الرصاصة الأخيرة!

 

الحرب على سورية لم تتوقف منذ مئة عام تقريباً، لكنها “تتطور” يوماً بعد يوم، وتأخذ إبعاداً جديدة وخطيرة، لكن المهم في هذه الحرب أنها لم تحقق انتصاراً كاملاً، لكنها في الوقت نفسه لم تتلق هزيمة كاملة، أي نصف نصر ونصف هزيمة.

القاسم المشترك الأعظم في كل هذه الحروب المتلاحقة هو الشعب السوري الذي أثبت أنه مقاوم للصدمات والمؤامرات والحروب والخيانات الخارجية والداخلية، وهذا الشعب وحده كان صمام الأمان، ليس لسورية فحسب، بل للمنطقة العربية برمتها.

عندما قلت إن الحرب لم تتوقف منذ مئة سنة (قرن بالتمام والكمال) فقد قصدت الاحتلال الفرنسي الذي بدأ بتسمية ناعمة هي “الانتداب”، في عام 1920، وتحديداً في شهر تموز من ذلك العام، وتعرفون البقية من دون الدخول في التفصيلات التي صارت من المحفوظات في الذاكرة السورية.

لن أتحدث عن فترة الاستعمار العثماني، فأنا لست مؤرخاً، سأكتفي بالتوقف عند محطات مرت بها سورية في القرن المنصرم، أقصد في مئة السنة الماضية، من عملية الانتداب التي كانت بمثابة الرصاصة الأولى التي وجهت لظهر وقلب سورية بعد خيانة الحلفاء وتقاسمهم “لإرث” الرجل المريض، أي الإمبراطورية العثمانية.

الرصاصة لم تكن الانتداب والاحتلال الفرنسي الذي زال إلى غير رجعة، بل كانت بانتزاع لواء إسكندرون من الجسد السوري وتقديمه على طبق من ذهب للمستعمر العثماني، ربما كتعويض عن خسائره في المشرق العربي، وتقهقره نحو الحدود المرسومة لتركيا!.

فبعد أن فشل الاستعمار الفرنسي في تقسيم سورية إلى دويلات قائمة على أساس طائفي ومذهبي، أراد ألا يخرج من بلادنا من دون أن يترك جرحاً نازفاً في الجسد السوري، فكان لواء إسكندرون هو ذلك الجرح.

توالت الجراح والرصاصات الغادرة بعد ذلك, من جريمة اغتصاب فلسطين وتمكين قطاع الطرق والأفاقين وشذاذ الآفاق من احتلالها، إلى عدوان 1967 واحتلال الجولان السوري، وتوالت الطعنات والرصاصات.

يقودنا قطار المؤامرات إلى العام 2011 الذي كان مقرراً له أن يكون بمثابة “الضربة القاضية” لسورية والتي “ستسقط” الدولة السورية بالكامل بكل مؤسساتها وأجهزتها ومفاصلها، والجميع يذكر أن كل التصريحات من واشنطن ولندن وباريس وأنقرة والرياض وغيرها كانت تتحدث عن “أشهر معدودة”، بل “أيام قليلة وتسقط” الدولة السورية، واستخدمت كل الأسلحة دفعة واحدة.

في مقدمة هذه الأسلحة كانت التنظيمات الإرهابية التي عملت على تدمير البنية التحتية لسورية وبث الهلع والخوف في نفوس السوريين عن طريق الجرائم المروعة التي استهدفت الأبرياء، والتي لم تستثن حتى الأطفال والنساء والشيوخ.

وكان تنظيم “داعش” هو رأس حربة هذا الإرهاب، وكي نكون واضحين نذكّر بأن هذا التنظيم الإرهابي كان صناعة أمريكية من “المنبع إلى المصنع” وقد اعترفت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في كتابها (خيارات صعبة) بأن الولايات المتحدة هي من أنشأت “داعش” بهدف “تقسيم منطقة الشرق الأوسط”!.

فقد اصطدمت “مدحلة الربيع العربي” بسورية، وكان لا بد من “إخضاعها” بقوة الإرهاب، ومن ثم بالاحتلال الأمريكي والبريطاني والتركي لأجزاء من الأرض السورية، لكن كل ذلك فشل في تحقيق الهدف الأمريكي– الاستعماري– الصهيوني، وبالتحالف مع بعض الأنظمة العربية، هنا كان الرأي يتجه إلى “معاقبة” السوريين أجمعين، لذا كان الحصار الاقتصادي الظالم. و”قانون سيزر أو قيصر”، وما بعد هذا “القانون”.

لكن الرصاصة الأخيرة المتبقية في بندقية الولايات المتحدة ليست فقط الحصار الاقتصادي، بل أيضاً حرب الشائعات التي تنشرها الصحف إياها ومعظم مواقع التواصل الاجتماعي لإحداث حالة من البلبلة والهلع في الداخل السوري، والحملة مستمرة ويتابعها السوريون بحذر ووعي تام.

الرصاصة الأخيرة لن يكون مصيرها إلا ككل الرصاصات التي وجهت للصدر السوري العاري إلا من الإيمان بقدرة سورية على إجهاض كل المحاولات اليائسة.. البائسة.. “لإسقاط” الدولة السورية التي.. لن تسقط أبداً.

عصام داري – تشرين

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي