التضليل الجديد باسم اليسار

 

يبدو أن بعض المتفلسفين باسم اليسار أو اليمين، وهنا لا يهمني كثيراً الانتماء الإيديولوجي، لأنهم ما يزالون مستمرين بعملية التضليل ضمن إطار استمرار تسخير أنفسهم وأقلامهم، وكل ما يملكون في خدمة الحرب الفاشية على بلدهم وشعبهم وجيشهم.

آخر اختراعات هؤلاء هو نشرهم عريضة على موقع تموله أجهزة المخابرات الغربية اسمه «الجمهورية دوت نت» بتاريخ 27 آذار الماضي يهاجمون فيها اليساريين السوريين الذين وقفوا موقفاً مشرفاً مع بلدهم ضد هذه الحرب الإجرامية، ويعتبرون موقفهم هذا بمنزلة موقف أحمق، ويعيدون تكرار المصطلحات البالية نفسها التي قرف الناس منها طيلة سنوات عشر، وكشفتها الوقائع والأدلة والأحداث، لا بل فضحتها الصور، والتصريحات، والمقالات الغربية، إذ يريد هؤلاء القول إن النظام السياسي في سورية «شر مطلق» واستبدادي، دعمته روسيا وإيران، والجديد إضافة الصين إلى القائمة، وإن الولايات المتحدة ليست مركزية فيما حصل في سورية، أي إن تفسير ما حدث فيها هو صراع بين المستبدين أمثالنا وبين طلاب الحرية أمثال: صدر الدين البيانوني، ورياض طيفور، وأبو بكر البغدادي، وأبو محمد الجولاني، وبرهان غليون، وعزمي بشارة، وميشيل كيلو… والقائمة تطول.

يريد هؤلاء القول الآن إن الصراع على سورية، وفي سورية هو من أجل الحرية، وحقوق الإنسان، وإنه صراع بين مستبدين، ديكتاتوريين، تدعمهم روسيا فلاديمير بوتين، وإيران علي خامنئي، وصين شي جين بينغ، وبين طلاب الحرية والتقدم المدعومين من واشنطن، وآل سعود، وآل ثاني، ورجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو، ويوسف القرضاوي، وعدنان العرعور، والوهابية، والإخوان وبعض الديكور اليساري المرتزق على موائد البترودولار، أو الليبرالي الملتصق أساساً بما يملى عليه.

الطريف في الأمر أن هذا التصنيف، والتقسيم الإيديولوجي يتفق تماماً مع ما أعلنته إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الجديدة من تقسيم للعالم بين مستبدين أي خصومها، ومنافسيها الجيوسياسيين روسيا والصين وإيران، وبين اتحاد الديمقراطيين في العالم لمواجهة هذا الشر القادم على العالم، وكأن هؤلاء يعيدون صياغة توجهات وثيقة الأمن القومي الأميركي المؤقتة، ولكن بعنوان يساري، وباسم سوريين، للقول لبايدن نحن في خدمتكم في الاستمرار بمحاربة بلدنا وشعبنا، ودعم حصاركم له، وقتلكم السوريين ببطء تحت عنوان استجلاب الحرية له، وحقوق الإنسان، وتحريره من نير الاستبداد والطغيان.

الأطرف من ذلك، أن بيان هؤلاء اليساريين المرتزقة يتوافق تماماً مع محاولات الإرهابي أبو محمد الجولاني تقديم نفسه بلباسه الجديد مع الجيل والطقم، من خلال مقابلة مع أحد وسائل الإعلام الأميركي «فرونت لاين»، حيث أراد الجولاني القول للأميركي إنه مستعد ليكون خادماً أميناً لمشروعات الولايات المتحدة، وهو أساساً يحارب العدو نفسه أي الدولة السورية، وروسيا، وإيران، متناسياً الآيات التي كان يتاجر بها، والأحاديث النبوية التي كان يطلقها ليصطاد عبرها البسطاء والحاقدين، ويضمهم لغلمانه فيما يسمى بـ«هتش» أي «هيئة تخريب الشام»!

الآن: أليس لافتاً للانتباه هذا التناغم بين مدعي اليسار في بيان آذار، وبين تصريحات الجولاني للإعلام الأميركي، هي الكلمات نفسها، والتعابير، والمصطلحات، فقط تستبدل مصطلحاً ماركسياً بمصطلح إسلاموي، وبياناً موقعاً من عشرات المتفلسفين، ومقابلة باهتة للجولاني لا فرق بين الجانبين سوى أنهم خدم حشم لواشنطن، ويقدمون أوراق اعتمادهم من جديد، بأدوار جديدة ولبوس جديد، ومصطلحات أكل الدهر عليها وشرب.

الحقيقة الأهم أن اللبوس الإيديولوجي لم يعد مغرياً، ومضللاً لأحد، إذ بعد سنوات عشر من هذه الحرب الفاشية على سورية، يعود هؤلاء لنغمة عام 2011، ولكذبات ما سمي بـ«ثورة سورية» من أظافر أطفال درعا، إلى النظام الذي يفجر مؤسساته، إلى التظاهرات التي تُضخم عبر الزووم، إلى سلمية الحراك، إلى التمويل الذاتي للثورة، إلى الانتقال للسلاح، بسبب عنف النظام، إلى تسخير قناة «الجزيرة» التابعة لـ«سي أي إيه» كل إمكاناتها للحديث عن الحرية والديمقراطية، وهي لا تملك مع مالكها الافتراضي حرية إذاعة نشرة أخبار، قبل التدقيق من قبل ملّاكها الحقيقيين، وأستطيع أن أعدد آلاف الأمثلة لكثرتها، ولكثرة الأكاذيب، والتضليل التي استخدمت في الحالة السورية.

الجانب الآخر المهم أن هؤلاء المرتزقة، والكتبة الذين يريدون تبرئة الولايات المتحدة مما حصل، ويحصل في سورية، تكذبهم فوراً آلاف الوثائق الأميركية، والتصريحات لمسؤولين كبار، ولرؤساء ولضباط استخبارات، ولتصريح رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم الذي اعترف بإنفاق أكثر من 137 مليار دولار لوجه الله، من أجل «الصيدة» التي اسمها سورية! وخسئ هو ومعلموه، وأسقط الشعب السوري ببطولاته مع جيشه هذا المشروع الذي يهدف لتقسيم سورية، وإنهاء وجودها ورسالتها.

أما التلطي خلف اليسار أو الإسلام فقد أصبح بضاعة كاسدة لا قيمة ولا وزن لها، وانتهى مفعولها منذ زمن طويل، لأن الصراع ليس إيديولوجياً أيها الحمقى، الصراع في جوهره حرب تحرير وطنية، وحرب لحماية الاستقلال الوطني ووحدة البلاد والشعب، حرب ضد الفاشية الجديدة، التي تتلطى خلف شعارات زائفة، كاذبة، منافقة ذلك أن واشنطن لم تكن خلال تاريخها حامية لحقوق الشعوب وحرياتها، بل هي إمبراطورية إجرامية ضد شعبها ومواطنيها أولاً، ولا يمكن أن تكون عادلة مع السوريين، ومجرمة ضد مواطنيها السود كما رأينا بأم أعيننا.

لم تعد «الفزلكة» لدى البعض، والبيانات، والتواقيع، والردح مفيداً بعد سنوات عشر من هذه الحرب الدموية الفاشية على بلدنا وشعبنا، على الرغم من الظروف القاسية جداً التي نمر بها، فإن رسالتكم وصلت لواشنطن، بالطبع التي لن تتردد في استخدام العملاء إذا كانوا مفيدين لها يساريين أو إسلامويين، أو إيديولوجيين آخرين، وسترميكم إلى مزابل التاريخ عندما تنتهي من استخدامكم، أما التضليل باسم اليسار أو اليمين، أو الإسلام فقد أصبح موضة بالية أيها الكتبة لدى موائد البترودولار.

إلى طلاب الحرية في واشنطن وباريس ولندن، ابحثوا عنها في مكان آخر، ابحثوا عنها لدى الشعب الأبي، وفي شقائق النعمان، ولدى الجنود المرابطين في كل مكان، والذين يدافعون عن وحدة بلدهم، واستقلاله

د. بسام أبو عبد الله – الوطن

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي