من المهم هنا التأكيد على أن العبء الأكبر في الحفاظ على مهنة الصحافة يعتمد على الصحفيين أنفسهم، ولعل أول ما عليهم القيام به هو عدم “الاستسهال” الذي إذا كان يمر في الماضي بخسائر قليلة فإن آثاره الآن مدمرة للمهنة التي يزاولونها وبالتالي مستقبلهم ـ ولا نبالغ إذا قلنا إنه خطر على حق الناس في المعرفة وتكوين الرأي العام بشكل سليم.
مع التسليم بأن تطور الإنترنت والانتشار السريع والواسع لما تسمى وسائل التواصل يجعل لنشر الصحفي والبث الإعلامي بشكله التقليدي معرضا للتراجع بشدة، وربما حتى شبه الاختفاء، إلا أن الجانب الآخر من هذا التطور ـ وهو القضاء على الصحافة كمهنة ـ يحتاج إلى وقفة. صحيح أن تلك التكنولوجيا، خصوصا انتشار الهواتف الذكية وارتباطها بالإنترنت وتطور تطبيقات مواقع التواصل، جعل من السهل على كثيرين أن يصبحوا “صحفيين” ينشرون الخبر والمعلومة والرأي والتحليل بسرعة وعلى نطاق واسع، ويتم مشاركة ما ينتجونه لعدد اكبر من المتابعين، لكن ذلك يصعب أن يغني الجمهور عن متابعة منافذ الصحافة والإعلام الرئيسية. بل على العكس، ربما تكون تلك الوفرة وذلك الانتشار السهل والسريع سببا في تعزيز مهنة الصحافة وحاجة العالم لها. وليس ذلك مجرد “تفكير بالتمني” أو عجرفة صحفي لا يريد أن يقبل الأمر الواقع بعنجهية وغرور. إنما سأسوق لكم أسباب حاجة الناس للصحافة المهنية أكثر مما سبق وسط كل هذه الوفرة والسهولة..jpg)
بداية، لا نناقش هنا طرق “التوصيل” ـ أي النشر والبث ـ فهذه تكاد تكون الإنترنت غيرت شكلها تماما إلى غير رجعة وإن ظلت الوسائل التقليدية ولكن بطريقة “منتج مميز” للخاصة من الناس الذين يفضلون قراءة لمطبوع على الورق والاستماع والمشاهدة دون حاجة للإنترنت. لكن المحتوى هنا هو الأهم، وذلك ما يجعل الصحافة باقية ومستمرة بل ويزيد الحاجة لها لتقديم محتوى “جيد ويوثق به” عكس ما تلقيه عليك الإنترنت في كل لحظة ولا يمكنك التأكد من كونه صحيحا أو دقيقا أو ليس مغرضا. فمع تطور التكنولوجيا، تطورت وسائل التزييف والتلفيق بحيث أصبح من السهل على أي شخص يستطيع تنزيل برامج وتطبيقات بسيطة ومتاحة على الإنترنت أن يزيف صورة لتعطي معنى مغاير تماما لما هي حقيقتها. ولا يقتصر التزييف والتزوير على الصور بل يطول الصوت والفيديو أيضا، حتى أن أي شخص أصبح بإمكانه تزييف خبر بالكامل وجعله أقرب للتصديق رغم أنه لا أساس له إطلاقا. والأمثلة كثيرة ولا تحتاج إلى جهد: فقط تصفح مواقع لتواصل في أي لحظة لتجد أخبارا ومعلومات تشاركها الناس ثم تشاركوا بعد ذلك نفيا لها أو اعتذارا عن أنهم وقعوا ضحية إشاعة أو كذبة مغرضة.
لذلك تجد الكثيرين عندما يطالعون خبرا على فيسبوك أو تويتر أو غيرهما من مواقع التواصل يذهبون إلى موقع وسيلة إعلامية تقليدية للتأكد من أن الخبر صحيح وليس إشاعة أو تلفيقا. مع ذلك، هناك جهات وجماعات عمدت في السنوات الأخيرة إلى الاستفادة من تلك الفورة التكنولوجية لابتكار طرق “غسيل الأخبار” تشبه إلى حد كبير طرق عصابات الجريمة المنظمة في غسيل الأموال. ولهذا الغرض يتم إنشاء مواقع لمنافذ إعلامية وهمية يتم تدوير الأخبار فيها حتى تصل للجمهور وكأنها حقيقية، أو للأسف تنقلها وسائل إعلام تقليدية دون تدقيق أو تمحيص فتعطيها مصداقية ـ وحين يكتشف الأمر بعد حين، يكون مطلق الإشاعة أو المعلومة الملفقة حقق الغرض بإثارة البلبلة. وبما أن الحكمة التقليدية تقول “لا تصدق الأمر حتى يتم نفيه رسميا” فإن كثيرا من الإشاعات والمعلومات الملفقة والأخبار الكاذبة التي يتم تدويرها (غسيلها) تبقى في أذهان الجمهور الذي سيقول لك حتى لو تأكد من أنها كاذبة: “ما فيش دخان من غير نار”. ومع كثرة الدخان الذي يبثه مغرضون من جماعات ـ وأحيانا أجهزة كبرى وقوية ـ يتحقق غرض إما تعمية الجمهور وترسيخ غفلته أو حتى اشتعال نار الفتن.
من المهم هنا التأكيد على أن العبء الأكبر في الحفاظ على مهنة الصحافة يعتمد على الصحفيين أنفسهم، ولعل أول ما عليهم القيام به هو عدم “الاستسهال” الذي إذا كان يمر في الماضي بخسائر قليلة فإن آثاره الآن مدمرة للمهنة التي يزاولونها وبالتالي مستقبلهم ـ ولا نبالغ إذا قلنا إنه خطر على حق الناس في المعرفة وتكوين الرأي العام بشكل سليم. والخطر الأشد هو أن تستهل التقاط معلومة من الإنترنت أو تصديق صورة و فيديو مهما كنت تثق في الحساب أو يغريك اسم موقع أجنبي أعلى الصفحة. وليعرف الصحفي الحقيقي أن من يعمل على التزييف والتشويش ودس المعلومات لغرض إنما يستهدف الصحفي قبل الجمهور، فإعادة النشر في منفذ رسمي سيضفي مصداقية هائلة على الكذب والتلفيق. وكما أن التطور التكنولوجي ووفرة الأدوات وسهولتها تمكن كثيرين من التزييف والتضليل فهناك أيضا الأدوات والبرامج التي تسهل التدقيق والتمحيص ومعرفة المزيف من الحقيقي. لكن تبقى أدوات المهنة الأصيلة والتقليدية الشيء الأكثر صلابة في تحقيق المعلومة والخبر من مصدرها أو بالبحث والاستقصاء المباشر. وإذا كان من يستهدفون المهنة يستفيدون من التكنولوجيا، فالأولى أن يستفيد أبناء المهنة منها أكثر.
ستظل مهمة الصحافة تدقيق المعلومة وتقديم الخبر الصحيح والتحليل السليم والرأي الموثق قليل الهوى، وسيظل الناس بحاجة لمصدر يوصل لهم المعلومة والخبر والرأي والتحليل ويمكنهم الرجوع عليه لأنه معروف وموثوق و”شرعي” بحيث يمكن محاسبته على ما ينشر ويبث ـ بغض النظر عن وسيلة النشر والبث، التي غالبا لن تبعد عن الإنترنت وأدواتها.
احمد مصطفى – الوطن العمانية











Discussion about this post