حرب أسعار النفط العالمي.. من سينتصر؟

 

وسط انهيار أسعار النفط إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ عقدين من الزمن، ثمة أسئلة تدور حول نقطتين: إلى متى ستستمر السعودية في إغراق السوق بالنفط؟ وهل نشهد قاعاً للأسعار عند 20 دولاراً أم أن هناك قاعاً آخر عند 10 دولارات؟

منذ بدء الهبوط الحر للأسعار نتيجة قرار السعودية رفع إمداداتها من النفط فوق الطاقة الإنتاجية القصوى لشركة «أرامكو السعودية» وفي أعقاب قرار روسيا الانسحاب من اتفاقية خفض الإنتاج هو ما يعني فعلياً أن حرب أسعار النفط بدأت. وهذه هي حرب الأسعار الثالثة في تاريخ «أوبك»، والتي ستحتفل بمرور 60 عاماً على تأسيسها.

في أوائل آذار 2020 عُقد اجتماع «أوبك +»، بحضور روسيا أهم المنتجين المستقلين. نتائج ومخرجات الاجتماع كانت «صادمة»، حيث لم يتوصل طرفا الاجتماع وهما أعضاء «أوبك» والمنتجون المستقلون باستثناء روسيا من جهة «23 عضواً» وروسيا من جهة أخرى، لم يتوصلا إلى اتفاق حول تعميق خفض الإنتاج، ما انعكس سلباً وبصورة قوية وفورية على أسعار النفط العالمي، فقد هبط سعر برميل خام برنت نحو 10 في المئة ليصل إلى نحو 45 دولاراً للبرميل، بالتزامن مع انخفاض الخام الأميركي بأكثر من 10 في المئة، الجدير بالذكر أن هذه المستويات هي الأسوأ منذ خمسة أعوام، هل ما يحدث إرهاصات لحرب سعرية ضروس؟ ومن المستفيد؟ رغم أن البعض يرون أن فشل اجتماع «أوبك +» في الوصول إلى تعميق خفض الإنتاج سيؤدي لهبوط أسعار النفط إلى مستوى أدنى.

السعودية صعدت المواجهة مع روسيا بتأجيج حرب الأسعار عبر رفع طاقتها الإنتاجية إلى 13 مليون برميل يومياً كما خفضت أسعار النفط المطروح للبيع إلى مستويات قياسية في محاولة للاستحواذ على حصة كبيرة في السوق، في موازاة تأكيد دولة الإمارات استعدادها لزيادة إمداداتها مِن 4 إلى 5 ملايين برميل، فيما هوت أسعار النفط مجدداً، بهذا، تكون الدولتان الخليجيتان قد تبنّتا موقفاً موحداً إزاء المواجهة مع الروس، عبر قرارهما ضخ كمّيات إضافية توازي 3.6 بالمئة من الإمدادات العالمية.

بالمقابل وفي اليوم الذي ناقش الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، «أسواق الطاقة العالمية»، مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، شهدت الأسواق انهياراً قياسياً في أسعار النفط بنسبة 25 بالمئة، وأطلقت عمليات بيع بدافع الهلع في سوق الأسهم الأميركية وغيرها واكتفى البيت الأبيض ببيان مقتضب عن تلك المحادثة.

الخطوات التي تبعتها دلّت على عزم السعودية مواصلة حرب الأسعار، وهذا يكشف دور أميركا في هذه الحرب.

يرى محللون أن السعودية لا تستطيع الصمود على هذه الحالة لوقت طويل، فهي تحتاج، بحسب «صندوق النقد الدولي»، إلى 80 دولاراً للبرميل لضبط موازنة 2020، التي يبلغ العجز المُقدَّر فيها 50 مليار دولار، فيما توقّعت مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»، من جهتها، أن تزداد نسبة العجز المتوقع في الموازنة السعودية للعام الحالي في الناتج المحلي، إلى أكثر من 15 بالمئة علماً أن الرياض طلبت من الإدارات الحكومية خفض موازناتها بين 20 بالمئة و30 بالمئة للعام الجاري، لمواجهة الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وبسبب المخاوف في شأن تأثير فيروس «كورونا» على أسواق الخام.

إخفاق مؤتمر فييناً، وردّ الفعل السعودي على رفض روسيا التعاون لخفض الإنتاج النفطي. وقد وصل سعر برميل «برنت» إلى 35.6 دولاراً، مسجِّلاً تراجعاً بنسبة 45 إلى 50 بالمئة في مدة شهرين، هي الأعلى منذ حرب الخليج.

قال مدير الأبحاث في «معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية» في باريس، فرانسيس بيران، إن جميع البلدان المنتجة للنفط ستكون متضرّرة من انخفاض سعره، وستكون تبعاته أقلّ وطأة على الروس. فموسكو تحتاج إلى سعر منخفض نسبياً لإعادة التوازن إلى موازنتها العامة «حوالي 42 دولاراً للبرميل، بحسب «صندوق النقد الدولي» وتمتلك احتياطي عملات صعبة يكفي لتجاوز الأزمة الحالية من دون خسائر كبرى. هو يشير إلى أن «موسكو انتهزت الفرصة التي توافرت لمفاقمة مصاعب منتجي النفط الصخري الأميركيين».

ويرى بيران أن التصعيد الروسي الحالي ضربة قوية لقطاع النفط الصخري الأميركي، الذي قد تجتاحه موجة إفلاسات في الأشهر المقبلة، ويُقدر الخبراء، أن إنتاج النفط الصخري يصبح غير ذي جدوى اقتصادية إذا هبط سعر البرميل إلى ما دون الـ60 دولاراً، وإذا انحدر إلى ما دون 32 دولاراً، فإن الخسائر تصبح فادحة. المفارقة، أن الخفض الكبير في الأسعار ملائم للمستهلك الأميركي. ودافع ترامب عن ضرورة الحفاظ على سعر منخفض للنفط، لأن بين ناخبيه قطاعاً واسعاً من المستهلكين الأميركيين.

المشهد يشير إلى أن الأسعار مرشحة للتراجع المتواصل في الأسابيع المقبلة، بسبب انعكاسات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، التي لم تصل إلى مراحلها المتقدِّمة بعد، وإلى مستوى حدّة صراع المصالح بين الرياض وموسكو، الذي قد يمتدّ زمنياً.

صناعة النفط الصخري الأميركية التي شكّلت ورقة قوّة إستراتيجية، لسنوات طويلة، باتت إحدى نقاط ضعفها. وأدت إلى تغيير الأنماط التقليدية للجغرافيا السياسية للطاقة.

يرى المستشار السابق لشؤون الطاقة في إدارة باراك أوباما، جيسون بوردوف، أن «الدراما» السعودية الروسية ستضرّ مصداقية «منظمة الدول المصدرة للنفط – أوبك» لسنوات مقبلة، فضلاً عن أنها ستقوّض صناعة النفط الصخري.

الواقع الحالي يشير إلى أربعة احتمالات أو سيناريوهات لتداعيات حرب الأسعار القائمة:

أولها، قرار السعودية تعويم سوق الطاقة مقامرة كبيرة. المشكلة عند السعودية هي أن روسيا أكثر مرونة تجاه انخفاض الأسعار ممَّا هي عليه بعدما ضاعفت احتياطاتها من العملات الصعبة، «تستطيع موسكو ضبط موازنتها عند 42 دولاراً للبرميل الواحد، على حين تحتاج الرياض إلى ضعف هذا المبلغ لضبط موازنة 2020».

ثانيها، احتمال انسحاب روسيا من اتفاق التعاون يهدد بتقويض قدرة «أوبك» على إدارة سوق النفط بفعّالية.

ثالثها، تُعدُّ صناعة النفط الصخري الأميركية الخاسر الأكبر من كل ما يحدث، لأن استمرار أسعار الخام في الولايات المتحدة عند حدود 30 دولاراً لمدّة طويلة سيؤدّي إلى إفلاس الكثير من الشركات.

رابعها، تكشف حرب الأسعار أن ثورة النفط الصخري ليست نقطة قوة اقتصادية وجيوسياسية كبيرة لواشنطن، بل نقطة ضعف جديدة أيضاً. جزءٌ من الغضب الروسي سببه السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً العقوبات الأخيرة ما دفع الأسعار إلى الانخفاض.

روسيا صرحت أنه في نهاية الشهر الجاري سينتهي اتفاق خفض الإنتاج، ويحق لروسيا وغيرها الإنتاج بالطاقة القصوى، كان هدف روسيا كما يرى البعض هو الضغط على النفط الصخري الأميركي، وكبح جماحه من النمو وزيادة حصته السوقية على حساب «أوبك» والمنتجين المستقلين في حال تم الاستمرار في خفض الإنتاج.

قد تكون حرب أسعار النفط هذه الأخيرة وسنرى إمكانية ميلاد نظام نفطي جديد، لكن من الذي سيقوده؟

وصول الأسعار إلى 10 دولارات أو بقاؤها عند 20 دولاراً فهو سيناريو مؤقت وغير مستدام إذا ما تعافى العالم من «كورونا» وخرج الكثير من المنتجين.

في حرب أسعار النفط العالمية هذه.. من المنتصر؟ موسكو ستنتصر.

د. قحطان السيوفي – الوطن السورية

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي