في ذكرى اليوم العالمي للرياضيات ” السوريون مدونو أقدم دليل على العد والإحصاء في العالم”

 

بقلم المؤرخ الدكتور محمود السيد-المديرية العامة للآثار والمتاحف والإعلامي محمد عماد الدغلي

الرياضيات هو علم الدراسة المنطقية لكم الأشياء وكيفها وترابطها، وعلم الدراسة المجردة البحتة التسلسلية للقضايا والأنظمة. وهو علم مرتبط بتفاصيل الحياة اليومية وبالعلوم المختلفة، إذ تتجلّى التطبيقات الرياضية في الطبيعة، والتكنولوجيا، والفن والأدب والهندسة المعماريّة، والفيزياء، وعلم الأحياء، والعلوم البيولوجية، وعلم الاجتماع وعلم التاريخ وتشغيل الآلات، ومجالات البناء، والبنوك، والأبحاث، ورسم الخرائط، …

 والرياضيات هي سبب قدرة الإنسان على الاستدلال المنطقيّ، والتفكير النقديّ، والتفكير الفراغيّ والمكاني، وبفضل الرياضيات ترسخت لدى البشر مهارات التواصل اللازمة والفعّالة في الحياة وتعززت لديهم القدرة على الابتكار من أجل الوصول إلى الحلول. ومن خلال الرياضيات بفروعها المختلفة (الحساب، الجبر، الهندسة، الفلك) تمكن الإنسان من دراسة وتحليل العلاقات بين الظواهر الطبيعية المختلفة والتعرف على بعض القوانين التي تحكم الكون.

ويمكن اعتبار الرسم والتلوين على جدران الكهوف والمغارات أول أشكال الكتابة في التاريخ والمراحل الأولى التي سبقت اختراع نظم الكتابة. فمع نهاية العصر الحجري القديم بدأ الإنسان بالرسم والتلوين على الصخور وعلى جدران المغارات والكهوف. وأقدم هذه الرسوم حتى الآن اكتشف في مغارة لاسكو في شمال فرنسا وتناولت هذه الرسوم على الأرجح الطقوس السحرية للصيادين. وتحتوي هذه الرسوم على أقدم دليل في العالم على استخدام الرسم في العد والإحصاء. وعلى سبيل المثال فقد كرر الرسام في إحدى الرسوم صورة الثور عدة مرات

وينسب للعصر الحجري بعض القطع العظمية المكتشفة التي رسمت عليها العديد من الخطوط أو الشقوق والتي ربما كانت وسيلة لحساب الأشياء مثل مرور الأيام أو الأشهر القمرية أو حساب عدد الطرائد.

وتوثق الدراسات اللغوية واللقى الأثرية والنقوش الكتابية المكتشفة في مختلف المواقع الأثرية، إسهامات الحضارة السورية ودورها الرئيسي في ظهور نظم الكتابة والحساب وتطورها في العالم. وريادة الحضارة السورية في ميدان الكتابة والحساب لم يكن محض صدفة بل هو ثمرة التقدم الحضاري الذي دأب السوريون على إنجازه في العصور السابقة.

ويعتبر علم الحساب هو أول علم من علوم الرياضيات، وفي سورية ابتكرت للمرة الأولى في العالم قطع حجرية هندسية صنعت من حجر كلسي بهدف العد وتدوين عدد من السلع المتبادلة اكتشفت أقدمها في موقع تل الجرف الأحمر  ويبلغ ارتفاعها 1,7 سم وتؤرخ  بالألف التاسع قبل الميلاد ومحفوظة بالمتحف الوطني بدمشق و هي أقدم من القطع الهندسية الصغيرة المصنوعة من الطين المشوي و المكتشفة في عيلام و بلاد الرافدين و المؤرخ أقدمها بالألف السابع قبل الميلاد والتي تجسد حوارا بين شخصين بهدف تدوين عدد السلع المتبادلة بينهما وهذه الرموز تشير إلى الحيوانات والمنتجات الزراعية كالخراف والقمح والزيت

انطلاقا من الألف الرابع قبل الميلاد ولتجنب فقدان هذه القطع وتسهيل عملية نقلها وحفظها تم وضعها داخل كرات طينية مجوفة ومغلقة كما صور على سطح هذه الكرات شكل القطع الموجودة في الداخل منعا من التزوير واستخدمت في حساب الضرائب الواجب على المزارعين دفعها للملك. ونملك في سورية الكثير من هذه النماذج منها كرة طينية ممهورة بختم اكتشفت في موقع تل حبوبة الكبيرة و تؤرخ بحوالي 3200 ق.م

 

وفي أواخر الألف الرابع ق.م ظهرت أولى محاولات التدوين على ألواح أو رقم مصنوعة من طين وكانت عبارة عن نصوص حسابية سجلت عليها أعداد رؤوس الماشية وأكياس الطحين وجرار الزيت ومنتجات أخرى. اكتشفت أهم هذه الرقم في جبل عارودة وتل براك وتل حبوبة الكبيرة

ثم ظهرت في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد الرقم الطينية التي وثقت بواكير محاولات الانتقال من الرمز الصوري إلى التدوين بالرموز المسمارية اكتشف أهمها في موقع تل براك وتل جبل عارودة والرقم محفوظة في متحف حلب ومتحف دير الزور

وفي سورية اكتشف أقدم دليل في العالم حتى الآن على استخدام أداة تشبه القلم في التدوين والكتابة, حيث وجد في موقع “تل الجرف الأحمر” الأثري على الضفة اليسرى لنهر الفرات لوحات حجرية بازلتية حفر عليها أقدم أنواع الكتابة الصورية في العالم وأقدم دليل على العد والإحصاء في العالم حيث استخدم المدون نحت رأس الثور وكرره عشرات المرات في عملية الحساب ومع العلم أن صورة رأس الثور ترمز في الكثير من الكتابات القديمة إلى حرف الألف كما هو الحال في الكنعانية والكتابة الصورية البدائية السينائية و الكتابة الفينيقية… وتنسب اللوحات إلى عصر “النيوليت ما قبل الفخاري أ” ويمكن تأريخها في الفترة الواقعة بين 8700 و8500 سنة قبل الميلاد وهي محفوظة في المتحف الوطني بدمشق

 

ما سبق يوثق إسهامات الشعب السوري في ابتكار وتدوين العد، والأرقام والتي هي أشكالاً أو رموزاً تعبّر عن عدد معيّن أو عن شيء معدود؛ ويختلف العدد عن الرقم ويتكون العدد من خانة واحدة، بينما يتكوّن الرقم من أكثر من خانة والرقم هو الشكل الرمزي للعدد، والّذي يعبّر عنه بالكتابة لتمييزه عن غيره، فالأرقام هي سلسلة من الرّموز الثابتة للتعبير عن كميّة ما لأيّ شيءٍ معدود. وأصبح العد في الألف الثالث قبل الميلاد نظاما قائما بذاته بفضل السومريون، أول من اكتشف الصفر في العالم وعبروا عنه بإشارة لِوَتَد مزدوج مائل ومن بعدهم البابليون الذين أشاروا في بادئ الأمر إلى الصفر عن طريق ترك مسافة فارغة بين النقوش المسماريّة التي تُمثّل الأرقام، ثم دونوا الصفر برمز على شكل وتد مزدوج زاوي الشكل. علما أن أصل كلمة صفر ترجع إلى الترجمة الحرفية العربية للكلمة السنسكريتية سونيا وتعني “الفراغ”

 

 

 

 

سنمار سورية الاخباري

التصنيفات: _آخر الأخبار,_سلايد,الأخبار,الحضارة السورية