بقلم المؤرخ الدكتور محمود السيد-المديرية العامة للآثار والمتاحف والإعلامي محمد عماد الدغلي
إن تحليل معمق لطبيعة ونمط وعمل السياسة الخارجية الأمريكية منذ الاستقلال وحتى يومنا الراهن يؤكد من جهة اتسام هذه السياسة بالاستمرارية والاستقرار من جهة الأطر العامة والتوجهات الكبرى في حين يتم التغيير على مستوى السياسات والآليات التي تعتمد عليها في تحقيق أهدافها. ويوثق من جهة أخرى أن المبادئ الليبرالية التي أنشئ على أساسها الدستور الأمريكي لم تجد تطبيقا على أرض الواقع إلا جزئيا تمثل في الشق الاقتصادي والذي ارتكز على الاعتمادية والتبادل والتعاون الدولي وهو الذي وجد تطبيقا له في السياسات الخارجية الأمريكية في حين افتقرت هذه السياسة إلى القسم السياسي الليبرالي الذي يركز على منع الحروب وإقامة السلام والتعاون والأمن الدولي. ويؤكد الانحياز الحالي للولايات المتحدة الأمريكية للعدوان الإسرائيلي الغاشم على الشعب الفلسطيني والدفاع عن جرائم المحتل الصهيوني إلى مخالفة المبادئ التي أنشئ على أساسها الدستور الأمريكي وأهمها منع الحروب وإقامة السلام.
استقلت أمريكا عن الامبراطورية البريطانية في 14 حزيران عام 1775 في المؤتمر القاري الثاني الذي عقد في فيلاديلفيا و تكونت الولايات المتحدة الأمريكية بعد اتفاقية باريس عام1783 وتمكنت الولايات المتحدة الأمريكية بعد فترة قصيرة نسبيا من تاريخ قيامها من تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية وتبوء المرتبة الأولى عالميا كأعظم قوة دولية في التاريخ المعاصر وانفردت على الساحة الدولية كقطب أوحد بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك دوله وعملت خلال مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة على منع ظهور أي منافس لها على القيادة العالمية.
حرب الاستقلال الأمريكية تمثل ولادة أمة لأول مرة في التاريخ الحديث، تؤمن بسيادة الشعب، وبروز الدولة القومية الحديثة ذات التقاليد والنظم والأعراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتقدمة. وتمثلت الأهداف النهائية للدولة الأمريكية ولدى صانعي الاستقلال الأمريكي في منح الشعب الحرية وأن يكون أفراده أحرارا في تنمية قدراتهم وأن تسود القوى المدافعة عن التفاوض في الحكومة على القوى المستبدة وأنه يجب اكتساب الحرية كهدف ووسيلة واعتبار حرية الفكر والتعبير وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها لاكتشاف ونشر الحقيقة السياسية وهذه المناقشة العامة واجب سياسي ويجب أن يكون مبدأ أساسي للحكومة الأمريكية. وفي عام 1784 صدر الدستور الأمريكي ليجسد أسمى قيم الليبرالية في التعاون والمساواة والديمقراطية. واعتبر واضعو الدستور الأمريكي أن الأمن والسلام هما الركيزة الأساسية لبناء دولة الولايات المتحدة الأمريكية.
وهدف الدستور الأمريكي إلى تطبيق المبادئ الليبرالية وضمان الاستقرار الداخلي وتوفير سبل الدفاع المشترك وإلغاء الرق والمناداة بالمساواة بين المواطنين وتعزيز الخير العام وتأمين الحرية وتأكيد حرية العبادة والتعبير والصحافة وحق الاجتماع والمطالبة برفع الأجور ومنح المرأة حق الانتخاب. وطبقا لنصوص الدستور فقط الحكومة الممثلة لكل الشعب تستطيع صنع السياسة الخارجية.
ونجح الدستور الأمريكي في تحقيق معادلة توازن منحت الحكومة الأمريكية قدرا كافيا من السلطات التي تمكنها من إنجاز الأعمال المكلفة بها ومكن هذا التوازن الشعب الأمريكي والمؤسسات السياسية من الاحتفاظ بقدر من القوة تضمن عدم إساءة استخدام السلطات الممنوحة للحكومة. وأصبحت الضمانات الدستورية التي تكفل حرية الفرد كثيرا ما تتصارع مع السلطة الممنوحة للحكومة الأمريكية لإدارة الشؤون الخارجية وتحقيق الدفاع القومي.
ويتميز الدستور الحالي للولايات المتحدة الأمريكية بخصائص عديدة أهمها الفصل التام بين السلطتين التشريعية الممثلة بالبرلمان والتنفيذية الممثلة بالرئيس ووزرائه مع مراعاة التوازن والمساواة بين هاتين السلطتين، بحيث لا تستطيع إحداهما السيطرة على الأخرى ووجود سلطة تنفيذية قوية تتركز في رئيس الجمهورية الذي يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ورجحان كفة مجلس الشيوخ على كفة مجلس النواب في ميزان السلطة.
ويعتبر تغير الاستراتيجيات والسياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية من فترة لأخرى وفق مصالح القوة المسيطرة أهم سمات السياسيين وصانعي القرار السياسي الأمريكي. وبناءً عليه، تمتاز السياسة الخارجية الأمريكية بمخالفة مبادئ الدستور وبالتناقض المزدوج بين الليبرالية المثالية والواقعية من جهة، وبين الانعزالية والتدخل من جهة أخرى. ففي عهد الرئيس جورج واشنطن واضع الركيزة الأولى للسياسات الأمريكية اتسمت السياسة الخارجية الأمريكية في الرغبة في إبقاء البلاد على الحياد وبعيدة عن الخلافات الأوروبية أو التورط في حروب وتحالفات القارة الأوروبية. وانتهجت الولايات المتحدة الأمريكية في بداياتها توسعا في الأمريكيتين بشكل منفرد وعقدت في عام 1794 سلسلة من المعاهدات وحسمت الحدود مع كندا لصالحها وأطلقت مصراعي المسيسيبي للتجارة الأمريكية وأسست نفوذا تجاريا أمريكيا في جزر الهند الغربية البريطانية.
وفي عام 1803 في عهد الرئيس توماس جيفرسون تكرست سياسة الحياد والتقليل من التدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج واشترت الولايات المتحدة أراضي لويزيانا التي ادعت فرنسا ملكيتها وتضاعفت بذلك مساحتها. وفي عام 1812 خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حربا ضد المملكة المتحدة وإيرلندا ومستعمراتها في كندا. وفي عام 1819 خاضت مجموعة حروب متتابعة مع إسبانيا لضم فلوريدا.
وفي 2 كانون الأول 1823 صدر مبدأ مونرو الذي أعلنه الرئيس الأمريكي “جيمس مونرو”, ونص على عدم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شؤون القارة الأوروبية، ومعارضة أمريكا لكل تدخل يقع من الدول الأوروبية في شؤون القارة الأمريكية. وتحت مظلة مبدأ مونرو، اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة تهدف إلى تعزيز تجارتها ونفوذها وضم الأقاليم إليها وبررت من خلال عقيدة مونرو أن احتمالية التدخل الأمريكي ليس مشروط إزاء التهديد القائم فحسب بل أيضا إزاء احتمالية التحدي الصريح.
ومنذ عام 1829 ووصول أندرو جاكسون إلى الرئاسة الأمريكية، تكرست الطموحات الإمبريالية الأمريكية في التوسع على حساب الآخرين ضاربة بعرض الحائط مبادئ الدستور، أي تحولت الولايات المتحدة الأمريكية سريعا إلى دولة ذات نهج توسعي، وأخذت الولايات المتحدة الأمريكية ترسم معالم سياستها الخارجية بحثا عن القوة وأسبابها في العلاقات الدولية وبعيدا عن المثل والنزعة المثالية. وظهر التناقض بين ما جاءت به الثورة الأمريكية من مبادئ ومثل عليا، تتمثل في إعلاء شأن الإنسانية وتحقيق التعاون والسلام العالمي، وبين ما يمارسه صناع السياسة الخارجية الأمريكية على أرض الواقع. وعكست سياسة العصا الغليظة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والتي بررت من خلالها حقها في ممارسة دور الشرطي في العالم وخاصة في أمريكا اللاتينية مقدار القوة التي بلغتها أمريكا في ذلك الوقت.
وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الدول عنصرية بعد استيلاء ملاك العبيد وأصحاب المزارع والبرجوازيين الكبار على مقاليد السلطة وقبل قيام ما يسمى بالحرب الأهلية (1861-1865) بدأت أمريكا باتباع سياسات عالمية الصبغة شعارها “لأمريكا كل شيء وأمريكا هي الأولى في كل شيء” وأصبحت فيها القوة المحرك الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية بحجة الرغبة الأمريكية بنشر القيم المثالية في العالم وبذريعة حماية مصالحها في الخارج.
وفي عام 1890 ظهرت السياسة العنصرية البعيدة كل البعد عن مبادئ الدستور وبهدف تقليص مشاركة السود والفقراء من البيض في التصويت قامت الولايات الكونفدرالية بتمرير دساتير وقوانين جديدة تتطلب إجراءات معينة لممارسة حق التصويت كدفع ضريبة معينة على سبيل المثال وبذلك وطوال الفترة الممتدة ما بين عامي 1890-1920 أصبح فصل الأمريكيين الأفارقة عن باقي السكان ثقافة وأمرا مشروعا قانونيا ورسميا.
وفي عام 1895 حدثت أزمة الحدود مع فنزويلا وفي عام 1898 دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في حرب مع إسبانيا وطالبتها بالجلاء عن كوبا ووقفت إلى جانب ثوار كوبا ودعمتهم في سبيل تحرر كوبا من السيطرة الإسبانية وكان هذا التدخل العسكري نتيجة الخسائر الفادحة التي تكبدتها المؤسسات الاستثمارية الأمريكية بعد قيام الثورة الكوبية عام 1895 وإدراك الأهمية الاستراتيجية لكوبا لتنفيذ مشروع حفر قناة في أمريكا الوسطى بين المحيطين. ونجم عن هذه الحرب هزيمة إسبانيا وخسارتها لمستعمراتها في قارة أمريكا والمحيط الهادئ وتحولها إلى قوة من الدرجة الثانية وتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى دولة استعمارية كبرى وقوة عالمية.
وفي عام 1898 استثمرت الولايات المتحدة الأمريكية حادثة انفجار البارجة الأمريكية واتخذتها ذريعة للسيطرة على كوبا والفلبين وانتزعت أرض بورتيريكو وزادة من سطوتها على أمريكا اللاتينية
وفي عام 1913 تسلم الرئيس الأمريكي الأسبق “وودرو ويلسون” مقاليد الرئاسة وحاول الحفاظ على المبادئ الأمريكية التي قامت لأجلها الثورة الأمريكية وإتباع سياسة انعزالية وإبقاء الولايات المتحدة على الحياد في النزاعات الدولية وحروب القارة الأوروبية وابتعد عن التوقيع على أية تحالفات مع أية دولة أجنبية واعتمد مبدأ مونرو الذي يمنع أية دولة من التدخل في نصف الكرة الغربي مقابل عدم تدخلها في النصف الشرقي.
أرادت الولايات المتحدة الامريكية استثمار الحروب والمنازعات الأوروبية في إنهاك الدول الأوروبية بشكل كامل مقابل تقوية اقتصادها ونفوذها ليكون تدخلها هو العامل الحاسم مما سيحقق مصالحها وإرادتها أكثر من أية دولة أو قوة أخرى واستغلت استمرار الحياد الأمريكي الايجابي منذ بداية الحرب العالمية الأولى وحتى السادس من نيسان عام 1917 وعملت على تحقيق تقدما صناعيا وتجاريا على حساب الأطراف المتحاربة وتاجرت على نطاق واسع بأحدث الأسلحة الفتاكة مع الطرفين المتحاربين وفتحت أوروبا أبوابها أمام المنتوجات الأمريكية.
وبعد عدة أشهر من اندلاع الحرب العالمية الأولى وتقدم القوات الألمانية على حساب البريطانيين والفرنسيين وإعلان ألمانيا عام 1915 حرب الغواصات بهدف فرض حصار بحري على الشواطئ البريطانية لشل قدرة بريطانية على متابعة الحرب وتحقيق الفوز النهائي، اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية ذلك تهديدا لمصالحها واقتصادها القائم على التبادل التجاري وخاصة توريد الأسلحة مع فرنسا وبريطانية فضلا عن خوفها من عدم قدرة فرنسا وبريطانية على تسديد الديون الأمريكية في حال الهزيمة في الحرب.
وفي عام 1917 تصرفت الإدارة الأمريكية مع ألمانيا برئاسة وودرو ويلسون في بادئ الأمر وبحكم خلفيته الفكرية الليبرالية بطريقة دبلوماسية ولكن عدم استجابة الجانب الألماني دفعت وودرو ويلسون في السادس من نيسان عام 1917 لدخول الحرب إلى جانب الحلفاء. وبهذا التدخل العسكري تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد خرقت مبادئ الثورة الأمريكية كما تم خرق سياسة الحيادية المنبثقة من مبدأ مونرو والذي نص على عدم تورط الولايات المتحدة الأمريكية في نصف الكرة الشرقي.
وتلاقي المصالح البريطانية والصهيونية في الحرب العالمية الأولى دفع بصدور وعد بلفور الناجم عن اتفاقية سايكس بيكو وهي الرسالة التي ارسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 الى اللورد ليونيل والتر ديروتشيلد يشير فيها لتأييد حكومة بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والذي وضع أسس ومراحل تأسيس المشروع الصهيوني على أرض فلسطين العربية مع الإشارة إلى أن الفلسطينيين كانوا يشكلون 90% من سكان فلسطين عند صدور هذا الوعد المشؤوم.
وفي 8\1\1918 تم الإعلان عن مبادئ ويلسون الأربعة عشر من أجل إحلال السلام العالمي. وكان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (1921-1913) أول من رحب بفكرة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين مناقضا مبادئه التي أصدرها في 8 يناير1918، وركز فيها على 14 مبدأ للسلم ولإعادة بناء أوروبا من جديد بعد الحرب العالمية الأولى وأهمها ” لكل شعب الحق في تقريـر مصـيره ، ونيـل استقلاله” ومدركا أن هذا المبدأ من شأنه أن يحول دون إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ويجب التغاضي عنه {وسار على نفس النهج تجاه القضية الفلسطينية ثلاث رؤساء أمريكيين وهم على التوالي وارين غاماليل هاردينغ(١٩٢١-١٩٢٣), كالفين كولديج (١٩٢٣- ١٩٢٩), هاربرت كلارك هوفر (١٩٢٩– ١٩٣٣) وفي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين وقعت أمريكا اتفاقيات نزع السلاح البحري وتضاعفت القوات المسلحة الأمريكية.}.
وفي عام 1919 عقد مؤتمر باريس للسلام وتجاهل المشاركون فيه مبادئ ويلسون من أجل إحلال السلام العالمي ولم يصادق مجلس الكونغرس على معاهدة فرساي التي نشأت بموجبها عصبة الأمم معتبرا أن هدف الدول الأوروبية الاستعمارية الكبرى من تأسيس عصبة الأمم يتمثل في الاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى ونتيجة لذلك اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة أحادية الجانب تميل إلى الانعزالية وتكرست سياسة العزلة في عهد الرئيس وارين هاردينج.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى نجحت الدبلوماسية الأمريكية في اقناع بريطانية العظمى أن تقبل سلما ما لم يستطيع أي منافس آخر انتزاعه بالقوة وقبلت الولايات المتحدة الأمريكية بالشراكة مع بريطانيا في السيطرة على البحار واعترفت بريطانيا رسميا بحق أمريكا في الاحتفاظ بأسطول بحري يتساوى مع أسطولها ونجم عن مطالبة الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى بضمان المجال الحيوي والإهانة التي لحقت بألمانيا نتيجة اقتطاع عدة مناطق من أراضيها وفشل عصبة الأمم في انجاز المهام الملقاة على عاتقها وانسحاب اليابان منها عام 1933, واتجاه جميع الدول إلى سباق التسلح بعد فشل مؤتمر جنيف لنزع السلاح, قيام الحرب العالمية الثانية.
و في عهد الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت” عام 1939 أقر الكونغرس الأمريكي بضرورة حياد الولايات المتحدة الأمريكية وعدم الانجرار إلى حروب ومنازعات القارة الأوروبية, ولكن انهيار أوروبا واستسلام فرنسا لألمانية عام 1941 وملاحظة صانع القرار السياسي الأمريكي أن ميزان القوى أخذ يميل بقوة لصالح ألمانيا دفع الإدارة الأمريكية إلى الخوف على مصيرها الذاتي وتبني سياسة توازن القوى وتقديم مساعدات عسكرية ومالية ضخمة للحلفاء بهدف إعادة التوازن الدولي من جديد وتفادي اشتراك وتورط الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب واستغلت الولايات المتحدة الأمريكية ظروف وحاجة الدول المتحاربة وأرهقتها بالديون وأرست مفهوم مفاده انه من دون مساعدة حقيقية وعاجلة أمريكية سيحصل انهيار اقتصادي و اجتماعي و سياسي في أوروبا.
وفي عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (١٩٣٣- ١٩٤٥) بدأت السياسة الخارجية الأمريكية تتجه نحو التبنـي الكامل للمشروع الصهيوني في فلسطين، حيث أبدى روزفلت تعاونه الكامل مع الكيان الصهيوني وتقديم كافة أشكال الدعم له لتحقيق أهدافه ومشاريعه.
وفي آذار عام 1941 أقر الكونغرس الأمريكي “قانون ليند ليس” لرفع المجهود الحربي الأمريكي ومنح البلدان ذات الأهمية بالنسبة للمصالح الأمريكية (دول الحلفاء) قروضا لشراء أسلحة ومعدات حربية مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية.
تخلت الولايات المتحدة عن حيادها النسبي وأعلنت الحرب على اليابان عقب شن القوات المسلحة اليابانية في السابع من كانون الأول عام 1941 هجوما على الأسطول الأمريكي في ميناء بيرهاربور وبالمقابل ردت ألمانيا بإعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية.
وأخذت العلاقات الأمريكية مع الحركة الصهيونية تأخذ طابع الالتزام الفعلـي والمتطـابق مـع موقفها وتبلور ذلك في مؤتمر” بالتيمور” في نيويورك عام ١٩٤٢ الذي عارض بنود الكتاب الأبيض الصادر عام ١٩٣٩ وسمح بالهجرة اليهودية الواسعة إلى أرض فلسطين العربية.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 لم تعد بريطانية تسيطر على النظام الدولي اقتصاديا وعسكريا ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تابعة وتعمل ضمن النظام الدولي البريطاني وتحولت بريطانية إلى دولة مدينة لصالح أمريكا ولم تعد قادرة على دفع ديون الحرب وكذلك كان حال فرنسا وألمانيا واليابان وأكدت الولايات المتحدة الأمريكية تمسكها بالسيطرة على العالم وأنها بامتلاكها للسلاح الذري وقدرتها على استخدامه أضحت قادرة على إملاء إرادتها وقراراتها وسيطرتها على جميع دول العالم.
الأزمات والدمار الذي أصاب الدول الكبرى والوهم بتفوق أمريكا عالميا نتيجة احتكارها للسلاح النووي أفسح المجال أمام دخول الولايات المتحدة الأمريكية في منافسة مع الاتحاد السوفيتي، أطلق عليها اسم “الحرب الباردة” وتمثلت في تجسيد كل طرف لقدراته السياسية والاقتصادية والعسكرية في مواجهة الطرف الأخر ومنعه من استلام زمام القيادة العالمية. وعمل كل طرف منهما على محاولة الحصول على مناطق نفوذ عسكري أو سياسي وتوسيعها كلما كان ذلك ممكنا وسعى كل طرف إلى إنهاك الطرف الأخر عن طريق اشعال حروب محدودة لاستنزاف الخصم. وبالرغم من امتناع الطرفين عن استخدام السلاح لكنهما لم يتوقفا عن تطوير قدراتهما العسكرية والدخول في سباق تسلح لم يشهد له العالم مثيلا من قبل. ولم يقتصر اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية على القوة القومية ببعدها العسكري بل شمل أيضا التطور التقني والعمل على امتلاك المصادر الطبيعية واستغلال العوامل الجغرافية وشكل الحكومة والقيادة السياسية والإيديولوجية.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب، أعلن الـرئيس هـاري ترومان (١٩٤٥-١٩٥٣)، اعترافه الفوري بقيام دولة إسـرائيل، واعتبر الكيان الصهيوني من أهم أدوات حماية المصالح الأمريكية في المنطقة.
وفي 5\3\1946 انتهج ونستون تشرشل سياسة تتسم بمعاداة الأوساط الحاكمة في البلدان الرأسمالية للاتحاد السوفيتي ودعا إلى تأسيس وتشكيل الاتحاد العسكري الأنجلو-أمريكي لمواجهة خطر الشيوعية القادم من الشرق. فقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية خطر احتمال قيام الاتحاد السوفيتي بمد نظامه الشيوعي ونفوذه السياسي إلى مناطق أخرى من العالم وخطر الأهداف التي حاول النظام الاشتراكي نشرها والمستندة على النظرية الماركسية على المصالح والمكانة الأمريكية، فالنظام الاشتراكي يدعو للقضاء على الاستغلال “العصب الرئيس للرأسمالية”، لذلك شنت الولايات المتحدة الأمريكية حرب أيديولوجية تستهدف وأد الأفكار الاشتراكية والشيوعية والقضاء عليها قبل انتشارها على نطاق واسع.
وارتكزت السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب الباردة على استراتيجية احتواء الاتحاد السوفيتيي ومنعه من التوسع الفعلي الجغرافي أو الفكري والإيديولوجي لأبعد من أوروبا الشرقية ومنعه من نشر الفكر الشيوعي في دول العالم الثالث. وبحلول عام 1954 مال ميزان التحالفات الدولية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق نتيجة هيمنتها على النظم السياسية في أكثر من ستين بلدا ارتبطت جميعها بتحالفات مع الإدارة الأمريكية. وفي عام 1955 امتلكت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الهيدروجينية وفي عام 1976 أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية أول قمر صناعي لها تحت اسم “اكسبلورر.”
وفي عام 1961 اتسمت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق “جون كيندي” بالميل إلى التفاهم مع الآخرين وتسوية المشكلات بالوسائل السلمية. وفي عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون (1963-1969) انتهجت أمريكا سياسة تهدف إلى تخفيف حدت التوترات في العلاقات مع الاتحاد السوفيتي.
وتوطدت العلاقات الامريكية-الإسرائيلية في فترة الرئيس جون كنيدي (١٩٦١-١٩٦٣) والذي أعلن خلال مؤتمر للمنظمـة الصـهيونية الأمريكية “أن الصداقة الأمريكية الإسرائيلية ليست التزاماً حزبيا، بل هي التزام قومي تـرتبط بالاسـتراتيجية الأمريكية”. مؤكدا دعمه المطلق لإسرائيل وامتدح التجربة الصهيونية محاولا اكساب الصفة الشرعية الدولية لقيام الكيان الصهيوني في أرض فلسطين العربية وتطورت برامج المبيعات العسكرية إلى إسرائيل.
وعمل رؤساء أمريكا ليندو جونسون (١٩٦٣- ١٩٦٩) وريتشارد نيكسون (١٩٦٩– ١٩٧٤) وجيرالد فورد (١٩٧٤ – ١٩٧٧) وجيمي كارتر (١٩٧٧ – ١٩٨١) علـى توثيق العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية. وأعلن الرئيس كارتر في عام ١٩٧٧ عن مبادرة شخصية منه عن الوطن الفلسـطيني كنتيجـة لأي مفاوضات بين فلسطين والإسرائيليين. وحاول دفع منظمة التحرير للقبول بقرار مجلس الأمن 242 وقدمت إدارته ما عرف بإعلان ١٩٧٧ والذي اتفقت فيه أمريكا والاتحاد السوفيتي بضرورة عقد مؤتمر للسلام عرف بمؤتمر جنيف. وتبلورت في عهده قناعة بأهمية حل الصراع الإسرائيلي العربي، والبدء بمحادثات كامب ديفيـد بـين مصـر وإسـرائيل وأعلن الرئيس كارتر أن حصول الفلسطينيين على وطن وحل مشكلة اللاجئين، أمر ذو ضرورة قصوى.
وفي عام 1969 انتهجت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي “ريتشارد نيكسون” سياسة خارجية ارتكزت على تنمية العلاقات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مع الاتحاد السوفيتي واستثمار ذلك في تعديل السلوك السوفيتي. وفي عام 1972 رفض الكونغرس الأمريكي التصديق على معاهدة سالت للحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية. وفي عام 1975 ألغيت الاتفاقية التجارية الموقعة مع الاتحاد السوفيتي
مع وصول الرئيس الأمريكي “رونالد ريغان” إلى الحكم بدأ نجم محافظو اليمين المتشدد (المحافظون الجدد) بالظهور وكان العنوان الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية مواجهة الاتحاد السوفيتي عن طريق ايقاف المد الشيوعي ونشر الأخلاق والقيم الأمريكية السامية واعتماد أدوات ووسائل تضمن حماية المصالح الأمريكية بغض النظر عن قانونية وشرعية وإنسانية هذه الأساليب أو عدمها. رأت إدارة الرئيس رونالد ريغان (١٩٨١ – ١٩٨٩) أن الفلسطينيين مجرد لاجئين ولا بد من توطينهم أو تعويضهم، وأعلنت عام 1981 أن إسـرائيل شـريك استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية. وفي عهده طرحت فكرة حكم ذاتي فلسطيني وإجراء انتخابات والبدء بمفاوضـات إسـرائيلية أردنيـة بمشـاركة فلسطينية.
وفي عام 1991 أحدث انهيار الاتحاد السوفيتي تغيرا كبيرا في بنية النظام الدولي فانهارت الثنائية القطبية وبرزت القطبية الأحادية الأمريكية.
وفي عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى صياغة نظام عالمي جديد يعمل على إحياء قيم الديمقراطية في الخارج ويضم العالم بأسره، نظرا لارتباط المصلحة الوطنية بالمصالح الدولية. كما عمل على المحافظة على توازن القوى ومنع أية قوة من منافسة الدور الريادي لدولته. وفي عهده وقعت حرب الخليج الثانية أو الحرب العراقية الكويتية وتمكنت أمريكا من خلالها تحقيق احتواء مزدوج لكل من العراق وإيران ومنعهما من تحقيق سيطرة ونفوذ في منطقة ذات أهمية جيو-استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية واضحت القوة العسكرية جاهزة في أي وقت لتنفيذ استراتيجية وحماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أي استعدادها للقضاء على أية نزعة لدى أي من الدول لامتلاك أسلحة تهدد بها المصالح الأمريكية في أي منطقة في العالم.
وأعلن الرئيس جورج بوش الأب (١٩٨٩- ١٩٩٣) مبادرته لتسـوية الصـراع العربـي-الإسرائيلي معتبرا أن السلام الشامل يجب أن يعتمد على قراري مجلس الأمن (٢٤٢) (٣٣٨) ومبدأ الأرض مقابل السلام ويجب توسيع نطاق هذا المبدأ، لكي يتضمن أمن إسرائيل والاعتراف بها ويـنص في نفس الوقت على الحقوق السياسية الفلسطينية المشروعة. أي تقسيم أرض فلسطين إلى دوليتين (عربية – يهودية) والسعي للاعتراف بالكيان الصهيوني وإضفاء الصبغة الشرعية الدولية عليه. وإجبار الفلسطينيين على قبول الواقع من خلال مبدأ الأرض مقابل السلام وبالتالي الاعتـراف بدولـة فلسطين وهويتها مقابل السلام، والاعتراف بدولة إسرائيل. ومع ذلك اعتبرت إدارة جورج بوش الأب الكيان الإسـرائيلي، هدفا استراتيجيا، من الدرجة القصوى ذات الأهمية البالغة، وأكد بوش الأب حرصه على تحقيق التزام الولايات المتحدة الأمريكية الكامل تجاه إسرائيل وأنه لن يسـمح أبدا بأن تهزم إسرائيل. وأثناء مفاوضات مدريد لحل الصراع العربي الإسرائيلي في خريف 1991 قدمت الولايات المتحدة الأمريكية كل أشكال الدعم والتأييد لقيام الكيان الصهيوني بالتوسع وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.
وفي السنة الأولى من رئاسة بيل كلينتون عام 1993 اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة تقليص حجم انتشار أسلحة الدمار الشامل في كل دول العالم واحتلت القضايا الاقتصادية محورا مركزيا في أجندة السياسة الخارجية الأمريكية على حساب القوة العسكرية. ومع ذلك وجهت أمريكا ضربات عسكرية لرواندا في عام 1994 وكوسوفو عام 1998 وقامت بعملية ثعلب الصحراء ضد العراق عام 1998. وفي عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون (١٩٩٣–٢٠٠١) الذي أكد على دعم إسرائيل عبر التأكيد على تفوقها العسكري النوعي، وقع اتفاق أوسلو في واشنطن عام 1993 وأعلن عن قيام السلطة الفلسطينية وتم الدخول السريع بعد توقيع اتفاقية أوسلو في علاقات علنية مع إسرائيل، سواء بتوقيع اتفاقية سلام معها كما في حالة الأردن، أو فتح سفارات أو قنصليات لها في بعض الدول العربية، أو تسيير الرحلات منها وإليها، دون إيجاد حلول عادلة للقضية الفلسطينية. ووفق اتفاقية أوسلو الثانية 1995، تم تقسيم الضفة الغربية إلى 3 مناطق “أ” و”ب” و”جـ”. المنطقة “أ” تمثل 18 في المئة من مساحة الضفة، وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنيا وإداريا، أما المنطقة “ب” فتمثل 21 في المئة من مساحة الضفة وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، وأخيرا فإن المنطقة “جـ” والتي تمثل 61 في المئة من مساحة الضفة تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية.
وفي عام 2000 وصل جورج دبليو بوش إلى سدة الرئاسة وعمل على تطوير القدرات العسكرية الأمريكية والتلويح باستخدامها ضد كل من يهدد المصالح الاستراتيجية الأمريكية أينما وجدت. وفي عهده وقعت أحداث 11 أيلول عام 2001 واعتبرت أضخم مأساة تعرض لها الأمن القومي الأمريكي. واتخذها المحافظون الجدد ذريعة للسيطرة على الإدارة الأمريكية وتولي المناصب الهامة والحساسة في صناعة وصياغة السياسة الخارجية الأمريكية التي ارتكزت في أدائها ووسائلها على تحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم. ولاستعادة الهيبة الأمريكية لجأت الإدارة الأمريكية إلى العمل بشكل منفرد خارج إطار الأمم المتحدة واتباع سياسة الضربات الاستباقية لمنع واحتواء أي خطر محتمل أو مشكوك باحتماله واعتماد سياسات أحادية امبريالية استعمارية توسعية تمثلت في الإعلان عن حملة صليبية ضد الإسلام وأتباعه وغزو أفغانستان والعراق وألحقت سياسات جورج بوش الابن ضررا جسيما بالاقتصاد الأمريكي وبالأساس الاقتصادي للقوة الأمريكية.
وخلال فترة الرئيس “بوش الابن” (٢٠٠٠-٢٠٠٨)، استمر الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل وحدث تطابق في الرؤى تمثل في ضرورة التخلص من الرئيس “ياسـر عرفـات” وإعـادة احتلال الضفة الغربية والسماح لإسرائيل بشن حرب على غزة. ففي عام 2002 عرقلت إدارة بوش خطة ميتشل وإرسال مراقبين دوليين إلى فلسطين للحد من العنف واستخدمت حق النقض ضد هذا القرار. وفي كانون الأول عام 2003 قدمت اتفاقية جنيف مشروع دولتين وكانت خطة بوش-شارون تبدو في ظاهرها تهدف إلى وقف الاشتباك، لكنها في جوهرها تهدف إلى تمكين الكيان الصهيوني من التوسع وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية بدل الانسحاب من الضفة الغربية.
وجاء انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في لحظة انحسار سريع لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية الدولي كقطب العالم الأوحد وظهر تيار محافظ تبنى أجندة “اليسار الجديد” المعادية للحروب واعتمدت أمريكا سياسات انعزالية قللت من التزامات الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج واهتمت أكثر بالشؤون الداخلية وبتطبيق الديمقراطية بعيدا عن استخدام القوة أو فرض الديمقراطية بالضغط والإكراه.
وتميزت سياسة أوباما الخارجية بشكل عام بغياب استراتيجية دولية واضحة المعالم والتقاعس عن اتخاذ إجراءات فعلية لحل الصراعات الدولية والاكتفاء بالخطابات والتصريحات الغير مسؤولة، وهذا ما يؤكد الفشل الكبير الذي لحق بالسياسة الخارجية الأمريكية وعدم قدرتها على المتابعة منفردة بالقيادة العالمية.
وأعطى الرئيس أوباما في بداية حكمه اهتماما لحل الصراع العربي الإسـرائيلي من منظور حمايـة المصالح الأمريكية في المنطقة. وعمل علـى تحريك عملية السلام على المسار الفلسطيني وعيين السيناتور جورج ميتشل مبعوثا خاصا للسلام في الشـرق الأوسط، وحاولت الإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين الفلسطيني وإسـرائيل يرتكز على تصور” حل للدولتين” بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس الشرقية مع الحفاظ على امن إسرائيل والعمل على استدراج الدول العربية إلى التطبيـع مـع إسـرائيل باعترافهم بوجودها بالمنطقة وإقامة علاقات سياسية واقتصادية معها، ونبذ العنف ونزع سلاح المقاومة. واتسمت مبادرة أوباما التي أعلنها في 2 سبتمبر 2010 وسياساته التي طبقها في ولايته الرئاسية الثانية بخصوص القضية الفلسطينية بالغموض وعدم الجدية في حل قضـايا التهويـد والاستيطان والحدود ومنح إسرائيل مزيد من الوقت لفرض الواقع على الأرض وترسيخ فكرة الدولة الإسـرائيلية.
ومع تولي دونالد ترامب عام 2016 منصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية جعل مبدأ “أمريكا أولا” قاعدة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية, أي يجب تعظيم أهمية الدولة القومية ويجب الالتزام أولا و قبل كل شيء بالمصالح الأمريكية و اعتبارها الدافع الأساسي لأي تحرك على مستوى السياسة الخارجية و أن أمريكا ليست مطالبة بأن تتحمل عبء حماية أو الدفاع عن دول أخرى من دون مقابل كما هو الحال في الأزمة الخليجية القطرية الحالية و يجب تجنب توريط القوات الأمريكية و السياسة في أي حدث عالمي, طالما أنه لا يمس مصالح أمريكا, أما في حال تعرض مصالح أمريكا للخطر, فيجب التدخل العسكري الأحادي.
تجاهلت إدارة دونالد ترامب أبعاد الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني القائم وأظهرت موافقتها في تطبيق تطلعات إسرائيل المستقبلية. ولفرض تسـوية تريـدها إسرائيل، عملت إدارة ترامب على إعادة التسوية السياسية للصراع العربي الفلسطيني-الإسرائيلي إلى نقطة الصفر؛ من خـلال إلغـاء كافـة الاتفاقـات والتفاهمات. وقامت إدارة ترامب منذ عام 2017 بخطوات سابقة تمهيدا لتطبيق مبادرة سرقة القرن (مبادرة ترامب) على أرض الواقع، بدءًا من قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمةً لإسرائيل في ٦ كانون الأول ٢٠١٧وأفشلت في١٢ كانون الأول ٢٠١٧التحرك الفلسطيني من أجـل استصدار قرار في مجلس الأمن لمنع تغيير الوضع القانوني في القدس، باستخدامها حق النقض “الفيتو”. وبذلت إدارة ترامب جهودا حثيثة لإزالة ملف اللاجئين ونقلت سفارة الولايات المتحدة إلى القدس في ١٤ أيار ٢٠١٨ ليُفتَح بذلك الباب أمـام دول أخرى للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. واعترفت بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان السوري، ثمّ أصدرت قرارات تنزع الطابع غير القانوني عن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبهدف إبعاد القضية الفلسطينية عن المنظمات الدولية انسحبت الولايات المتحدة من منظمات دولية دفاعاً عن إسرائيل كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة- اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. كذلك انسحبت من عدة اتفاقات دولية، كان أخرها البروتوكول الملحق لاتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام ١٩٦١ بعد الـدعوى التـي قـدمتها السلطة الفلسطينية لمحكمة العدل الدولية والتي تطعن بقرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها من تل أبيـب إلـى القدس. معلنة أنها ستراجع جميع الاتفاقيات الدولية التي قد تعرضها لقرارات ملزمة من قبل محكمة العدل الدولية وأوقفت في كانون ثاني ٢٠١٨ نصف الدعم الذي كانت تقدمه لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئـين الفلسطينيين في الشرق الأدنى- الأونروا، والذي يقدر بـ ٦٥ مليون دولار وقررت في ٣١ آب ٢٠١٨، وقف التمويل كليا ونهائيا. وأغلقت مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن بعد توقيف التمويل للوكالة بأسبوعين. ودعمت إدارة ترامب قيام الاحتلال الإسرائيلي بالتنفيذ الفعلي بالضفة الغربية والقدس لإنهاء صـفة اللاجـئ وإغـلاق مخيمات اللجوء ومصادرة أراضيها. وعملت على زيادة وتيرة التطبيع في الفترة الأخيرة بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني. ونجحت السياسات الأمريكية والإسرائيلية في ظل الأوضاع العربية الحالية، في تحويل حل الصراع مـن الداخل الفلسطيني إلى الخارج العربي، حيث تزايدت وتيرة التطبيع السياسي والثقافي مع الدول العربيـة التي لم تدخل بعد في اتفاقات سلام مع إسرائيل. والهدف من ذلك قبول إسرائيل في محيطها العربـي قبـل إنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ولإضعاف المطالب الفلسطينية.
ويمثل اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميا بسيادة الكيان الصهيوني الغاصب على مرتفعات الجولان السورية المحتلة عام 1967، قرارا مخالفا لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تؤكد سورية هضبة الجولان. ويمثل العدوان الامريكي على الاراضي السورية وسرقة النفط السوري ودعم المجموعات الارهابية عدوانا ومخالفة واضحة وصريحة المبادئ الليبرالية التي أنشئ على أساسها الدستور الأمريكي والتي تركز على منع الحروب وإقامة السلام والتعاون والأمن الدولي وللمواثيق والاعراف الدولية.
ويعكس الانحياز الأمريكي لجرائم المحتل الصهيوني في عهد إدارة الرئيس جو بايدن الجديدة استمراراً لنهج وسلوك من سبقه من الإدارات الأمريكية ويفند مزاعم الولايات المتحدة الأمريكية كراعي للسلام ووسيط نزيه في المفاوضات ويؤكد أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بالمفاوضات ولكن يسترد بالقوة المماثلة.
ما سبق يؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية مبنية دائما حسب ما تمليه عليها مصلحتها وتتسم منذ تكون الولايات المتحدة الأمريكية وحتى يومنا الراهن بالتناقض المزدوج بين المثالية والواقعية من جهة وبين الانعزالية والتدخل من جهة أخرى. وهي لم تطبق مبادئ دستور الولايات المتحدة الأمريكية المتضمنة الادعاء بالحفاظ على حقوق الشعوب في الحياة و العيش بكرامة و أهمية العمل على منع الحروب بل اتبعت أمريكا سياسة خارجية قامت من خلالها بقمع الزنوج والهنود الحمر وانحزت للمحتل الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وسلبتهم حقوقهم في الحرية والحياة وخاضت الكثير من الحروب والتي كان الهدف منها التوسع و زيادة النفوذ ومنع الدول الأخرى من منافستها على قيادة العالم وأن حروب الولايات المتحدة الأمريكية التي خاضتها بهدف زيادة مساحتها على حساب الدول المجاورة توثق إخفاق الأهداف السامية التي وضعتها الثورة الأمريكية وتؤكد استعداد أمريكا لاستخدام القوة العسكرية وخوض الحروب في سبيل تحقيق السيطرة على العالم ومنع أي دولة من أن تتحول لمنافس لها ولو من خلال اتباع وسائل لا أخلاقية وغير قانونية وشرعية. وأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية من تأسيس منظمة الأمم المتحدة لم يكن بهدف إنشاء تكتلات دولية لتنظيم جهود الدول نحو تحقيق السلام الدولي، فتحت مظلة الأمم المتحدة والشرعية الدولية شنت العديد من الحروب ضد دول مستقلة ذات سيادة وتم فرض السيطرة الثقافية والاقتصادية ونمط الحياة الأمريكية لتكريس التفوق الأمريكي وبقائها القوة العظمى والوحيدة في العالم.
ومن خلال ما سبق يتضح أن سياسة الإدارات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية تهدف إلى تثبيت التقليد الأميركي في ضمان تفوق إسرائيل في المنطقة وحمايتها في المحافل الدولية المختلفة وتركيز الجهود على إسـقاط البعـد الفلسـطيني وتهميشـه ورفض أي تدخلات خارجية سواء من الأمم المتحدة أو المجتمع الـدولي لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا لفرض سياسة الأمر الواقع. وتغييب البعد السياسي عن قضية فلسطين، وهو أهم أبعادها في الواقع، كونها حركة تحرر وطنـي سياسـية الطـابع فـي مواجهة احتلال أجنبي استيطاني عنصري. واستمرار الدعم الأمريكي للمشروع الإسرائيلي القائم على أساس أن لا دولة فلسطينية غـرب نهر الأردن. والتركيز على ما يسمى الحل الإقليمي، أو تطبيع العلاقات العربية والإسلامية مع إسرائيل، مع تقديم حلول أمريكية رمزية تجاه الفلسطينيين، لا يمكن أن تتجاوز مفهوم السلام الاقتصادي. ولم تبدِ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الجديدة أية نية لمراجعة قرارات مصيرية اتخذتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، بشأن القضية الفلسطينية، من بينها الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل. لذلك يجب عدم قبول أية رعاية أمريكية حصرية لأي مفاوضات سلام مع إسرائيل، واشتراط عقد مؤتمر دولي لعملية السلام برعاية الأمم المتحدة والانحياز الأمريكي السافر اليوم للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني يجرد أمريكا من زعمها صفة الوسيط لحل الصراع العربي-الإسرائيلي بالطرق السلمية وعبر التشريعات الدولية. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة وصلابة المقاومة الوطنية الفلسطينية فشل نهج أوسلو ومبادرة ترامب للسلام (مبادرة سرقة القرن) وقصر نظر الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني وضعف موقفها أمام شعوبها والتي اتهمت حكامها بالخيانة والعمالة.
سنمار سورية الاخباري












