في كلمة مفصليّة وفي ظرف قاتم تناول الأمين العام لحزب الله السيد نصرالله الملفات الساخنة، مجيباً عن الكثير من الهواجس والأسئلة، مانحاً بعض الأمل بإحداث اختراق في الملف الحكوميّ المغلق، تاركاً بعض الضوء في ظلام الليل السياسي والاقتصادي المخيّم على لبنان واللبنانيين، مبشّراً رغم الصعوبات بإمكانية السيطرة على المرحلة الصعبة، داعياً القيادات لمغادرة الفئويات الضيقة والحسابات الصغيرة والحقد والكيد، والتطلّع لأحوال الناس ومعاناتها، والتعامل أخلاقياً مع هذه الأوجاع التي توحّد اللبنانيين، بينما تجاوز الدولار عتبة الـ 17000 ليرة بعدما تمّ رفع الدعم عن السلع الغذائيّة وصار تمويل استيرادها يتمّ من السوق السوداء، وبينما لجأت المصارف لشراء الدولارات من السوق السوداء أيضاً لتأمين ما يلزم لسداد الـ 400 دولار التي تضمّنها تعميم مصرف لبنان بالنسبة لحقوق السحب الممنوحة للمودعين مع نهاية شهر حزيران بعد أيام قليلة.
تناول السيد نصرالله الحديث الأميركي عن دعم الجيش اللبناني، وتوصيفه كمدخل لبناء توازن قوة بوجه حزب الله، مشيراً إلى أن هذا تحريض للجيش على شريحة لبنانية واسعة وتحريض لهذه الشريحة على الجيش وإثارة مخاوفها وشكوكها منه، بما يؤكد أن ما تريده واشنطن هو الفتن وليس الجيش القويّ، فالذي يريد الجيش القويّ يسعى وإحاطته بأوسع التفاف شعبيّ وطمأنة الجميع إلى دوره وإلى أن هذه القوة لا يجب أن تكون مصدر قلق لدى أحد، فكيف إذا الأميركي نفسه هو مَن يعيق امتلاك الجيش للمقدرات الحقيقية التي تجعل منه جيشاً قوياً بمعايير الجيوش، فقط لأن واشنطن لا تريد جيشاً يردع اعتداءات جيش الاحتلال على لبنان.
توقف السيد نصرالله أمام النقاش الدائر حول فرضيّة المثالثة انطلاقاً من نقاشات تشكيل الحكومة ليصف هذه الفرضيات بالفزاعة المفتعلة، حيث لا يمكن الحديث عن ثلاث ثمانيات في الحكومة إلا بصورة مجافية للواقع بهدف زرع الشكوك والمخاوف، وإلا كيف يستقيم احتساب وزراء مسيحيين في حصص الشيعة والسنة، متوقفاً أمام محاولة التهشيم التي لحقت بالنائب جبران باسيل بعد دعوته للسيد نصرالله للتدخل كصديق في مسعى حلحلة الملف الحكومي، خصوصاً الكلام الذي وصف هذه الاستعانة كتفويض مصير طائفة لطائفة أخرى، بصورة منافية لما ورد في دعوة باسيل.
في تداعيات الأزمة الاجتماعية كاشف السيد نصرالله اللبنانيين بأننا ذاهبون الى رفع الدعم بقرار أو بدون قرار، بحكومة أو من دون حكومة، وأن المعاناة ستزداد والصعوبات ستتفاقم، محذراً من الفوضى، والفتن، داعياً لتجنّب قطع الطرقات كوصفة سريعة للخلل الأمني، عدا عن كونها عقاباً جماعياً للبنانيين وليس لمسبيي الأزمات.
في الملف الحكوميّ أكد السيد نصرالله تلقفه لنداء النائب جبران باسيل، وفق مضمونه الحقيقيّ كدعوة من صديق لصديق للمساعدة في حلحلة الأزمة الحكوميّة، مشيراً إلى أن المساعي بدأت وستستمر، مضيفاً أن مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري تبقى هي إطار الحل وأن الهدف سيبقى تقريب المواقف بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري.
عن وعده بالسير باستيراد المحروقات بالليرة اللبنانية من إيران، عندما تغلق الأبواب وتعجز الدولة، قال السيد نصرالله إن حزب الله أنجز كل الترتيبات الإجرائية والإدارية واللوجستية للعملية بما في ذلك أماكن التخزين وآلية التوزيع وصيغة الاستيراد، ولم يتبق إلا إصدار أمر التنفيذ عندما يتخذ القرار، داعياً المعترضين والمنتقدين إلى فعل المثل بالذهاب الى أصدقائهم ومطالبتهم بمنح لبنان مساعدة تشبه ما جاء به السيد نصرالله من إيران كصديق، بدلاً من الانتقادات العبثية والعدمية والتي لا تعبر إلا عن حقد أصحابها وعدم اكتراثهم لمعاناة الناس بمن فيهم الناس الذين يزعمون أنّهم يهتمون لأمرهم ويمثلونهم.
وأشار السيد نصرالله خلال كلمته إلى أننا «أمام تحريض أميركي مكشوف في وسائل الإعلام، تحريض اللبنانيين على بعضهم البعض»، مؤكدًا «أننا نرى أن الجيش اللبناني الضمانة الحقيقية للأمن والاستقرار في لبنان وأيضًا لوحدة لبنان، كما أنه جزء أساسيّ من المعادلة الذهبية لقوة لبنان أي الجيش والشعب والمقاومة». وأكد أن الذي يعيق تقوية الجيش اللبناني هي الإدارة الأميركية، لأنها تخشى من هذا الجيش لأنه لو تمّ تسليحه وبما يمتلك من عقيدة ومن ثقافة ترفض العدوان من أن يكون بمواجهة ربيبتها «إسرائيل»، وهي تمنع من أن تصل إليه الكثير من المساعدات الحقيقية من دول المنطقة ومن دول العالم».
ولفت السيد نصرالله الى أن “مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري أدّت مع الأطراف المختلفة للوصول إلى نقطة مهمة، وهي الاتفاق على عدد وزراء الحكومة أي 24 وزيراً وتم الاتفاق أيضاً على توزيع الحقائب كأعداد على الأحزاب والطوائف”، مؤكدًا “لم نفكر أبدًا في الطائفة الشيعيّة بالمثالثة ولم نطرحها بل غيّرنا طرحها علينا ولم نقبل”.
وفي رده على كلام النائب جبران باسيل أوضح الأمين العام لحزب الله أن “عبارة حَكَم هي عبارة عن الثقة وليس المقصود منها المعنى الدقيق لها”، وأن “الحَكَم يحتاج إلى قبول الطرفين وتسليمهما وهذا غير مطروح وأنا لست في وارد هذه المسألة”. ونوّه إلى أن “حزب الله موقعه وأولوياته مختلفة ويقبل لنفسه ما لا يقبله الآخرون من أغلب القوى السياسيّة في لبنان لأنفسهم”، وأن “الوزير جبران باسيل استعان بي بصديق وأنا استعنت بالرئيس بري كصديق، وهذا الإطار هو الإطار الوحيد المنطقي والطبيعي الذي يمكن أن نصل من خلاله إلى نتيجة”. وأَضاف: “قدّمنا أفكاراً جديدة والهدف هو الوصول إلى مكان مرضٍ للرئيس عون والحريري حتى إذا توافقا أمكن تشكيل الحكومة”، وتابع “يجب دائمًا التحلي بالأمل والحل بإيجاد حكومة قادرة على اتخاذ القرارات”.
وكشف السيد نصرالله أن “كل المقدّمات الإدارية واللوجستية بخصوص استيراد البنزين والمازوت من إيران إلى لبنان وتوزيعه قد أنجزناها. وهذا الوعد ما زال قائمًا”، مشيرًا إلى أن “الأمر يحتاج إلى إذن حركة فقط فالمقدّمات كلها أنجزت”. وسأل لماذا لا تلجأ الدولة إلى خيار إنشاء مصافٍ للمشتقات النفطية وتأمين جزء كبير من حاجات السوق اللبناني بكلفة أقل، وهناك شركة جاهزة لهذا المشروع فقط تحتاج إلى التوقيع”.
وأشار إلى أن البلد يتجه إلى رفع الدعم تلقائيًا، داعيًا لتشكيل لجنة من كل الشركاء في الحكومات السابقة لمناقشة ترشيد الدعم أو رفعه لأن المفروض من الكل أن يتحمّل المسؤولية، ولفت إلى أن البطاقة التمويلية تستطيع مساعدة العائلات اللبنانية في الصمود في مواجهة الأزمة. وشدّد على “الناس الانتباه في هذه المرحلة، وأن تخريب المنشآت العامة وقطع الطرقات يؤدي إلى أذية الناس ويزيد من وجعها، وأن استمرار قطع الطرق سيؤدي إلى طابور ذلّ جديد إضافة الى طابور البنزين والدواء”. وأضاف “نحن نحتاج إلى السلام الداخلي حتى نحلّ مشاكل البلد فيما هناك من يريد تفجير البلد. فهؤلاء مُفسِدون في الأرض”، ولفت إلى أن “أيّ كلام في هذا الظرف يؤدي إلى الفتنة حرام ومن الكبائر، والذي يتصوّر أنه في ظل الفتنة يستطيع معالجة أزمة هو واهم ويخرّب ويدمّر البلد”.













