إمبراطوريات متآكلة في مواجهة «كورونا»

ربما من المبكر الحديث عن استنتاجات وخلاصات يمكن الحديث عنها حول المرحلة القاسية التي يعيشها العالم، والتي فرضها انتشار فيروس «كورونا» المستجد، سيما وأن المواجهة تتخذ اليوم طابعاً دولياً محموماً لمواجهته والوصول إلى وسائل لمعالجته.
فبين ليلة وضحاها انقلبت الصورة حول العالم وتبدلت الأولويات السياسية، واستبدلت مشاهد القصف والحروب والصراعات الأممية على طاولة مجلس الأمن وغيرها من المنصات، بمشهد آخر يحمل الكثير من الموت والمرض، والكثير الكثير من الدلائل على تغير العالم على نحو لا يبدو به أن العودة إلى الوراء ستكون واردة في عصر ما بعد «كورونا».
نقاط كثيرة بدا أننا بحاجة للتوقف عندها مطولاً فرضها انكشاف حقيقة القوة الصينية وقدرتها على قيادة البلاد نحو بر الأمان سريعاً، مقابل انكشاف آخر لتآكل القوة الغربية بما تحمله من منظومة قانونية وأخلاقية والتي فرضت نفسها على العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
الصين التي أبهرت العالم مؤخراً بحجم تطورها التقني والتكنولوجي، والتي دفعت الولايات المتحدة للإعلان صراحة بأن بكين باتت تشكل تهديداً على أمنها القومي مستخدمة لذلك كل ما تستطيع من عقوبات ومحاولات حصار، لإبطاء التغيير المحتوم، أبهرت العالم مجدداً بقدرتها على التحكم وإدارة وباء على هذا القدر من الخطورة.
وعلى الرغم من الخطاب العنصري المتعمد الممزوج بأداء أكثر عنصرية تجاه الصين ورعاياها، من قبل الدول الغربية ومن الولايات المتحدة على وجه التحديد، غير أن المشاهد التي خرجت من ووهان، معقل فيروس «كورونا»، والإمكانات الهائلة التي كرستها الحكومة الصينية لمساعدة شعبها، والثقة الكبرى التي أظهرها الصينيون بدولتهم، شكلت حالة فريدة ستأخذ بلا شك وقتها بالتفكير واستخلاص العبر والنتائج لدى العديد من الدول في المراحل اللاحقة.
مقابل هذا المشهد الواثق القادم من الصين خرجت مشاهد غير مألوفة عن أوروبا، فأعلنت بريطانيا على لسان رئيس وزرائها بوريس جونسون عن عجزها السريع عن مواجهة الفيروس عندما قال بأن على البريطانيين انتظار فراق أحبابهم، دون الحديث عن أي حلول. كما كشفت بيروقراطية المنظومة الطبية الأوروبية عن عجزها أمام الأوبئة، بينما وجد الرئيس الأميركي أنه سيعثر على ضالته بإغداق الكثير من الأموال على شركة ألمانية لشراء لقاحها المنتظر، قبل وصول الصين إليه، دون الالتفات جيداً إلى تمدد الفيروس في بلاده.
مشهدان متناقضان كلياً قدمهما لنا «كورونا» خلال أسابيع قليلة، مشهد صيني ومعه روسي واثق، وقادر على التحكم والسيطرة ومد يد العون لمن يحتاج، ومشهد غربي متراجع وضعيف، لا يملك من أدوات غير عزل نفسه وإقرار المزيد من العقوبات على من يشاء، ويصرّ على تجاهل حقيقة أن إمبراطوريته المزعومة بدأت بالتآكل، وكل الدعاية التي روجها لنفسه ضربها «كورونا» أيضاً وباتت مريضة.
وأياَ كان مسبب «كورونا» سواء جاءت به «الخفافيش» أو «مختبرات كارولينا الشمالية»، فإن الاختبار الدولي الأخير جدد التأكيد على حقيقة حاجة العالم لإعادة هيكلة نفسه، فالبنيان القديم لم يعد صالحاً، وصراع القوة على الأرض يميل بقوة نحو الشرق الذي امتلك ما يكفي من أدوات لإعادة التوازن إلى العالم، وعندما نقرأ بأن بكين أعادت افتتاح معاملها ومتنزهاتها ومدن ألعابها، وأن نيويورك أغلقت كل شيء وطالبت بالجيش الوطني الأميركي لحمايتها من «كورونا»، سنفهم جيداً أن أميركا والغرب لم يعودا قدرنا المحتوم.

سيلفا رزوق – الوطن

شارك الموضوع:

التصنيفات: قــــلـــــم و رأي