إسرائيل تواجه أخطر حرب مصيرية

 

في 13 أيار الجاري اعترف الجنرال المتقاعد في الجيش الإسرائيلي غيرشون هاكوهين الذي تولى سابقاً منصب رئيس الكليات العسكرية ومنصب قائد قوات الجيش في شمال إسرائيل قبل تقاعده في 2014، في تحليل نشره في مجلة الأبحاث الإسرائيلية «إنتاج المعرفة» أن «حرب عام 1948 لا تزال مستمرة وعاد اليهود إلى نقطة البداية وهي منذ ذلك العام لم تنته بالنسبة للفلسطينيين وها هي تبدأ من جديد وعلى اليهود إدراك أن ما يجري الآن ضدهم ليس تظاهرة بل حرباً وهذا يتطلب من الدولة إذا كانت تريد البقاء تصفية هذه الحرب حتى النهاية وعلى اليهود الآن واجبات من يمتنع عن تنفيذها ويتمرد عليها يتحول إلى عدو».

وهو هنا يعد انتفاضة الفلسطينيين في أراضي عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة حرباً تستدعي من الجيش الإسرائيلي التعامل مع الفلسطينيين فيها كعدو من الداخل ولذلك يطالب قيادة الجيش الإسرائيلي «بالإسراع في توزيع الأسلحة على جميع اليهود لكي يحافظوا بأنفسهم على حياتهم ووجودهم فهم الآن الذين يجب عليهم فرض سيادة الدولة» ويوضح غيرشون أن على الجيش تجنيد كل قوات الاحتياط ونشر كل قوات الشرطة وزيادة عدد المقاتلين ضد الفلسطينيين، فالحرب بموجب ما يرى بدأ يشنها سبعة ملايين فلسطيني في كل أراضي فلسطين هذه المرة وحجم الجيش الإسرائيلي صغير ولن يكفي لإنهائها لمصلحة «الدولة».

ويصف هذه الحرب التي يشنها الفلسطينيون من كل مكان في فلسطين بحرب المحافظة على وجود إسرائيل أو زوالها ويعد أخطر حرب تواجهها وتزيد خطورة على حرب تشرين عام 1973 لأن الحشد المعادي لليهود فيها يبلغ سبعة ملايين وهي ليست بين جيوش نظاميه، ويعترف أن «العالم ينظر إلى مدينة اللد بنظرته نفسها لمدينة الخليل وأن العرب يعدون اليهود في اللد مستوطنين على غرار المستوطنين في الخليل ولذلك يجب علينا تعديل منظومة اصطلاحاتنا الإسرائيلية لكي نفرض إجماعاً بين اليهود لحشدهم على مبدأ أن المحافظة على النقب مثل المحافظة على اللد والرملة ويافا والخليل وهذا ما يستدعي تسليح جميع اليهود بالأسلحة النارية وعلى مبدأ أن هذه الحرب مصيرية».

وحول بقية يهود العالم يرى غيرشون أن «يهود أميركا لا يفهموننا وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدين لا تدرك الخطر الهائل المحدق بنا» وفي ختام مقاله يقول غيرشون: «إنني آمل أن يستيقظ اليهود ويدركوا ضرورة الدفاع عن حياتهم وعن وجود وطنهم القومي وإذا لم نتجمع بسرعة كقوة مسلحة من الجميع، فقد يصبح الوقت متأخراً».

هو يقصد هنا أن الكيان الإسرائيلي سوف ينتهي إلى زوال ويحول الفلسطينيون ذكرى نكبتهم الثالثة والسبعين إلى انتصار وتحرير شامل لكل فلسطين إذا لم يتحرك اليهود الآن.

يبدو أن ما يمكن استنتاجه مما يقوله ويقر به الجنرال هاكوهين هو أن إسرائيل سيكون من الصعب عليها بموجب طبيعة الحرب التي يشنها لأول مرة جميع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ عام 1948 وعام 1967 على ثلاث جبهات: جبهة قطاع غزة وجبهة الضفة الغربية وجبهة الأراضي المحتلة عام 1948، الاستعانة بجيش أميركي ولن يتطوع لنجدتها يهود من الخارج ولن يكون بمقدور طائراتها وسفنها الحربية ودباباتها أن تحسم حرباً على خمسة ملايين فلسطيني يقيمون في الضفة الغربية ومدن وقرى فلسطين في أراضي عام 1948 فهم ليسوا جيشاً نظامياً ولا بد أن تتطور مواجهتهم إلى حرب عصابات متداخلة في المستوطنات والمدن اليهودية.

وقد لا يكون من المبالغة الاستنتاج بأن استمرار هذه الانتفاضة بأشكال كفاحها المتنوعة وانتشارها على كل مساحة فلسطين لن يشجع اليهود المدنيين من خارج الجيش الإسرائيلي على تلبية طلب الجنرال هاكوهين بحمل السلاح وتعريض حياتهم لأخطار الموت وهم الذين تعودوا الاعتماد الكلي على حماية الجيش.

لا شك أن وجود هذه الملايين السبعة وصواريخ قطاع غزة سيجعلان الجيش الإسرائيلي ينتشر على مساحات واسعة متباعدة تقلل من قدرته أمام حشود المنتفضين في أماكن متعددة ناهيك عن اضطراره إلى نشر المزيد من القوات عند جبهته الشرقية قرب نهر الأردن خشية تطورات قد تدفع بالفلسطينيين في الأردن إلى اجتياز النهر لإسناد إخوانهم إذا ما اشتدت الحرب الإسرائيلية عليهم داخل أراضيهم ولا ننسى خوفه من جبهة الشمال التي ستجبره على نشر أكبر عدد من جنوده قربها خوفاً من أي مضاعفات.

ولا شك أن الجنرال هاكوهين يدرك هذه العوامل ولذلك يدعو إلى تسليح كل اليهود في المدن والمستوطنات لزيادة عدد القوى البشرية المسلحة في مجابهة هذا الوضع غير المسبوق في كل حروب ومواجهات إسرائيل.

يتبين من الواقع الموجود حتى الآن أن فرصة الفلسطينيين لا تعوض ولا مثيل لها في هذه الظروف للاستمرار في الانتفاضة لأن الحكومة الإسرائيلية تعرف أنها أمام وضع خطير وقد تلجأ إلى الاستعانة ببعض الدول الأجنبية والعربية للالتفاف على وضعها العسير وغير المسبوق بهدف التقاط أنفاسها وإعادة تنظيم وضعها وهذا ما يجب الحذر منه بجدية وحسابات مدروسة.

تحسين الحلبي – الوطن

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي