في ذكرى عيد العمال العالمي إبداعات الأنامل السورية عالميا في صناعة الأواني الحجرية

 

 بقلم المؤرخ الدكتور محمود السيد-المديرية العامة للآثار والمتاحف والإعلامي محمد عماد الدغلي

 

تحتفل كثير من دول العالم في الأول من مايو من كل عام بعيد العمال العالمي. وهو يومٌ مخصَّصٌ لدعم العمال والاحتفال بالإنجازات والتضحيات التي قدَّموها في خدمة الوطن وبناء الحضارة الإنسانية. وقد برع العامل السوري منذ الأزل واتصف عمله بالإتقان والجودة وتفرد في كثير من الصناعات وكان له دور الريادة العالمية فيها كصناعة الأواني الحجرية.

يشكل العمل بشقيه العقلي والعضلي أهم مقومات استمرار الحياة البشرية وتقدمها وبفضل العمل قامت الحضارات الإنسانية وازدهرت الدول. إتقان العمل هو القيمة التي تبنى بها الأمم وترتقي بها المجتمعات وتحقق من خلاله التقدم والتطور والرقي فحياة الإنسان واستمرارها على الأرض مرهونة بالعمل والعمال اللذين يشكلان قوام الحياة والمجتمعات المتطورة والمتقدمة تنجز أعمالها بنفسها ولا تعتمد على غيرها. وقد وهب الله الحرفيين السوريين أنامل مبدعة وأفقا واسعا ولمسة فنية قل مثيلها في العالم فبرع الحرفي السوري في نحت التماثيل وطور تقنيات صناعة الأواني الحجرية عالميا.

اللقى الأثرية المكتشفة في مختلف المواقع الأثرية السورية توثق معرفة السوريين لصناعة الأواني الحجرية منذ العصر الحجري الحديث ففي سورية ظهرت عدة أدوات وأوعية بدائية كانت تصنع من الحجر وتعتبر من أقدم الأوعية الحجرية المكتشفة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ففي موقع تل الجرف الأحمر اكتشف أقدم وعاء في المنطقة مزين بنقوش نافرة وأشكال هندسية يعود تاريخ صنعه إلى 9000 عام قبل الميلاد، مصنوع من حجر الكلوريت أبعاده 12 سم ضرب 9 سم، محفوظ حاليا في المتحف الوطني بدمشق.

ويعود للسوريين أيضا الفضل عالميا في صناعة وانتشار الأواني الحجرية المصغرة المصنوعة من الحجر الكلسي المرمري في نهاية الألف السابع قبل الميلاد ويشهد على ذلك كأسان رباعيا القوائم اكتشفا في موقع تل بقرص الأثري ويؤرخان بالعصر الحجري الحديث ما قبل الفخار/ ب/ بالفترة الواقعة ما بين 6400-5900 ق.م. صنع الكأسان وفق تقنية تشكيل وتجويف الحجر حتى يأخذ الإناءان شكلهما الأساسي ثم تم شحذ الإناءين من الداخل عن طريق استعمال أدوات الصقل الحجرية والتنعيم بالرمل, ثم تم تهذيب سطح الإناءين وصقلهما وقد ساهم أسلوب الصقل والتلميع بدقة و مهارة على سطحهما بإظهار عروق الرخام الملونة علما أن نحت الأواني الرباعية القوائم ذات الفوهات العالية قد تم من خلال استخدام مثاقب على شكل عيدان الكبريت مصنوعة من حجر الصوان.

 

ويشهد على توظيف الرخام في صناعة الأواني في سورية قديما إناءان مشغولان من الرخام الأبيض على شكل أرنب وقنفذ اكتشفا في خرائب البيت المحترق الثاني عشر في موقع تل بقرص الأثري الواقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات مقابل مصب نهر الخابور ويؤرخان بالعصر الحجري الحديث ما قبل الفخار بالفترة الواقعة بين 6400 و5900 ق.م ويؤكدان براعة النحات السوري وقدرته على تصوير الشكل المراد نحته بكل دقة وواقعية مع مقدرة فريدة على إبراز دقائق التفاصيل والملامح.

 

ويملك المتحف الوطني في دمشق آنية من الحجر المرمري مصقولة من الداخل والخارج وعثر عليها في تل الرماد وتؤرخ بحوالي 6250 ق.م وهي من أندر القطع الأثرية الرخامية المصقولة في العالم.

 

والسوريون من أقدم الشعوب في العالم التي صنعت الأواني الحجرية المنزلية من حجر كلسي مطحون وممزوج بالرماد أو القش عرفت باسم الأواني البيضاء وقد اندثرت في مطلع الألف السادس قبل الميلاد بعد انتشار الأواني الفخارية وأقدم هذه الأواني البيضاء يؤرخ بالألف السابع ق.م وهو عبارة عن كوب صغير أو آنية بيضاء مكتملة الصناعة ومصنوعة باليد بتقنية عالية وقد اكتشفت في أقدم سوية أثرية من سويات الاستيطان في موقع تل رأس الشمرا (مملكة أوجاريت) وهي محفوظة الآن في متحف اللوفر بباريس.

 

فضلا عن صناعتهم أواني حجرية مصقولة فريدة بينها طاسة من المرمر الأحمر المصقول اكتشفت في موقع تل الرماد الأثري في محافظة الحسكة.

وفي سورية اكتشف في المدفن الملكي في قطنا أكثر من 60 وعاء حجري مصنوعة من مرمر أبيض، ألبيستر، سربنتين، عقيق، حجر السماق، الديوريت الصواني، تؤرخ بعصر البرونز الوسيط وعصر البرونز الحديث وثلاث أواني منها تؤرخ بأواخر الألف الرابع وأوائل الألف الثالث قبل الميلاد.  وتعد أكبر مجموعة من الأوعية الحجرية التي عثر عليها حتى الآن في منطقة شرق البحر المتوسط في مجمع أثري نوعي واحد. وتقدم أهم دليل في العالم على أن الأوعية المصنوعة من هذه المادة الدائمة على مر الزمن لم يقتصر استخدامها على الطقوس الدينية المتعلقة بالعالم الآخر فقط بل استعملت أيضا في تلبية متطلبات الحياة اليومية.

والسوريون أول من صنع في العالم من حجر العقيق الكريم قوارير، ففي سورية اكتشفت قارورة صغيرة من العقيق فريدة من نوعها ونادرة جدا ولم يعثر حتى الآن على مثيل لها على الإطلاق في منطقة المشرق ودول البحر المتوسط والعالم وتؤرخ بالنصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد. وتعد هذه القارورة المصنوعة من العقيق من اللقى الفريدة والنادرة جدا عالميا لأن حجر العقيق لم يستعمل في العالم قبل تاريخ صناعة القارورة إلا لصنع الحلي وهي محفوظة في متحف دمشق الوطني.

 

 

إذاً لسورية دورا عالميا موثقا بالأدلة والاكتشافات الأثرية في تطوير تقنيات صناعة الأواني الحجرية انطلاقا من العصر الحجري الحديث. وقد آمن الشعب السوري أن العمل منذ الأزل ضرورة فطرية ولا يمكن للحياة البشرية أن تستمر على وجه الأرض بدون العمل وإتقانه فحياة الإنسان واستمرارها على الأرض مرهونة بالعمل والعمّال فالعمل هو روح الحياة وديناميكيتها وهو المحرك لهذه الحياة وهو الذي يعطيها الصبغة الحركية وهو أساس عمارة الأرض وحجر الأساس في ترك الاعتماد الكلي على الأمم الأخرى والعمال هم العنصر الحيوي في المجتمع الذي يسهم في تقدّمه وازدهاره والعلم هو طريق العمل الجاد. ولولا العمل لما قامت الحضارات الإنسانية وازدهرت الدول ففي العمل تحقيق للذات وتلبية للاحتياجات وتدعيم لأسس المجتمع ومن خلال إتقانه وربطه بالعلم والتكنولوجيا الحديثة تتكون رؤية ومخطط واضح للمستقبل.

خاص سنمار سورية الاخباري

 

 

التصنيفات: _آخر الأخبار,_سلايد,اخترنا لكم