الانتخابات الرئاسية السورية. صور التحدي بالقرار السيادي

المعارضة السورية والانظمة الإقليمية والدولية المؤيدة والداعمة لها، يعملون بكل ما في وسعهم خلال عام 2020 على أن تنهى اللجنة الدستورية السورية، المكونة من المعارضين والحكومة والمستقلين وتعمل تحت إشراف الأمم المتحدة (عرقلة الانتخابات)

المعركة الدولية خلال العام الماضي كانت شديدة من خلال إعادة إحياء وتفعيل اللجنة الدستورية في جنيف من أجل وضع دستور جديد للبلاد، اذ لم يعد خافياً على أحد ما هو المطلب الأميركي والتحالف الغربي-العبري على حد سواء، ألا وهو تغيير نظام الحكم في سوريا، أسوة بالدول العربية الأخرى. وهو لا يتعلق فقط بتغيير شخص الرئيس بل في تركيبة الدولة وتحويل النظام في سوريا من نظام رئاسي قوي إلى نظام برلماني، تحدد فيه صلاحيات الرئيس وتتجاذبه القوى الممثلة فيه، بدلاً من القيام بدورها الرئيسي في مراقبة عمل الحكومة وسن أو تجديد القوانين الناظمة، أي ببساطة تقويض صلاحيات رئيس الجمهورية وأملا في أن يفتح المجال أمام المعارضة للترشح والمشاركة في الانتخابات.

ولكن ربما تنافر وتجاذب طرفي المعارضة والحكومة السورية، مع الاقتراب من عام 2021 الذي يحل فيه موعد الانتخابات الرئاسية السورية، إلى جانب ما حققته الحكومة السورية من انتصارات على الأرض، وهو ما جعلها تزداد تشددا مما حال دون التوصل إلى اتفاق طوال اجتماعات اللجنة الدستورية، بل إن عملها توقف فعليا حتى إذا عقدت بعض الاجتماعات أحيانا.

وتحقق للحكومة السورية ما أرادت وأعلن عن قرار إجراء الانتخابات الرئاسية في 26 مايو2021، وفتح باب الترشيح في الفترة من 19 إلى 28 أبريل. وقد توافد المرشحون على تقديم طلبات ترشيحهم والتي بلغ عددها 51 مرشحا، وكان الرئيس بشار الأسد ترتيبه السادس في أولوية التقديم. ويشترط في المرشح أن يكون مقيما على الأراضي السورية في السنوات العشرة الأخيرة وهو ما يعنى استبعاد ترشيح الشخصيات المعارضة المقيمة في الخارج.

ويتعين على المرشح أن يحصل على تأييد 35 عضوا من أعضاء البرلمان على الأقل حتى يقبل ترشحه، وإجمالي أعضاء البرلمان 250 عضوا، ومنهم 167 عضوا من حزب البعث العربي الاشتراكي، و13 من الجبهة الوطنية التقدمية، و70 عضوا مستقلا. وقد حصل الرئيس بشار الأسد على تأييد 180 عضوا من إجمالي الأعضاء ويشترط أن يؤيد عضو البرلمان مرشحا واحد فقط.

وتختص المحكمة الدستورية العليا بفحص طلبات المرشحين ومدى توافر الشروط المطلوبة لصحة وقبول ترشحيهم، ثم تعلن القائمة النهائية لمن قبل ترشحهم. وقد أعلنت المحكمة يوم ٣ مايو ٢٠٢١ أسماء المرشحين المقبولين وهم ثلاثة: الرئيس بشار الأسد، وعبد الله سلوم عبد الله، وهو وزير سابق، ومحمود أحمد مرعى، من المعارضة المقيمة داخل سوريا.

 

ويلاحظ أن الانتخابات الرئاسية السورية التي أجريت في عام 2014 تمت في ظل ظروف بالغة الصعوبة حيث كانت الجماعات الإرهابية المسلحة المدعومة من قوى إقليمية ودولية، تسيطر على أكثر من نصف الأراضي السورية، وكانت الأوضاع الاقتصادية سيئة والجيش العربي السوري يواجه موقفا بالغ الصعوبة في مواجهة حرب استنزاف غير نظامية، ولم تكن روسيا قد تدخلت بعد عسكريا لدعم الدولة السورية إلى جانب إيران وحزب الله اللبناني. وبالرغم من ذلك فقد حصل الرئيس بشار الأسد على 88% من إجمالي أصوات الناخبين الذين تمكنوا من الإدلاء بأصواتهم.

أما هذه المرة فإن الانتخابات الرئاسية ستجرى في ظل ظروف أفضل نسبيا بكثير عن سابقتها، فقد تراجع موقف المعارضة ولم تعد بنفس القوة التي كانت عليها، كما استطاعت الدولة السورية استرداد السيطرة على معظم الأراضي السورية وتبقى مناطق محدودة تحت سيطرة أطراف محلية مدعومة من قوى خارجية، وتنظيمات إرهابية ولن تشملها الانتخابات على الأرجح لأنها خارج سيطرة الدولة السورية، وكذلك تأثير احتلال تركيا لمناطق في شمال سوريا، ووجود قوات أمريكية غير شرعية. (محتلة) والتي تعتبر قوات احتلال ضد سيادة واستقلال سوريا. ومع صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي زادت من حدتها الأزمة اللبنانية نظرا لارتباط الأوضاع المالية والاقتصادية في البلدين وتأثيرها المتبادل سلبا أو إيجابا.

***

ثمة عوامل أخرى لا شك أن لها تأثيرا على الحرب السورية المستمرة منذ عشر سنوات ومن هذه العوامل المتغيرات الإقليمية والدولية وانتهاج الإدارة الأمريكية الجديدة مداخل مختلفة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تبدو أنها تسعى لتسوية الأزمات في المنطقة ابتداء بالأزمة الليبية، والأزمة اليمنية، والمقاربة مع إيران من أجل التوصل إلى صيغة لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران وما سيكون لذلك من تداعيات إيجابية على موقف إيران في كل من الحرب اليمنية والحرب السورية. هذا إلى جانب حالة التوتر في العلاقات بين واشنطن وتركيا واختلاف موقفهما من مطالب الأكراد السوريين.

 

وقد عقد مجلس الأمن للأمم المتحدة اجتماعا يوم 28/4/2021 بحث خلاله تطورات الأزمة السورية والانتخابات الرئاسية السورية، وقد تحدث مندوبي كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وأكدوا أنهم لن يعترفوا بنتائج الانتخابات الرئاسية السورية لعدم مشروعيتها لأنها لا تشمل كل السوريين في الخارج وتخضع بصورة أساسية لرقابة الحكومة السورية فقط وهو ما يخالف ما تضمنه قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر بالإجماع في 2015 وضرورة إشراف الأمم المتحدة على الانتخابات وإجرائها في مخيمات اللاجئين والنازحين داخل سوريا وخارجها دون استثناء.

 

 

أما روسيا فقد اتخذت موقفا مختلفا سواء أثناء مناقشات مجلس الأمن، أو من خلال بيان أصدرته وزارة الخارجية الروسية، حيث دافعت عن شرعية الانتخابات الرئاسية السورية، وأنها تمثل شأنا داخليا سوريا يتوافق بالكامل مع الدستور السوري لعام 2012 والقوانين المحلية، وأن هذا لا يتناقض بأي شكل من الأشكال مع قرار مجلس الأمن 2254 وغيره من القرارات الدولية التي تخدم سيادة سوريا. واعتبار أن التصريحات التي تنطلق من عدة عواصم تمثل جزءا من حملة الضغط السياسي الواضح على سوريا، ومحاولة جديدة للتدخل في الشئون الداخلية لسوريا، وأنه ليس من حق أحد أن يملى على السوريين التوقيت والظروف الواجب توفرها لاختيار رئيس لدولتهم. وأعربت الخارجية الروسية عن أملها أن تجرى عملية الاقتراع وفقا للمعايير الوطنية والدولية، رغم استمرار الاحتلال الأجنبي غير الشرعي لأجزاء من الأراضي السورية، واستعداد روسيا لإرسال مراقبين روس للانتخابات الرئاسية السورية المقبلة.

 

أما تركيا فقد أعلنت رفضها للانتخابات الرئاسية السورية وكأنها شأن تركي وبدون أي حق، وأكدت أنها غير شرعية لأن النظام السوري هو الذي يجريها بينما لا يرغب في الحل السياسي للأزمة السورية، وأنها انتخابات لا يعترف بها أحد. وأكدت أنه على النظام السوري أن يدرك أنه لا حل عسكريا للأزمة السورية، وأنه يجب الاهتمام بالمسار السياسي.

وقد غلب الصمت الرسمي على أغلبية العواصم العربية والتي اكتفت بالتغطية الإعلامية لمجريات الاستعداد للانتخابات الرئاسية السورية وآراء الأطراف السورية المختلفة بشأنها والقوى الإقليمية والدولية في صورة تقارير إخبارية في معظمها ما عدا قليل من التعليقات. كما تواترت أنباء عن اتصالات عديدة بين أنظمة عربية والدولة السورية بعد توقفها لسنوات.

وتحرص الدولة السورية على أن تكمل الانتخابات الرئاسية مسارها دون اعتبار لأي اعتراضات خارجية، ويتخذ جميع الاحتياطات الأمنية لتأمين العملية الانتخابية من أية أعمال عنف أو إرهاب قدر الإمكان بما لا يؤثر على هذا المسار.

 

***

ومن المتوقع بدرجة عالية فوز الرئيس بشار الأسد في هذه الانتخابات وهو الأمر الذي يطرح بعض البدائل بالنسبة للأزمة السورية، منها أن تراجع الأطراف الإقليمية والدولية الضالعة في الحرب السورية مواقفها وتتجه نحو الدفع الإيجابي لتسوية الأزمة في إطار وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، أو أن تظل الأزمة تراوح مكانها خاضعة لما سيتخذه كل من هذه الأطراف من إجراءات في اتجاهات معينة، وأخرى مضادة لها، مع استمرار الدولة السورية في السير باتجاه خطوات تحقيق مكاسب عسكرية طالما أن المقترحات السياسية لا تناسبها. وفى كل الأحوال فإن الموقف مرتهن بمدى رغبة واشنطن وأطراف أخرى باستمرار المراوحة في المكان وعرقلة الحل السياسي ومنع الحل العسكري، أم إدخال الأزمة السورية ضمن التسويات العامة في المنطقة وقبول التعامل مع الدولة السورية إزاء عدم قدرة المعارضة السورية سواء في الداخل أو الخارج على طرح بديل مقبول وممكن التحقيق.

 

رئيس التحرير

التصنيفات: _آخر الأخبار,كلمة المحرر