ادريس هاني
للإمبريالية مذهب في القيم مزدوج ..فهي في كلّ أطوارها وضعت القيم أمامها مجرد متراس لقمع الأسئلة ضدّ غاياتها الأخرى ..لم نجد يوما في تاريخ الاستعمار أن حصل الاحتلال من دون ذريعة أخلاقية. في زمن الميغا – مغالطة حتى إسرائيل تنتج شعارات أخلاقية ..الحرب الأخلاقية ضدّ بشّار الأسد باءت بالفشل، فمنذ ثماني سنوات والخطاب التكراري لا يفتر: مستبد، وحش قاتل، غبيّ، طائفي، عميل…سوف أعود لهذه العبارة واحدة تلو الأخرى لنقف على الإدارة السّيئة للنعوت والأوصاف. وفشل الماكنة المنتجة لهذا الكيد اليومي ابتغاء تحقيق انتصارات إمبريالية بلغة أخلاقية. وهنا سنقف على شكل آخر من المغالطة. ففي زمن الميغا-مغالطة لم تنج الإثيقا ونظام القيم نفسهما من هذا الاختراق. زمان الميغا-مغالطة يتيح للاّأخلاقي أن يستعمل المعجم الأخلاقي في الحكم على الآخر. فقد يظهر المغالط أنه يقدّر الخلاف أو يقدّر الآخرين أو يعترف بحقوقهم لكنه في الميدان هو متآمر ولا أخلاقي وخادم للرجعية. إنّ المغالط يخشى من التفصيل ويحب أن يلوذ بمغالطة التحشيد وجمع الأغاليط رزمة واحدة والقذف بها من بعيد. لكن العقل أكبر من أن تستخفّ به طوابير الجهل، فلا بدّ في النهاية من التفصيل، فماذا وراء تلك التّهم يا ترى:.jpeg)
– إنّه ديكتاتور:
في بداية الأزمة السورية وحيث كانت القابلية للاصطفاف ضدّ سوريا عارمة، انطلقنا من اجتماع في محافظة حماة مع محافظ المدينة باتجاه ساحة العاصي، هناك اجتمع عديد من المراهقين يرددون شعارات حفظوها عن ظهر قلب. كانت الوفود دولية ووسائل الإعلام أوربية وبدأت الثورجية الممسرحة..انطلقت باتجاه أولئك المراهقين وبدأت أناقشهم بعيدا عن لغة الغوغائية. كانت أسئلة للثورجية الغرض منها كبح المغالطة. وفجأة هدأ الوضع. في تلك الأثناء قلت لأحدهم: وبعد هذا وذاك ألا ترون بأنّ سوريا بلد مواجهة ومحاط بتحديات وأن المطلوب منها يجب أن يراعي هذه الشروط وبأنّ الأسد يدير بلدا في وضعية صعبة؟
قفز المراهق وقال: نحن أصغر طفل منّا أفضل من بشّار..
قلت له: قل لي شيئا مقنعا بعيدا عن "التخبيص"..من الناحية الأخرى ظهر شخص يمسك بدشداشته من أطرافها في وضع"كلوشار" يقول: والله إسرائيل أفضل. قلت له: تعالى أنت وين رايح..لكنه فضل الهروب. جاء بعض الأمنيين وكانوا ينظرون مع الوفود وسأل أحدهم أولئك المراهقين: أنتم من أين؟ اضطرب أمر الثورجية ، ولاذ أحد بي وهو يبكي ويقول: خلاص. رحت في ستين داهية. لن أستطيع أن أبيت في بيتي ..كان يبكي بكاء العذراء في خدرها. نظرت إليه وقلت: طوّل بالك. لن يصيبك شيء. قبل دقائق فقط كنت بطلا وتريد حكم سوريا. إنّ المراهقين في تلك الأيّام كانوا يطمعون في الحكم، وبعضهم تعلّم من الجزيرة وثريّاتها أنّ الثورة هي مذهب جديد في "الولدنة". كانوا مستبدين لا يسمعون الرأي الآخر. وهذا يدين كهول المعارضة نفسها، فلقد منعوني من أن أسألهم في مصر في مؤتمر صحفي برئاسة مأمون الحمصي لولا إصراري على بهدلتهم. ديكتاتوريون صغار..
لقد أنصت لنا الأسد ساعات وهو مستمع جيّد جدّا. كان أكثر أدبا من المعارضة ذات الأخلاق البرّية. باعوا بلدهم بوعود تافهة بينما الأسد لم يبع سوريا حتى لمّا أصبح مستهدفا شخصيا. في أكثر من زيارة للرئيس الأسد وفي خطابات أخرى أحصيت عدد عبارات الاعتراف بالأخطاء التي ينسبها لنفسه من قبيل: لقد أخطأنا حينما ظننا كذا وكذا، أخطأنا حينما قررنا كذا وكذا. لا يوجد حاكم كرر عبارة أخطأنا بقدر ما وردت في خطابات الأسد. وفي كل مناسبة يفتح المجال للنقد الذّاتي. تتميز شخصية المستبد بعدم الاعتراف أو المغامرة في النقد الذاتي، بينما الأسد فعل ويفعل دائما. وحين كان يتحدّث عن الأوضاع السابقة كان يقول: لما كنا نحن شباب سوريا. تأثرنا نحن شباب سوريا. لقد كان الأسد منذ البداية قد اتجه نحو تكوين مدني كطبيب، وهي من أشرف المهن التي تتطلب التضحية والخير. لم يكن الأسد يريد من خلال الطّب أن يجني أرباحا، بل كانت المهنة غايته، لذا فإن قسم أبي قراط كان هنا حقيقيا لا شائبة فيه. وكم مرة سمعنا منه عبارة أنّ الحكم ليس هو المهم بل المهم هو حماية وحدة سوريا واستقلال قرارها. تهكّم الأسد في لقاء سابق من أنّ المعارضة همها السلطة ودعاهم أن يأتوا للانتخابات. لكن المشكلة هي أنّ المعارضة في الخارج التي تشكلت في صالونات برنار هنري ليفي وفي اجتماعات جان ماكين كانت تريد من يأتي بها على متن دبابة إلى الحكم. حين نقرأ في سيرة خصومه نقرأ أنهم حتى في حربهم ضد سوريا كانوا مستبدين. مستبدون في رفض أي تسوية سياسية. مستبدون في تشكيل ائتلافاتهم واختيار قادتها…مستبدون في تجاهل أغلبية الشعب السوري في الدّاخل. مستبدون حين حاربوا الدستور السوري والانتخابات السورية والسيادة السورية. خصوم سوريا الأساسيون لا دستور لهم ولا انتخابات. ومع ذلك تستسيغ الميغا-مغالطة القبول بمفارقة راعي الديمقراطية حراميها.
لم يكن بشار الأسد وهو طفل يفكر في السلطة بينما المعارضة عاشت هذا الهاجس. من المستبدّ يا ترى؟ للمستبد خصائص وسمات لم نر منها في الأسد واحدة. فهو يقبل بالحوار ويدعوا للنقاش ويؤمن بالنقد الذاتي ، وتكمن المفارقة هنا أنّ خصوم سوريا الدوليين والإقليميين كانوا طيلة هذا الوقت ينتظرون منه قرارا ديكتاتورية: أي تجاوز الدستور وإرادة الشعب السوري في الدخول في صفقات. كان الأسد قد دفع الثمن باهضا حين كان يحيلهم على الدستور وإرادة الشعب والسيادة. لقد حاربوه ليس لأنه مستبد بل لأنه أبى أن يكون ديكتاتوريا كما أرادوا له حين جاء كولن باول أن يتخذ قرارا فرديّا لبيع سيادة سوريا فكانت اللاّءات الأسدية بداية المحنة..
– الوحش..
وصفه خصومه بالوحش بمن فيهم داعش التي تتبع منهج إدارة التّوحّش. لم يعد لهذا التوصيف معنى. تكرر في عبارة ترامب قليل الأخلاق. أجاب الرئيس بشار الأسد محاوره في القناة الروسية عن سؤال يتعلق بموقفه من هذا التوصيف..قال الأسد بأنّ هذا صادر عن أخلاق الشخص..وبأنّ الكلام دليل المتكلم..كان الأسد أخلاقيا حين لم يتفنن في وصف خصومه بنعوت ساقطة..كان يتحدث لغة السياسة والقانون والتحليل..ترامب ومحاوره عاجزون أن يجاروا الأسد في خطبه السياسية التي هي في الواقع محاضرات..لكن لا أحد تحدّث عن الوحش الذي يقتل المدنيين هنا وهناك على امتداد المنطقة..هم يخفون جرائم الاحتلال ووحشيته..مرة أخرى إنّ للوحشية سمات توجد في ملامح خصوم الأسد وليس في سماته..لنسأل كم مرة اعترف الإخوان بوحشية ما يجري في تركيا من اعتقالات تطال مئات الصحفيين والقضات وأصحاب الرأي والأساتذة وووو إنهم يسكتون ويتحدثون عن وحش تماما كما سمّى حينّا مينا بطله الشجاع بالوحش..وحش في ممانعته..الوحش الذي يحمي حماه ولا يسمح بأن تنتهك سيادة المجال..
– غبي..
ثم كان أن نعته بعض الشيوخ بالغبي. أحدهم من ربعنا سبق وأن نعته هو نفسه أحد الشخصيات الوطنية بالغبي. فكان حقّا من الغباء أن يوصف الأسد بغبي وهو الذي أدار معركة الانتقال بالعالم إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. تفقد عبارة غبي معناها في هذه الإدارة المعتوهة للنعوت. لقد هزمهم الأسد في العقل قبل الميدان. في الذكاء ورباطة الجأش..لقد أظهر كم كانوا حقّا أغبياء..
– عميل..
تكمن مفارقة هذا النعت من أنه صادر عن طوابير من العملاء. وعن جهلة بالسياسة لا يميزون بين الحليف والعميل..بين الاستراتيجيا والعمالة. كانوا ينتظرون من الأسد أن يبيع سوريا للإمبريالية لكي يكون بطلا. فالبطولة في زمن الميغا-مغالطة هي أن تكون عميلا. كل شيء خضع للزيف والتغليط: الثورة، البطولة، الحرية. أفشل الأسد مشروع العملاء. وهو بالفعل عميل لشعبه. عميل لسوريا ولتاريخها المجيد. عميل للمقاومة..
– طائفي…
كل خصوم الأسد طائفيون. يشهد على ذلك مضغهم اليومي للطائفية. لا يحسنون أن يتحدثوا عن سوريا إلاّ بلسان طائفي جامع للحقد والتّفاهة معا. لا يوجد نصّ ضد الأسد لا تحضر فيه اللّقوة الطائفية..هذا مع أنه في كل خطاباته يتحدث عن الدولة والمؤسسات والمواطنية. يرأس الأسد حكومة يتشكل أغلبها من وزراء من سائر الطوائف. برلمان متنوع، حكومة متنوعة، لا ميز في المؤسسات والمدارس. هو نفسه جرّب أن يكون طالبا في سوريا وعاملا في أحد مستشفياتها وكان ولا زال يتحدث عن زملائه كزملاء وليس ابن رئيس. فقط الإخوان من يتحدث عن سوريا كبلد طائفي. وهي أصلا دولة تعددية تحتضن مكونات ثقافية ودينية وعرقية مختلفة..
إنّ الحرب على سوريا هي بالفعل حرب لا أخلاقية. وأن استعمال الأخلاق ذريعة للنيل من قيادتها باءت بالفشل..ترامب الذي وصف الأسد بالوحش هو نفسه الذي داس على أمّة بكاملها حين قرر بوحشية نقل السفارة إلى القدس. إنّ الوحشية هنا باتت وجهة نظر في زمن الميغا-مغالطة..











Discussion about this post