استعمار «غورو» للحوار!

كيف يمكن للسوريين أن يقبلوا بأي (حوار غير وطني)؟ ومعيار الوطنية عند الشعب السوري هو الانتماء إلى سورية, وطن التنوع والتعدد والتفاعل الحي بين المكونات الدينية أو الطائفية أو الأقوامية, لأن هذا التفاعل هو روح الهوية الحضارية للشعب السوري. وهي الروح الباعثة لقوة الإشعاع الرسالي, والشاحنة للفعل السياسي بطاقة تعاون وتلاقح مثمر مع المحيط والعالم. وهكذا خلقت سورية, وطن التعدد المتفاعل (لا المتجاور) ضمن واحدية الوطن السوري. وأي حوار لا يحترم حقيقة التكوين الحقيقي لسورية, ولا يلتزم بروح الهوية الحضارية السورية هو (حوار غير وطني)، ولا يمكن لأي وطني سوري موالٍ أو معارض, أن يقبل به, لأن العهد بين أي سوري ووطنه سورية, هو العهد لتحقيق وإعلاء الهوية الحضارية السورية والحفاظ على فطرتها الأصيلة الجامعة.

من أهم عوامل الهوية الحضارية السورية, عامل الارتقاء المستمر، ويكاد يكون التوق إلى الارتقاء جزءاً من المورثات الحضارية لكل سوري. وهذا ما يجعل سورية بيئة الارتقاء ووطناً استمراره في كل الأحوال. من هنا فإن أبشع ما يواجه أي سوري, أن يجد نفسه, مستهدفاً ممن يريد أن يرده إلى لحظة تاريخية مرفوضة. وهي لحظة استعمارية, وليست استعمارية فقط, بل من أغبى الممارسات الاستعمارية الفاشلة. تلك اللحظة التي تمثلت بما فعله الجنرال غورو, عند دخوله إلى سورية في عشرينيات القرن العشرين, ومحاولته تقسيم سورية إلى دويلات طائفية, لم تلبث أن سقطت بفعل وطنية الشعب السوري بكل مكوناته وأطيافه. فكم من البشاعة أن نسمع عن حوار يريد المشاركون فيه أن يرتدوا بنا إلى لحظة غورو, واستعماريته وغبائه, باعتماد تقسيمنا إلى طوائف وإثنيات؟ وتزداد البشاعة, لأن من يرتد إلى هذه اللحظة البائسة يتناسى أنها لم تصمد أمام هوية الشعب السوري الواحدة بحضاريتها, ويتناسى أيضاً أن هذه الهوية أسقطت غورو ودويلاته وتقسيماته وغباءه واستعماريته. وهذا ما يصيب أي مستحضر لـ«غورو», السقوط مع جريمة تزوير التاريخ وتشويه الهوية الحضارية. سورية لم ينشئها غورو, ولم تتشكل من (اتحاد طوائف).. سورية وطن حضاري, نشأ من تفاعل حضاري حي بين مكوناته, وهي الوطن الذي علّم الإنسانية بناء البيت, وزراعة القمح, وأبجدية اللغة.. إنها وطن التفاعل مع الإنسانية, بمشاركة الكون, زراعة القمح وبناء البيت والكتابة بالحروف الأبجدية.. أي انتقلت سورية من تفاعل مكوناتها, ضمن الوطن الأم إلى التفاعل بين هذا الوطن المشع مع الإنسانية في كل مكان. هذه سورية الواحدة, سورية الارتقاء الحضاري والتفاعل الحي.. أما دويلات (الطوائف) فهي لحظة طارئة, اعتدى بها المستعمر غورو, وسرعان ما سقط معها، وسيسقط من يستحضرها، لأنه يعتدي على هوية الوطن الحضاري السوري.

الحوار الوطني يستلزم احترام هوية الوطن, والالتزام برسالته, والعمل وفق فيزيولوجيته الأصيلة، وما دون ذلك فهو حوار غير وطني.. حتى لو جرى في جنيف!.

 

د. فؤاد شربجي  – تشرين

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي