب وشعر