عن المقاومة و«الإخوان» وحرب الرئيس الأسد المفتوحة: عندما يدفع السوريون الثمن!

 

خلال سنوات الحرب على سورية، لو دققنا في الخطابات أو الأسئلة التي أجاب عنها الرئيس بشار الأسد والمتعلقة تحديداً بالقضية الفلسطينية سنجد تقاطعينِ مُهمين:

الأول هو أن القضية الفلسطينية كما المقاومة للمشروع الصهيوني، لا يمكن اختزالهما بتنظيمٍ أو حركة، أما الثاني فإن فكرةَ الرهان على الشارع العربي لا تزال موجودة، واليأس من تحقيقها هو أشبهَ بإعطاءِ العدو الصهيوني انتصاراً مجانياً أدواته الأساسية هي تلكَ الشعوب التي رفضت حتى الآن بأغلبيتها الكاسحة اعتبار الكيان الغاصب جزءاً من مستقبل هذه المنطقة.

اليوم نبدو كأننا مضطرون لقراءةِ الأحداث الجارية في فلسطين المحتلة من هذين المنظورين فكيفَ ذلك؟

إن كان البعض أخذَ على عاتقهِ بجهلٍ أو معرفة فكرةَ تقزيم شعار المقاومة والصمود، فإن الأولى لنا اتخاذَ سياقٍ آخر في التعاطي معهُ، لنبدأ من جنوبِ لبنان ونطرح هذا السؤال البسيط:

لا تقل لي ماذا فعلت المقاومة في جنوب لبنان، قل لي ماذا لو لم تكن هناك مقاومة في جنوب لبنان؟!

هذهِ المقاربة تصلح للكثير من القضايا العالقة أو تلكَ التي شابها ما شابها من تشوهاتٍ متعمدة لأنها كمصطلحات وكتنفيذ تشكل خطراً وجودياً على مشروعٍ صهيوني نستعيد هذه الأيام ذكراه الثالثة والسبعين المشؤومة.

الفعل المقاوم يحتاج عملياً إلى فاعل، يحتاج إلى من ينفِّذ هذه الأفكار على الأرض، قد تكون دولة، ولم تبق إلا سورية، وقد تكون تنظيماً مسلحاً، مثل حزب اللـه أو الجبهة الشعبية القيادة العامة، هذا التنفيذ يخضع لعمليات صعودٍ ونزول، يخضع لضغوطات ومحاولات استمالةِ أو مصادرةِ قرارٍ طوبى فيها لمن يصابر ويكابر، هنا يبدأ الفرز لكن في كل الأحوال فإن أي خطأ يرتكبهُ هذا التنظيم أو ذاك هو خطأ يصيبه قبل غيره، والمقاومة كفكرة أقدس من أن تلوث، ولكي تتضح الصورة أكثر تعالوا نبتعد عن مقاربة الموضوع من زاوية موقف حركة حماس وانخراطها في الحرب على الدولة التي مدَّت يدها وآوتها يوم لفظها الجميع، ليكن السؤال كالتالي: ماذا لو كان حزب اللـه هو من انقلب على علاقاتهِ مع سورية، وشاركَ الإرهابيين تسليحاً وتخطيطاً معركةَ إسقاط الدولة السورية؟ هل علي هنا أن أكفرَ بالمقاومة، أم أحمد اللـه على انكشاف أمرِ المتلونين؟!

إذا كان قيام البعض باختصار مفهوم المقاومة بتنظيم إخونجي وضع يده بيد ممولي قتل الشعب السوري في كل من تركيا وقطر هو آثم، فإن الكفر أن نربط القضية والحقوق بالموقف من هذا التنظيم، والعرف يقول «لا إثمَ بعدَ الكفر بالحقوق» لأننا نصل ببساطةٍ إلى ما يريدهُ عدونا وقاتلَ لأجلهِ، حتى لو حاولت هذهِ التنظيمات الظهور بمظهر الآمر الناهي، علينا ببساطةٍ أن نتفهمَ بأن المقاومة مبنية على فرضية بأن من يُكثر الكلام، لا فِعلَ له، والمثال هنا بسيط: يستطيع من يسمون أنفسهم قادة مكاتب سياسية وثقافية وإرشادية ومنحَ صكوك الدخول إلى الجنة في حركة حماس، أن يتكلموا ليلَ نهارٍ ويكيلوا الوعيد للكيان الغاصب، علماً أن بعضهم ضيف قطر الدائم، وبعضهم الآخر صديق التركي الحميم الذي يتمتع بأفضل العلاقات مع الكيان الصهيوني، لكن ما معيار هذه التهديدات في السياسية الإسرائيلية؟ ببساطة صفر، لأن أي قائدٍ ميداني في المقاومة الفلسطينية قادر أن يخلطَ الأوراق في الكيان الغاصب لمجردِ ظهوره الإعلامي، علماً أنهم أهداف دائمة للكيان الصهيوني، فالقادة الذين يعملون على الأرض يسرقون الشاشات والأضواء بقدرِ ما يوجعون العدو بالسلاح السوري وباعترافهم، بينما الآخرون يسرقون الأضواء عبر صورهم وهم يقلمون أظلافَ كبيرهم الذي علمهم الكفر.

إذن؟ اتفقنا على فكرةِ أن للمقاومة قدسية كما قدسية العلاقة الروحية بين الخالق وعبدهِ، إن أخطأ العبد فالمشكلة لا تكون في روحية العلاقة لكن بماديات العبد، لكن هل أن عودة ألق القضية الفلسطينية شعبياً باتَ أمراً واقعاً؟

مع انطلاق فكرة الربيع العربي هناك من كان يجزم بأن فلسطين ستتلاشى في الأدبيات الشعبية، كانت هناك لعبة إعلامية تحاول تسويق هذا الأمر بطريقةٍ شبه يومية، مثلاً الترويج للخراب في سورية والنظر إليه كمصيرٍ حتمي لكل من لا يزال يضع فلسطين في أولوياته، أو استضافة الكيان الصهيوني لقادة ما يسمى المعارضة السورية وتركيزهم على فكرة «السلام القادم» للمنطقة، وعلاجه لإرهابييها في مشافيه للقول بأن الحاجز بين الكيان والشعب السوري هو «النظام» لا أكثر.

كذلك الأمر كان هناك سعي دائم لجعل الدول العربية حتى تلكَ التي خرجت من المعركة قبل عقودٍ، ساحةَ عذاب للمواطن البسيط، لا وقتَ لهُ إلا السعي خلف ما يسد رمقه وانكفاءه نحو الأمن والاحتياجات اليومية، هذا الأمر كان هدفهُ تجريد هذا المواطن من كل ما لهُ علاقة بفلسطين وصولاً لتعويم فكرة التطبيع كسببٍ أساسي لكل ما يعانيهِ «غير المطبعين».

نجحت الفكرة إلى حدٍّ بعيد، لا نريد أن نخفي شمس الحقيقة بالغربال حتى من يسمون أنفسهم «ليبراليو هذا العصر» باتوا يروجون كالببغاوات ليلَ نهار لفكرة أن فلسطين ليست قضيتنا، أو الذهاب أبعدَ من ذلك نحو شعار إلى متى سندفع الثمن؟

هذا الكلام ببساطة يشبه الأفعى الملساء ذات الجلد الجميل، لأنه لا يكتفي بإظهار تمسكنا بحقوقنا كخطأ في الخيارات يجعلنا ندفع الأثمان، لكنه ببساطة يُظهر عدونا وكأنهُ يمد اليد للسلم لكننا نتمنع! لنعد إلى عام 2014، حين قام الكيان بعدوان «الجرف الصامد»، يومها كانت معظم الدول العربية منشغلة بهمومها وبعضها كان قاب قوسينِ من الانهيار، فخلَت الساحة للصغار كواجهة تختصر الشعوب العربية، اليوم عاد المد الشعبي إلى المكان الصحيح باعتبار أن الحكومات العربية شبهَ ميؤوس منها، عاد هذا المد ونجح في استقطابِ الكثير والأهم أنه حاول استخدام ذات الأدوات التي استخدمها عتاة ربيع الدم العربي فما هي؟

قبلَ انتشارِ ثورة الاتصالات كنا نهلل ليل نهارٍ لقيام شخصٍ أوروبي بالدفاع عن القضية الفلسطينية أو قيامه بكشفِ الجرائم الإسرائيلية، علماً أن هذا الشخص ربما لا يعرفه حتى سكان عمارته، أو إنه صاحبَ فكرٍ غيرَ مدجَّنٍ لكنه ممنوع من الظهور على القنوات التي تعتبر قلاعاً إعلامية للمشروع الصهيوني كي لا يقدم الرواية الثانية للأحداث.

اليوم انقلبَ الأمر، فتحول استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى سلاحٍ مضاد، اليوم باتَ قيام لاعب كرة قدم محترف في الدوري الإنكليزي مثلاً، يتابعهُ عشرات الملايين، كفيلاً بنقلِ صورةٍ مغايرة لتلك التي يروجها الإعلام، اليوم باتَ من العادي أن تشاهد آلاف التعليقات لأوروبيين يسخرون من قيام دولهم برفع العلم الصهيوني على أسطح البلديات كنوعٍ من التضامن، اليوم بات كثر يعرفون على الأقل بأن هناكَ رواية لطرفٍ ثانٍ عليهم سماعها، هذا التطور ربما يجب أن نفهمه جيداً، تحديداً أولئك الذي يحمِّلون ليل نهار وسائلَ التواصل الاجتماعي مسؤولية ما يجري من خرابٍ في بلداننا، على هؤلاء أن يدركوا بأن هذه المواقع لا تأثير لها عندما يكون الأساس متيناً، وعندما يقوم كل منا بعملهِ على أكملِ وجه، عندها نتمكن من تحويل وسائل التواصل تلك إلى سلاحٍ فعال، لكن ما حدود ما يجري حالياً؟

ببساطةٍ نجحت الأحداث الجارية حتى الآن في فلسطين المحتلة بتحقيق الكثير من المكتسبات الإعلامية، بل نجح عتاة «الفكر المقاوم» بإثباتِ صحةِ مواقفهم مهما حاولَ البعض النيل منها، فلا أمن ولا سلام ما دامت الحقوق لن تعود، والأهم بأن أحداً لا يستطيع اختصار حل للقضية الفلسطينية لا إن كان صنيعة تطبيعية، ولا صنيعة إخوانية، وحدها البندقية من تُعيد الحقوق، ولنتذكر بأن من كان يتلقى حجراً بات اليوم يتلقى الصواريخ، ما أجملَ الثبات على المواقف وما أجملَ أن تكونَ منتصراً بالفكر لا ببيع الحقوق، لأنهم ببساطة لم يفهموا ما قاله الرئيس بشار الأسد منذُ الخطاب الأول بعدَ أحداث درعا: «إن أردتموها حرباً مفتوحة، لتكن».

في كل يوم صمد فيهِ الجيش العربي السوري بوجهِ قطعانِ المتأسلمين ومنع سقوط سورية كان جزءاً من تلك الحرب المفتوحة، هنا سيأتي من يقول بتشاؤمهِ المعتاد: لكن لماذا على السوريين أن يدفعوا الثمن! الجواب بسيط: لا تسألني لماذا دفع السوريون الثمن، بل اسأل نفسك: ماذا لو لم يدفع السوريون الثمن؟!

فراس عزيز ديب – الوطن

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي