الموقف الأمريكي من سد “النهضة”

لا تزال أزمة مشروع سد “النهضة” الأثيوبي تمثّل نقطة إثارة للتوتّرات الجيوسياسية بين مصر والسودان وإثيوبيا، إذ إن هذا المشروع الذي بدأت أديس أبابا ببنائه منذ عام 2011 يثير توترات حادة بينها وبين السودان ومصر اللتين تتقاسمان معها مياه النيل وتخشيان أن يحد السد من كمية المياه التي تصل إليهما.

 

وقد شكّلت آلية تشغيل وملء السد، نقطة الخلاف الرئيسة بين الدول الثلاث، بسبب تأثيرها في تزويد المياه لدولتَيْ المصبّ. ولفهم أعمق لهذا النزاع لا بد من التعريج على الموقف الأمريكي.

 

وللحصول على إجابة وافية وواضحة بشأن الموقف الأمريكي من الخلاف المصري- الإثيوبي، يُفضل العديد من المحللين الأمريكيين فهم سياسة إدارة الرئيس ترامب من القارة الإفريقية، قبل الحديث عن الموقف.

 

وعلى الرغم من اعتقاد بعض الخبراء بأنه لا توجد في الواقع أي سياسة محددة في البيت الأبيض تجاه القارة، يرى آخرون إن السياسة الأمريكية تجاه القارة تتحرك من وزارة الدفاع وليس من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية، وسط معطى ثابت في تفكير ترامب وهو الصين فهي الثابت الوحيد لسياسة ترامب تجاه إفريقيا.

 

والحال، يجري الحديث في الولايات المتحدة عن “خطة مارشال” لزيادة الإنتاج والتجارة والاستثمار في إثيوبيا ضمن خطوة لدفع هذه البلاد لكي تكون مركزاً صناعياً بديلاً للصين، ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن واشنطن لا تريد في حال من الأحوال إحداث أي ضغط على أديس أبابا في محادثاتها بشأن سد النهضة، على الرغم من أن مصر تمثل أهمية خاصة بالنسبة لواشنطن..

 

من هنا تبدو إمكانية أن تمارس واشنطن أي ضغوط على إثيوبيا شبه معدومة أو غير واردة، على عكس ما يحاول الأمريكيون تقديمه من خلال “رعاية” مفاوضات ثلاثية، بمعنى إذا كان المصريون يرون أن المنفذ الوحيد للخروج من الأزمة هو أن يضغط ترامب على إثيوبيا، فهذا يبدو بعيداً عن اهتمامات البيت الأبيض حتى الآن، على الرغم من التعهدات الأمريكية لمصر بأنها “ستواصل الجهود للتوصل إلى اتفاق”.

 

لقد لعبت إثيوبيا بمخادعة في التعامل مع قضية السد، حيث حاولت بكل جهد منع تدويل المشكلة، على أساس الاعتقاد بأن مشاركة القوى الإقليمية والعالمية سيحد من قدرة أديس أبابا على ملء وتشغيل السد، وعندما وجدت أن المفاوضات المباشرة مع مصر برعاية أمريكية قد تؤدي إلى مسارات لا تعبر عن مصالحها، لم تحضر الاجتماعات، ولم تواجه واشنطن هذه الممانعة برد حاسم، ما يمكن من فهم حدود الموقف الأمريكي وتالياً عدم إمكانية التعويل على إحداث اختراق في هذه الأزمة التي يبدو أنها ماضية إلى مزيد من التعقيد.

 

شوكت أبو فخر – تشرين

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي