تصعيد كيان الاحتلال الإسرائيلي عدوانه وتكراره بصورة لافتة ضد قطاع غزة لا يمكن وصفه إلا بأنه تصعيد عدواني إرهابي، بالنظر إلى حقيقة الواقع الذي يعيشه القطاع والحالة المأساوية التي يكتوي بها الغزاويون، فلا توجد مبررات حقيقية على الأرض تستدعي استخدام القوة المفرطة أحيانًا، وتكرار العدوان الإرهابي بهذه الصورة المعبِّرة عن طبيعة المحتل الإسرائيلي النازعة دائمًا إلى الإرهاب والقتل والعنف والعنصرية وسفك دماء الأبرياء..jpg)
كيان الاحتلال الإسرائيلي يحاول التذرع بأن ما يدفعه إلى شن عدوانه على قطاع غزة هو وقف الطائرات الورقية الحارقة المنطلقة من القطاع باتجاه المستعمرات الإسرائيلية، بل إن الأنباء تتوارد بكثرة عن توقعات بقيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بشن عدوان إرهابي على القطاع بذريعة وقف الطائرات الورقية الحارقة. ويوم الخميس الماضي شن سلاح الجو الحربي الإسرائيلي غارة جنوب قطاع غزة استهدفت مجموعة من الشبان الفلسطينيين. وتعليقًا على الغارة العدوانية قال الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في بيان له إن ما أسماه “جيش الدفاع” ” قام من خلال طائرة عسكرية باستهداف بنية تحتية حاولت إطلاق طائرات ورقية تخريبية منها جنوب قطاع غزة”.
وفي الحقيقة، يعكس بيان المحتل الإسرائيلي أمرين: الأول، وهو أن الشعب الفلسطيني شعب خلاق، وسنوات نضاله وكفاحه صقلت فكره وقوَّت صبره، فلم يلِنْ أمام أعتى قوة عسكرية غاشمة لا تزال تُمَد من قبل القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة بالسلاح المتطور جدًّا والمال والسياسة وبكل أشكال الدعم ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، فبالحجر يقاوم، وبالمقلاع يقاوم، ليصل إلى هذا النوع من وسائل المقاومة وهو طائرة مصنوعة من ورق، وليست مصنوعة من المواد التي تصنع بها الطائرات، وليست محملة بالقنابل النووية أو الانشطارية أو العنقودية المحرمة دوليًّا أو اليورانيوم المخصب. أما الأمر الثاني فهو أن القوة العسكرية الإسرائيلية ـ وأي قوة غيرها ـ مهما بلغت من عتو ووحشية ولاقت من دعم متواصل، فهي غير قادرة على صناعة نصر كامل، ولا تتعدى ارتكاب جرائم حرب بإبادة البشر والشجر والحجر، في حين أن قوة الحق والأرض التي يمتلكها الشعب الفلسطيني هي التي منحت سمات المقاومة والبقاء، والصبر والصمود، وكسر إرادة الأعداء وتحطيم مشروعاتهم الاستعمارية الاحتلالية.
صحيح أن الطائرات الورقية الحارقة تذكرنا بتلك الصواريخ البدائية التي كان الفلسطينيون في السابق يطلقونها باتجاه المستعمرات الإسرائيلية، والمصنوعة من المواسير، إلا أنه عند المقارنة بين ما يسوقه كيان الاحتلال الإسرائيلي من حجج يبرر بها إرهابه على حوالي مليوني فلسطيني محاصرين داخل قطاع غزة، مستخدِمًا آلته العسكرية الجبارة، وبين وسائل بدائية جدًّا جدًّا يستخدمها المحاصَرون في غزة للدفاع عن أنفسهم من العنصرية والوحشية وجميع ألوان القهر والإرهاب، ولتسليط الضوء على ذلك، تصبح المقارنة شاذة، وواقعة بين باطل إسرائيلي يسعى إلى محق الحق الفلسطيني في الحياة والعيش بكرامة وعزة وحرية.
وصحيح أيضًا أن الطائرات الورقية الحارقة تثبت من الجانب الآخر الوصف الذي أطلقه حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله على كيان الاحتلال الإسرائيلي بأنه “بيت العنكبوت”، بالنظر إلى الفاعلية التي تبدو عليها تلك الطائرات وما خلفته من حرائق وخسائر كبيرة، والعجز الإسرائيلي عن صدها، غير أن قطاع غزة يبقى إحدى النقاط الجوهرية في ما يسمى بـ”صفقة القرن” أو كما أسماها الرئيس الفلسطيني محمود عباس “صفعة القرن” التي يمهد لها جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فالجولة المكوكية التي ذرع بها كوشنر المنطقة في العواصم التي تعد ذات العلاقة والمعوَّل عليها في تمرير “الصفعة” تشي بقرب ولادتها، خصوصًا وأن تطورات الأحداث الأخيرة في الدول العربية المعروفة بـ”الممانعة” (ليبيا والعراق وسوريا واليمن ولبنان) يبدو أنها تشجع الصهيو ـ أميركي ومعه العربي “المعتدل” المهرول إلى “التطبيع” المجاني أكثر عن ذي قبل على تمرير “الصفعة” دون قيود أو عراقيل، ليذهبوا جميعًا إلى تحقيق الحلم التلمودي، بتصفية القضية الفلسطينية وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وإيجاد وطن بديل للشعب الفلسطيني.
لذلك من الوارد أن يشن كيان الاحتلال الإسرائيلي عدوانًا إرهابيًّا جديدًا على قطاع غزة لإرغام الرافضين على القبول والتسليم بـ”صفعة القرن” بذريعة منع الطائرات الورقية الحارقة، لا سيما وأن التأييد العربي الداعم لـ”صفعة القرن” سيكون مؤيدًا وداعمًا، إن لم يكن مُحرِّضًا على العدوان الإرهابي الجديد، إذا أخذ القرار بشنه.
خميس التوبي – الوطن العمانية











Discussion about this post