تونس تشهد انتخابات يصعب التنبؤ بنتائجها

تونس تشهد انتخابات يصعب التنبؤ بنتائجها

دُعي أكثر من سبعة ملايين ناخب إلى اختيار رئيس لتونس الأحد القادم في ثاني انتخابات رئاسية حرة في تاريخ البلاد يصعب التنبّؤ بنتيجتها، نتيجة تشابه برامج مرشحي السباق الرئاسي، ونتيجة سأم الشارع من الوعود التي أطلقتها نخب ما بعد ثورة يناير 2011 ولم تلتزم بها. ومع انقسام الشارع حول المرشح الأجدر لقيادة تونس في المرحلة القادمة المرجح، تبقى نتائج الانتخابات الرئاسية المرتقبة مفتوحة على كل الاحتمالات.

 تشهد تونس، الأحد، انتخابات رئاسية يصعب التنبّؤ بنتائجها، نتيجة التشابه بين برامج مرشحي الرئاسية البالغ عددهم 26، ووسط خيبة أمل واسعة بين الناخبين من عدم تحقق الوعود لاسيما على الصعيد المعيشي والاجتماعي والتي برزت في أعقاب ثورة يناير 2011، حيث لم يبرز اتجاه واحد يعطي الأولوية لمرشح على آخر.

وعلى الرغم من حيرة الناخبين مع تشتّت متوقع للأصوات خاصة لمؤيدي العائلة الفكرية الحداثية، إلا أن أجواء الديمقراطية تنتعش في تونس، وهو ما عكسه الاهتمام الكبير بأول مناظرات تلفزيونية بين مرشحين للرئاسة في تونس وفي العالم العربي.

انتعاش الديمقراطية

لقد امتلأت المقاهي الصغيرة بالشوارع، وكأن هناك مباراة كرة قدم، أين سطعت وجوه الحضور في ضوء الصور المتغيّرة في التلفزيون، ولكن الذي يلمع في شاشات أجهزة تلفزيون المقاهي ليست صور المنتخب التونسي لكرة القدم، بل صور مرشحي رئاسة تبدو عليهم علامات التفاؤل وهم يشرحون رؤيتهم للأمن والاستقرار عندما يختارهم الشعب لحكم هذا البلد الصغير الواقع في شمال أفريقيا.

إنها تونس، تسطّر تاريخا مرة أخرى. لقد دعا ذلك البلد الذي بدأ فيه ما يسمى بالربيع العربي عام 2011، والذي بدأ أكبر إصلاحات ديمقراطية عقب الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، جميع مرشحي الرئاسة البالغ عددهم 26 مرشحا للمشاركة في نقاش تلفزيوني. ولكن أحد أكثر أصحاب فرص الفوز في هذه الانتخابات غاب عن أولى الجولات التلفزيونية الثلاث المنتظرة، إنه يقبع في السجن.

معركة انتخابية
معركة انتخابية

عندما بدأت المعركة الانتخابية على أعلى منصب في الدولة التونسية، رسميا، ظهر المرشحون المتفائلون في جميع أنحاء البلاد، في مقاهي الجنوب، وفي أسواق الأقاليم وعلى خشبة المسارح العملاقة في العاصمة تونس، ولكن المرشح الذي أظهرت آخر استطلاعات الرأي تقدمه، غير موجود. إنه إمبراطور الإعلام، نبيل القروي، والذي يصفه الكثيرون بأنه “برلسكوني تونس”، حيث يقبع في السجن حاليا.

وقلما اتسع مجال المرشحين في انتخابات رئاسية في العالم العربي مثلما يتسع هذه الأيام في تونس، “فلم نشهد مثل هذه العملية من قبل”، حسب تعبير ماكس جالين، الباحث في العلوم السياسية بكلية لندن للأبحاث الاقتصادية، والمتخصص في الشأن التونسي.

وتابع جالين “إنه ثراء لا يصدق، في السير الذاتية، وندُر أن يكون هناك أيضا مثل هذه المجموعة على المستوى السياسي والأيديولوجي”. كما رأى الباحث السياسي أن “أشياء كثيرة في خطر.. فلا يزال الأمر يتعلق بالنظام السياسي نفسه”، وذلك لأنه وعلى الرغم من جميع الإصلاحات، فإن تونس تواجه مشاكل اقتصادية كبيرة، حيث ترتفع نسبة البطالة بشكل هائل بين خريجي الجامعات، وألغي الكثير من الدعم مؤخرا على البنزين والأغذية، وارتفعت الأسعار. وكثيرا ما كانت هناك إضرابات ومظاهرات ضد الحكومة.

ويقول بلعباس بن كريدة، الألماني من أصل جزائري، وصاحب “مبادرة المناظرة” المسؤولة عن المناظرات التلفزيونية “أستطيع تفهّم سأم الناس من السياسة”. وحاول بن كريدة بالفعل قبل خمس سنوات، ابتكار شكل للحوار للانتخابات الأخيرة، “ليس لدى الناس شعور بأن حياتهم تحسنت من خلال الديمقراطية”. ويرى بن كريدة أن الخطب التي تؤكد على هذا المعنى تصب الزيت على النار.

 

وهناك من بين المرشحين أيضا أعداء ألداء للمعسكر السياسي، منهم، على سبيل المثال، عبير موسي، وهي واحدة من امرأتين فقط مرشحتين لتولي منصب الرئيس، وهي عضو بالحزب السابق للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذي لاذ بالهرب من البلاد في خضم الثورة التونسية.

ولكن عبير موسي لا تتحدث عن “ثورة”، حيث ترى أن “ما حدث عام 2011 كان استيلاء غير شرعي على السلطة”. وتعبّر موسي عن حالة الكثير من التونسيين، قائلة إن الأمور كانت أفضل بكثير سابقا.

وهذا أيضا عبدالفتاح مورو، مرشح حركة النهضة الإسلامية، والذي يروق له أن يغني بالألمانية “قصيدة الفرح” للشاعر الألماني فريدريش فون شيلر، أو “رجل كان اسمه كولومبوس” أثناء المقابلات التلفزيونية.

انقسام الشارع

كان الانقسام واضحا خلال الانتخابات الرئاسية في 2014، بين إسلاميين وأنصار الحداثة. لكن المشهد السياسي في 2019 يتوزع بين أقطاب عدة: إسلاميون، علمانيون، شعبويون، وأنصار النظام السابق. هناك انقسام في تونس بشأن مورو وحزبه، حيث يرى البعض أنه يريد مرة أخرى الحد من الحريات التي جاءت بها الثورة، في حين يرى آخرون ضرورة تعزيز القيم التقليدية، مثل رفع مكانة الأسرة.

وقد حصد حزب النهضة الكثير من الأصوات خلال انتخابات البلدية التي أجريت العام الماضي، وخاصة في المناطق النائية. وهذا هو إمبراطور الإعلام، نبيل القروي، مالك قناة “نسمة” التلفزيونية الخاصة. تفضّل كاميرات قناته أن تلتقط له صورا أثناء توزيع الصدقات.

ولكن هناك تحقيقات قضائية ضد القروي لاتهامه، على سبيل المثال، بغسيل الأموال. وهذه الاتهامات موجودة منذ ثلاث سنوات بالفعل، ولكن القبض عليه تم قبل وقت قصير من البدء الرسمي للمعركة الانتخابية.

عدا ذلك فإن بقية المرشحين للانتخابات التي ستجرى الأحد المقبل، الموافق لـ15 سبتمبر، هم رئيس سابق ورئيسا وزراء سابقان، إضافة إلى 11 وزيرا والعديد من النواب البرلمانيين السابقين، إلى جانب رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، ومحام، عرف بشكل خاص بدفاعه عن المتهمين بالإرهاب.

واستبعدت اللجنة الانتخابية أول مرشح تونسي يعلن مثليته الجنسية صراحة، وذلك بزعم عدم حصوله على ما يكفي من أصوات داعمة لترشيحه.

تونس، تسطّر تاريخا مرة أخرى. لقد دعا ذلك البلد الذي بدأ فيه الربيع العربي عام 2011، جميع مرشحي الرئاسة البالغ عددهم 26 مرشحا للمشاركة في نقاش تلفزيوني

ويقول ماكس جالين، الباحث في الشؤون السياسية، إن هذه الانتخابات “تمس أيضا المؤسسات الديمقراطية، وهناك تأجيج للمشاعر، في بعض الأحيان”. فيما يشير بن كريدة، إلى أن مجرد بث المناظرات التلفزيونية على الهواء مباشرة عبر العديد من القنوات هو أحد إنجازات الديمقراطية، “فلم يكن ذلك ممكنا قبل خمس سنوات”.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه المرصد العربي أن نحو نصف المستطلعة آراؤهم يعتبرون الاقتصاد أكبر مشكلة تعاني منها تونس، تليها وبفارق شاسع الحرب على الإرهاب (13 بالمئة) ثم الفساد (12 بالمئة). وتبين من خلال الاستطلاع أن واحدا من بين كل ثلاثة ممن شملهم الاستطلاع يفكر في الهجرة.

ورغم ذلك فإن الديمقراطية التونسية في مفترق طرق، بعض الشيء، وذلك لأن الأمر لا يتعلق فقط بالمضامين التي تحرك الناس في الشارع، بل أيضا بقضايا السلطة. ولكن تونس عادت لتقوم مرة أخرى بدور ريادي، حيث إن نتيجة الانتخابات غير معروفة بشكل غير مسبوق ومفتوحة على كل الاحتمالات.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله